صحافة

لماذا يتردد ترامب في حسم المواجهة مع إيران؟

لماذا يتردد

يواجه الرئيس الأميركي معضلة عسكرية وسياسية معقدة في تعامله مع إيران. فبينما يواصل دونالد ترامب إطلاق التهديدات باستئناف الحرب، تفرض حسابات الميدان والاقتصاد قيوداً على قدرته على تنفيذ تهديداته. وتكشف تقارير نشرتها «التايمز» البريطانية و«واشنطن بوست» الأميركية عن أسباب تتجاوز الرغبة في انتزاع تنازلات إيرانية عبر الضغط السياسي والاقتصادي. فالخسائر التي لحقت بالقوات الأميركية، واستنزاف مخزون الذخائر، واحتمالات ارتفاع أسعار النفط، تجعل قرار استئناف القتال محفوفاً بتكاليف يصعب على البيت الأبيض تجاهلها.

تكشف حصيلة المواجهة التي بدأت في شباط/ فبراير ضمن عملية الغضب الملحمي عن حجم الأعباء التي تواجهها المؤسسة العسكرية الأميركية. فقد تجاوز عدد الطائرات الأميركية المتضررة أو المدمرة 81 طائرة، بينها مقاتلات إف-15، وطائرات هجومية من طراز إيه-10، وطائرات للتزوّد بالوقود، إضافة إلى عشرات المسيّرات من طراز إم كيو-9 ريبر. كذلك لحقت بالقواعد الأميركية في المنطقة أضرار قُدّرت بمليارات الدولارات، ما يفرض أعباء إضافية لإعادة تأهيل المنشآت وتعويض المعدات المفقودة.

ولا تقتصر المشكلة على قيمة الخسائر المادية، إذ تمتد إلى قدرة الجيش على خوض جولة جديدة من القتال فقد استهلكت الحرب كميات كبيرة من صواريخ الاعتراض ومنظومات الدفاع الجوي، وهي أسلحة تحتاج إعادة إنتاجها وتسليمها إلى وقت طويل. حيث اضطر البنتاغون إلى سحب 12 قاذفة استراتيجية من طراز بي-1 لانسر من قاعدة فيرفورد البريطانية، خشية تعرضها لهجمات المسيّرات الإيرانية، في مؤشر إلى المخاطر التي تواجه الطائرات الأميركية حتى خارج ساحات المواجهة المباشرة.

كما تجاوزت كلفة الحرب على الولايات المتحدة 43 مليار دولار، فيما اقترب الإنفاق اليومي من مليار دولار خلال ذروة العمليات. ويضع هذا الاستنزاف واشنطن أمام ضرورة إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية، خاصة مع مراجعة انتشارها في أوروبا والاتجاه نحو تقليص بعض التزاماتها التقليدية. ويعزز هذا التوجه موقف التيار الداعي إلى تطبيق شعار “أميركا أولاً”، عبر تركيز الموارد على المصالح الأميركية المباشرة بدلاً من مواصلة تحمل أعباء الانتشار العسكري.

اصطدمت محاولات ترامب استخدام الضغط الاقتصادي والصفقات المالية لانتزاع تنازلات إيرانية بتعقيدات لم يكن يتوقعها. فالضغوط وحدها لم تؤدِّ إلى تسوية تنهي المواجهة وفق الشروط الأميركية، فيما لا يضمن الخيار العسكري نتيجة ايضاً من دون تحمل مخاطر إضافية، خاصة في ظل قدرة إيران على الرد بما يتناسب مع حجم الاعتداء ونوعه.

ويبرز الخلاف حول تمويل المؤسسة العسكرية جانباً آخر من المأزق فالقادة العسكريون يحتاجون إلى موارد إضافية لتعويض الذخائر المستهلكة وإعادة بناء القدرات الدفاعية، وسط تقديرات تتحدث عن طلب يتجاوز 67 مليار دولار. أما ترامب، فيواجه صعوبة سياسية في الإقرار بحجم النقص العسكري، لأن ذلك يتعارض مع الصورة التي يسعى إلى ترسيخها عن تفوق الولايات المتحدة وقدرتها على فرض إرادتها.

وتتصل هذه الحسابات مباشرة بالداخل الأميركي فأي تصعيد جديد قد يهدد حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره حصة مهمة من تجارة النفط العالمية، ويدفع الأسعار إلى الارتفاع. وينعكس ذلك على أسعار الوقود والتضخم وتكاليف المعيشة، وهي ملفات تؤثر مباشرة في تقييم الناخبين لأداء الإدارة. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني /نوفمبر2026، يصبح التصعيد مخاطرة انتخابية إضافية للحزب الجمهوري، في وقت يحتاج فيه ترامب إلى تجنب أزمة اقتصادية تزيد الضغوط على إدارته.

تجد إدارة ترامب نفسها أمام معضلة حقيقية اذ أن استئناف الحرب قد يفاقم استنزاف القوات الأميركية ويهدد الاقتصاد، بينما لا تضمن الضغوط المالية وحدها انتزاع التسوية المطلوبة. لذلك، يعكس التردد صعوبة تحويل التفوق العسكري والاقتصادي إلى نتيجة سياسية مضمونة. ويظل تأجيل المواجهة المفتوحة خياراً أقل كلفة في المدى القريب، وإن كان يترك جذور الصراع قائمة واحتمالات التصعيد مفتوحة.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى