** رواية نقل مراكز حزب الله: خبر أمني أم تمهيد سياسي لتوسيع الاستهداف؟**
تحويل الاشتباه إلى خريطة، والخريطة إلى مبرر للاستهداف.

** رواية نقل مراكز حزب الله: خبر أمني أم تمهيد سياسي لتوسيع الاستهداف؟**

خرجت الرواية من قناة إسرائيلية بصيغة تبدو استخبارية: تقديرات أمنية تقول إن حزب الله نقل مراكز قيادته وبنيته التشغيلية من الضاحية الجنوبية إلى مناطق أخرى داخل بيروت وخارجها، وإن ضرب الضاحية لم يعد يترك أثرًا جوهريًا على قدرته على إدارة عملياته.
للوهلة الأولى، يبدو الخبر توصيفًا عسكريًا لتحوّل تنظيمي داخل الحزب.
لكن توقيته، ولغته، وطريقة تلقّفه في لبنان، تجعل منه أكثر من معلومة أمنية. إنه جزء من معركة أوسع على معنى الاستهداف وحدوده: أين يصبح القصف “مشروعًا”؟ ومن يملك تعريف المكان بوصفه هدفًا؟
هذه الرواية لا تأتي من فراغ.
منذ بداية الحرب، كرر الخطاب الإسرائيلي اتهام حزب الله بالعمل من داخل بيئات مدنية، وباستخدام “مراكز قيادة” أو “بنى تشغيلية” داخل مناطق مأهولة. في الضاحية كانت العبارة الأساسية أن الحزب يختبئ بين المدنيين. اليوم يجري تحديث العبارة نفسها: إذا لم يعد مركزه في الضاحية وحدها، فهو انتقل إلى أماكن أخرى. هكذا تتحول الرواية من تبرير ضرب الضاحية إلى تمهيد لغوي وسياسي لتوسيع بنك الأهداف خارجها.
ما تقوله القناة الإسرائيلية يبدو، من حيث المبدأ، قابلًا للفهم.
أي تنظيم يتعرض لضربات متكررة قد يعيد توزيع بنيته ويخفف تمركزه في أماكن مكشوفة. لكن الاحتمال شيء، والإثبات شيء آخر. الرواية لا تقدّم وثائق، ولا صور تحقق مستقلة، ولا تأكيدًا لبنانيًا رسميًا، ولا إفادة محايدة تثبت أن “مراكز القيادة الأساسية” انتقلت فعلًا. وفوق ذلك، فإن استمرار التهديد الإسرائيلي للضاحية واستهداف محيط بيروت يضعف مقولة أن الضاحية فقدت قيمتها بالكامل. لو لم تعد ذات قيمة، لماذا تبقى حاضرة في الخطاب والضرب؟
في هذا السياق، جرى تداول صيغة منسوبة إلى وزير “الدفاع” الإسرائيلي تقول إن “استهداف بيروت مسألة وقت فقط”، مرفقة بعبارات من نوع “اضرب الضاحية وسوِّها أرضًا”.
هذه الصيغة، كما جرى تداولها، غير دقيقة ولا تستند إلى مصدر موثوق يثبت نسبتها بهذا الشكل. الأخطر أنها تخلط بين تصريحات وتهديدات إسرائيلية متفرقة وبين اقتباس واحد حاسم، فتمنح الشائعة مظهر الخبر العاجل. هنا لا يعود التضليل في اختراع العبارة وحدها، بل في تركيبها: أخذ مناخ تهديد حقيقي، ثم تحويله إلى تصريح منسوب ومحدد من دون سند واضح.
لماذا يُنشر الكلام الآن؟
لأنه يأتي في لحظة تحتاج فيها إسرائيل إلى توسيع هامش عملها العسكري في لبنان، وإلى إقناع الداخل والخارج بأن التصعيد ليس خرقًا أو توسعًا، بل ملاحقة لبنية “تتنقل”. بهذا المعنى، لا يعمل الخبر كتحليل أمني فقط، بل كأداة حرب معلومات:
- نقل الخوف من مكان إلى آخر.
- تحميل الحزب مسؤولية تعميم الخطر.
- وإعداد الجمهور اللبناني لاحتمال ضرب مناطق جديدة بذريعة أن “البنية انتقلت إليها”.
في لبنان، لم يبقَ الخبر داخل حدوده الأصلية.
بعض المنصات والقنوات أعادت نشره بصيغ تتحدث عن انتقال مراكز وقيادات واجتماعات إلى مناطق ذات طابع طائفي مختلف. هنا يتحول التقدير الإسرائيلي إلى مادة توتر داخلي. المشكلة ليست في نقل الخبر، بل في إعادة تدويره بلا تدقيق مستقل، وبطريقة تضيف إليه شحنة اجتماعية خطرة. فحين يُربط خبر غير مثبت بمناطق وطوائف، يصبح أثره السياسي أكبر من قيمته المعلوماتية.
في المقابل، تعاملت صحف ومنصات أخرى مع الرواية من زاوية السياق الأوسع: إسرائيل توسع عملياتها، وتطلب حرية عمل أكبر، وتفاوض تحت ضغط النار. هذه القراءة أكثر تماسكًا لأنها لا تمنح الرواية الاستخبارية صفة الحقيقة، بل تسأل عن وظيفتها: لماذا تريد إسرائيل أن يصدّق اللبنانيون أن الحزب لم يعد في مكان واحد؟ ولماذا يُضخ هذا الكلام في لحظة يتسع فيها النقاش حول استهداف بيروت والضاحية ومحيطهما؟
ما يمكن تثبيته حتى الآن هو أن إسرائيل تروّج لفكرة إعادة تموضع حزب الله خارج الضاحية، وأن منصات لبنانية وعربية تلقفت الرواية ووسعتها اجتماعيًا وسياسيًا. أما ما لا يمكن تثبيته فهو أن مراكز القيادة الأساسية انتقلت فعلًا، أو أن الضاحية لم تعد مؤثرة في بنية الحزب، أو أن العبارة المتداولة عن “استهداف بيروت مسألة وقت فقط” صدرت بصيغتها المنسوبة.
لذلك، لا يصح التعامل مع الخبر كحقيقة مكتملة، بل كتقدير إسرائيلي قيد التحقق يعمل داخل حرب معلومات واضحة.
خطورته ليست فقط في ما يقوله، بل في ما يمهّد له: تحويل الاشتباه إلى خريطة، والخريطة إلى مبرر للاستهداف.


