
**نداء صور والنبطية: من وقّع على ماذا؟**

بدأت القصة بنداءين خرجا من صور والنبطية في توقيت حربي شديد الحساسية.
النصوص المنشورة قدّمت نفسها كدعوة إلى حماية المدنيين، وقف التدمير، تعزيز حضور الدولة والجيش، وإخراج المدينتين من دائرة الاستهداف. في “النهار” ظهر نداء صور تحت عنوان “مدينة مفتوحة خالية من السلاح”، وفي المؤسسة اللبنانية للإرسال و”جنوبية” ظهر نداء النبطية كدعوة إلى حماية مدن الجنوب وفرض سلطة الدولة. هكذا صُنعت السردية الأولى: جنوبيون يطالبون الدولة بالتدخل وبحصر القرار الأمني تحت سقف الشرعية.
لكن الترويج لم يقف عند حدود نشر النداءين.
بعض الصحف والمنصات دفعتهما في اتجاه سياسي أوضح: ما جرى ليس مجرد مطالبة بالحماية، بل إعلان اعتراض داخل البيئة الجنوبية على واقع السلاح والنفوذ. هذا الطرح بدا واضحًا في مقاربات إعلامية قرأت نداءَي صور والنبطية بوصفهما حدثًا سياسيًا غير مسبوق، لا مجرد صرخة محلية تحت النار. هدف هذا الترويج كان نقل النداءين من خانة مطلب الحماية إلى خانة الضغط السياسي: هناك رأي جنوبي يريد الدولة وحدها، وهناك قوى أمر واقع تحاول منعه من التعبير.
هذا الطرح ليس بلا منطق بالكامل.
فالعبارات المنشورة عن “مدينة مفتوحة” و”خالية من السلاح” تفتح فعلًا باب القراءة السياسية، خصوصًا في لحظة حرب تُطرح فيها مسألة السلاح والقرار الأمني بقوة. لكنه يصبح ناقصًا حين يتعامل مع لائحة الأسماء كأنها كتلة واحدة وافقت على كل كلمة في النص النهائي. فالتحقيق لا يكتفي بسؤال: ماذا نُشر؟ بل يسأل أيضًا: ماذا عُرض على الموقّعين قبل النشر؟
على الضفة المقابلة، قدّمت منصات أخرى، بينها “يا صور” عبر بيان منسوب إلى “شباب صور”، طرحًا مضادًا اعتبر أن بعض مضمون النداء، وخصوصًا عبارة “خالية من السلاح”، ينسجم، عن قصد أو عن غير قصد، مع السردية الإسرائيلية. هذا الطرح يستند إلى حساسية التوقيت: مدينة جنوبية تحت الاعتداء، وأي نص يربط أمنها بالسلاح قد يُستخدم خارج سياقه. لكنه بدوره يقع في اختزال مقابل، لأنه يحاكم كل الموقّعين على أساس النص المنشور، من دون أن يفحص إن كانوا قد اطّلعوا فعلًا على هذه الصيغة أو وافقوا عليها.
أما “جنوبية” فقدّمت زاوية ثالثة، تحدّثت فيها عن ضغوط وتخوين للموقّعين ودفع بعضهم إلى سحب أسمائهم. هذه الرواية تفسّر جانبًا من الضجة التي أعقبت النشر، لكنها لا تكشف أصل المشكلة. فالسؤال الأهم ليس فقط لماذا تراجع البعض، بل: هل كان النص الذي نُشر هو النص الذي وافق عليه كل من وُضعت أسماؤهم عليه؟
هنا تضع وكالة نيوز – وحدة التحقيقات الاستقصائية «أجنسي» خلاصة تحققها.
بعد التواصل مع موقّعين والحصول على إفادات مباشرة، تبيّن للوكالة أن عددًا منهم لم يوقّع على الصيغة المنشورة لاحقًا، بل على نص أو طرح عام يتمحور حول حماية المدينة، وقف الحرب، وتعزيز حضور الدولة.
وبحسب هذه الإفادات، فإن عبارات ذات حمولة سياسية حساسة أُدرجت في الصيغة النهائية من دون موافقة واضحة من جميع من نُشرت أسماؤهم.
النتيجة أن القضية لا تُختصر بين “مع الدولة” و”ضد الدولة”، ولا بين “نداء شجاع” و”نداء يخدم العدو”.
الخلل الأهم يقع في مسار التوقيع نفسه: نص أولي، صيغة منشورة، وأسماء وُضعت أمام جمهور واسع على مضمون لم يوافق عليه بعض أصحابها كما ظهر. لذلك، فإن جوهر التحقيق ليس عدد التواقيع، بل أمانة النص الموضوع فوقها.



