صحافة

تراجع ترامب: من الخليج إلى بريطانيا، القوات الأميركية تنسحب

يعتبر مراسلا صحيفة نيويورك تايمز ديفيد إي. سانغر وإريك شميت في هذا المقال الذي ترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن الحرب على إيران التي كان الهدف منها إظهار مدى قوة الولايات المتحدة الأمريكية وقدرتها على الوصول إلى أي مكان، فعلت العكس الآن، وأنها تعطي درساً في العواقب غير المقصودة.

واستعرض سانغر وشميت اللذان يغطّيان الصراعات الأميركية والاستراتيجية الجيوسياسية لصحيفة “نيويورك تايمز” منذ أكثر من 40 عاماً، في هذا المقال التأثيرات لقيام أمريكا بسحب قواتها من منطقة الخليج الفارسي ومؤخراً من بريطانيا (تم سحب قاذفات B-1 الأمريكية من قاعدة “فيرفورد” الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني التي توصف بأنها ركيزةً أساسية للتعاون العسكري الأمريكي البريطاني منذ افتتاحها عام 1944)، واضعين هذا الأمر بأنه في سياق تراجع ترامب. ومستخلصين بأن الانسحاب الأمريكي السريع يقدم درساً للإيرانيين وربما خصوماً آخرين لأمريكا أيضاً، مفاده أنهم يمتلكون القدرة على طرد قوة عظمى: “ففي أوروبا، يفكر ترامب وهيغسيث في خفض القوات الأميركية وفق شروطهما وجدولهما الزمني. أما في الشرق الأوسط وبريطانيا، فقد فُرض عليهما ذلك”.

النص المترجم:

إذا استمعنا إلى وصف الرئيس ترامب ومساعديه للأمر، فإن الإسراع في سحب 12 قاذفة من طراز “بي-1” من قاعدة جوية في بريطانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع كان إجراءً احترازياً حكيماً، استجابةً لتهديد رفضوا وصفه.

وأصرّ ترامب على أن الأمر ليس ذا أهمية كبيرة، فيما حاول وزير خارجيته ماركو روبيو التقليل من شأنه، مشيراً إلى أن البنتاغون “يعيد باستمرار توزيع الموارد حيث تكون هناك حاجة إليها”.

لكن بالنسبة إلى أي شخص تابع انتشار القوة العسكرية الأميركية حول العالم خلال الأشهر السبعة منذ أن قرر ترامب مهاجمة إيران، فإن ذلك كان مثالاً صارخاً آخر على اضطرار ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث، مرة تلو الأخرى، إلى التراجع وسحب القوات العسكرية التي كانت قد نشرت في الشرق الأوسط وبريطانيا كرادع.

وخلال الأشهر الماضية، ومع استمرار الصراع، كشفت الحرب مع إيران عن نقاط ضعف أميركية جديدة وهائلة، ما أجبر البنتاغون على إجراء تغييرات لم يكن يفكر فيها قبل عام. لكنها كشفت أيضاً عن درس مرير في العواقب غير المقصودة التي نجمت عن الحرب التي اختار ترامب خوضها.

كان ترامب قد أراد من الهجوم على إيران أن يكون استعراضاً جديداً للقوة الاستثنائية للجيش الأميركي، بعد الغارة الجوية الناجحة التي استهدفت 3 مواقع نووية إيرانية في حزيران/يونيو 2025، وبعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من سريره في كراكاس في كانون الثاني/يناير.

لكن بدلاً من تعزيز القوة الأميركية، قيدتها الحرب. فقد أدى إغلاق القواعد في الشرق الأوسط والحد من استخدام إحدى القواعد في بريطانيا، في الحد الأدنى، إلى تعقيد عمليات إسقاط القوة العسكرية الأميركية إلى حد كبير. ولا يزال بإمكان القاذفات الأميركية الوصول إلى أهدافها، بالطبع، ولكن عليها الآن أن تنطلق من الولايات المتحدة، ما يتطلب وقتاً أطول وتزويداً إضافياً بالوقود. ولا تزال مجموعات حاملات الطائرات الأميركية قادرة على الدوريات في بحر العرب، خارج الخليج الفارسي، لكنها باتت مضطرة الآن إلى إعادة التزوّد بالإمدادات من دييغو غارسيا، وهي جزيرة في المحيط الهندي تبعد 2200 ميل، ما يتطلب أسابيع إضافية وتكاليف ضخمة.

لكن الأهم من ذلك أن عمليات الانسحاب السريعة لقّنت الإيرانيين، وربما خصوماً آخرين أيضاً، درساً مفاده أنهم يمتلكون القدرة على طرد قوة عظمى. ففي أوروبا، يفكر ترامب وهيغسيث في خفض القوات الأميركية وفق شروطهما وجدولهما الزمني. أما في الشرق الأوسط وبريطانيا، فقد فُرض عليهما ذلك.

وقال مسؤولون أميركيون وبريطانيون يوم الاثنين إن القاذفات أُخرجت على عجل من القاعدة البريطانية بعدما تلقى القادة معلومات محددة وموثوقة تفيد بأن عملاء مدعومين من إيران كانوا يخططون لشن هجمات بطائرات مسيّرة ضد الطائرات والقوات الأميركية، انطلاقاً من موقع قريب جداً من السياج الخارجي للقاعدة.

وربما استلهم المخططون المشتبه بهم جزئياً هجوماً جريئاً شنته أوكرانيا على روسيا العام الماضي، عندما هرّبت طائرات مسيّرة إلى عمق الأراضي الروسية وأطلقتها من شاحنات. وأدت الضربات إلى إلحاق أضرار بما لا يقل عن 12 طائرة أو تدميرها.

وقد أعادت تلك الهجمات وغيرها ضبط فهم البنتاغون لنقاط الضعف العسكرية. وفجأة، لم يعد إبقاء القوات خارج مدى الصواريخ كافياً. فقد أعادت الطائرات المسيّرة والأسلحة السيبرانية تشكيل ساحة المعركة.

ويقول الرئيس، محقاً، إن البحرية الإيرانية بأكملها أُغرقت في العملية العسكرية الأولى، وإن سلاح الجو الإيراني المتداعي خرج من الخدمة. كما أن البلاد تقف على حافة الانهيار الاقتصادي، وقد أصابها الحصار البحري بالشلل، وهو الحصار الذي أدى إلى خفض صادراتها النفطية إلى حد ضئيل.

لكن ذلك لم يمنع الإيرانيين من إجبار الطائرات والأفراد الأميركيين على الفرار من قواعدهم التي كانت آمنة في السابق، والابتعاد أكثر فأكثر عن إيران. وقد أُجلي أفراد أميركيون من قواعد في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر، وجميعها كانت ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وقد تضررت بعض تلك القواعد بشدة لدرجة أن الاهتمام بإعادة بنائها داخل البنتاغون بات محدوداً؛ وسيتم نقلها إلى أماكن أبعد إذا وافق الكونغرس على التمويل.

أما الممرات المائية، فقضيتها أكثر تعقيداً. لكن الولايات المتحدة عجزت عن ضمان “حرية الملاحة” عبر مضيق هرمز أو أجزاء من البحر الأحمر. وعلى مدى نصف القرن الماضي، كان ذلك أحد التبريرات الأميركية الأساسية لاستمرار وجودها في الشرق الأوسط.

وقالت دانا سترول، كبيرة مسؤولي سياسة الشرق الأوسط في البنتاغون خلال إدارة بايدن، إن النقل المفاجئ للقاذفات الـ 12 إلى الولايات المتحدة يمكن أن تكون له تداعيات داخلية وخارجية.

وقالت سترول، التي تعمل الآن في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “مثل هذا القرار المتسرع يحدث اضطراباً شديداً في التخطيط العملياتي ومعنويات القوات”.

وأضافت: “المسألة الأكثر إثارة للقلق تقع على المستوى الاستراتيجي؛ فمن المرجح أن يستخلص الإيرانيون درساً خطيراً، مفاده أنه من خلال إظهار القدرة على الاقتراب من القواعد العسكرية الأميركية الواقعة بعيداً جداً عن الشرق الأوسط، يمكن دفع ترامب إلى التراجع”.

ولدى ترامب والمدافعين عنه رواية مختلفة تماماً للأحداث. ففي حملته الانتخابية لانتخابات التجديد النصفي، صوّر إيران على أنها على وشك الانهيار، فيما تتهاوى عملتها. ويصر ترامب على أن الحصار البحري المفروض على جميع الشحنات الداخلة إلى إيران والخارجة منها يخنق البلاد، وسيجبرها على إبرام اتفاق. كما يصر على أن أي حديث عن إحراز إيران تقدماً هو “أخبار زائفة”، تنشرها مؤسسات إعلامية تتحدث عن نقص الذخائر وانتكاسات أخرى لأنها غير موالية للبلاد.

وللمرة الأولى، أقر مسؤولون إيرانيون بالألم الاقتصادي. وأشار وزير الخزانة سكوت بيسنت هذا الأسبوع إلى أن إيران لديها وزير نفط جديد، ثم تساءل على وسائل التواصل الاجتماعي: “بما أن إيران لم تحمّل برميلاً واحداً من النفط الخام على متن سفينة منذ 25 آب/أغسطس، فما الذي يديره وزير النفط؟”.

علاوة على ذلك، يصف مسؤولو الإدارة عمليات الإجلاء بأنها إجراءات حكيمة وقصيرة الأمد. ومن الممكن أن تعود قاذفات “بي-1” التي أُبعدت على عجل إلى قاعدة سلاح الجو الملكي في فيرفورد، التي كانت ركناً أساسياً في التعاون العسكري الأميركي-البريطاني منذ إنشائها استعداداً لغزو نورماندي في عام 1944. وحتى إذا حال التهديد دون عودتها، يصر مسؤولو القوات الجوية على أن بإمكانهم تنفيذ مهامهم بعيدة المدى انطلاقاً من قواعد داخل الولايات المتحدة.

ويريد البنتاغون التفكير في إنشاء قواعد جديدة في إسرائيل والأردن، لكن ذلك سيتطلب موافقة الكونغرس وسيستغرق سنوات لتطويرها أو بنائها من جديد. وعندما تحدث هيغسيث إلى القوات يوم الأربعاء الماضي، لم يشر إلى الدمار الذي لحق بقواعد الشرق الأوسط. وبدلاً من ذلك، تحدث عن وضع الولايات في منافسة من أجل إنشاء قاعدة جديدة وواسعة داخل الولايات المتحدة.

لم تكن هذه هي الخطة عندما أعلن ترامب الهجوم على إيران في 28 شباط/فبراير. كان ترامب يبحث عن نصر خلال بضعة أيام، ثم خلال 5 أو 6 أسابيع. وطالب ترامب بـ”الاستسلام غير المشروط”، وبعد 3 أسابيع من بدء الصراع أعلن هزيمة إيران بالكامل. وفي الخميس الماضي، قال إن إيران ستستسلم “مباشرة بعد الانتخابات”.

لكن إيران ردت بقصف القواعد الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط، ما أجبر العديد من القوات الأميركية على الانتقال إلى الفنادق والمكاتب في مختلف أنحاء المنطقة، وأثار تساؤلات حول استعدادات إدارة ترامب للحرب.

واكتشفت إيران أماكن وجود العديد من الجنود، بعضهم في فنادق غير محمية، وبدأت باستهدافهم هناك أيضاً. ولم تكن الأهداف عسكرية فقط؛ فقد تعرضت محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” في السعودية للقصف أيضاً، رغم أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الإيرانيون قد استهدفوها عمداً، أم أنهم أصابوا مجمعاً دبلوماسياً بمحض الصدفة.

أصبحت العديد من القواعد العسكرية الرئيسية الـ13 في المنطقة التي تستخدمها القوات الأميركية غير صالحة للاستخدام بسرعة، وكانت القواعد الموجودة في الكويت، المجاورة لإيران، ربما الأكثر تضرراً.

قُتل 6 عسكريين أميركيين في ضربة استهدفت ميناء الشعيبة ودمرت مركزاً للعمليات التكتيكية تابعاً للجيش الأميركي. كما استهدفت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية قاعدة علي السالم الجوية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بمنشآت الطائرات وإصابة أفراد، إضافة إلى معسكر بورينغ، حيث تضررت منشآت الصيانة والوقود.

وفي قطر، استهدفت إيران قاعدة العديد الجوية، وهي المقر الإقليمي للقوات الجوية التابعة للقيادة المركزية الأميركية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بمنظومة رادار للإنذار المبكر. وفي البحرين، أصابت طائرة مسيّرة إيرانية هجومية أحادية الاتجاه معدات اتصالات في مقر الأسطول الأميركي الخامس. وفي قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، ألحقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أضراراً بمعدات الاتصالات وبعدد من ناقلات إعادة التزويد بالوقود.

وكتب محمد آية اللهي طبّار، الأستاذ المشارك في الشؤون الدولية في كلية بوش للحكومة والخدمة العامة بجامعة تكساس إيه آند إم، في مجلة “فورين أفيرز” في وقت سابق من هذا الشهر، أن إيران “تتبنى الآن استراتيجية تجاه الولايات المتحدة تقوم على التصعيد والهجوم المتواصل”.

وأضاف: “هذا يعني أنها لن تواصل المسار نفسه ولن تسعى إلى تسوية مع واشنطن. وبدلاً من ذلك، ستبدأ في بذل المزيد من الجهود لإلحاق الضرر باقتصادات شركاء الولايات المتحدة الإقليميين وتدمير أسواق الطاقة العالمية، فضلاً عن توسيع هجماتها على البنية التحتية العسكرية الأميركية”. وتوقع أن تحاول إيران الاستيلاء على بعض القواعد الأميركية التي تُركت إلى حد كبير في الدول العربية الخليجية، رغم أنها تجنبت حتى الآن القيام بأي تحركات برية من هذا النوع.

وزار السيناتور كريستوفر س. مورفي، الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت وعضو لجنة العلاقات الخارجية، منطقة الخليج الفارسي هذا الأسبوع للاطلاع على الأضرار، وقال على وسائل التواصل الاجتماعي إنه مُنع من دخول قاعدة العديد. وقال متحدث باسم البنتاغون إن مورفي أُبلغ قبل رحلته بأنه لن يُسمح له بدخول القاعدة، بموجب قيود فرضها هيغسيث في بداية الحرب.

وأصبح موضوع القواعد حساساً إلى درجة كبيرة بالنسبة إلى البنتاغون، لدرجة أنه رفض تزويد الكونغرس بتقديرات لتكلفة إصلاح المنشآت أو إعادة بنائها، والتي قال مشرعون إنها قد تصل إلى عشرات مليارات الدولارات. وليس واضحاً ما الذي يدفع البنتاغون إلى رفض مناقشة هذا الموضوع، رغم أن فاتورة بهذا الحجم قد تتحول إلى مادة سياسية يستغلها المرشحون المعارضون للحرب.

وبدلاً من ذلك، يجري الآن تخطيط جدي داخل القيادة المركزية الأميركية، التي تشرف على العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، لإعادة تموضع منشآتها في المنطقة وإعادة تشكيلها.

وقال السيناتور جاك ريد، الديمقراطي عن ولاية رود آيلاند والعضو الديمقراطي الأبرز في لجنة القوات المسلحة، الشهر الماضي: “واصلت التكاليف المالية الارتفاع بمليارات الدولارات كل شهر، حتى في الوقت الذي ترفض فيه الإدارة الاعتراف بأزمة الذخائر التي نواجهها أو الإقرار بتكاليف إعادة بناء القواعد التي تضررت بشدة بفعل إيران”.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى