صحافة

من التحالف إلى التهديد: كيف تنظر أنقرة إلى “إسرائيل” اليوم؟

التحالف

شكّل قصف مطار “أبو الظهور” العسكري في شمال سوريا، في 18 أغسطس/آب الفائت، ثالث استهداف “إسرائيلي” معلن ضد الوجود التركي في سوريا، بعدما أكد نتنياهو ومسؤولون آخرون أن الضربة استهدفت تحديدًا منع نشر تركيا لقواتها على الأراضي السورية، بوصف ذلك خطًّا أحمر إسرائيليًّا. هذا التصعيد المتكرر يعكس تحولًا عميقًا في منظومة العلاقات بين الجانبين، التي عرفت تاريخيًّا تحالفًا إستراتيجيًّا، قبل أن تشهد في السنوات الأخيرة توترات متلاحقة نقلت نظرة أنقرة إلى تل أبيب من قوة إقليمية منافسة، إلى عامل تهديد للأمن الإقليمي، ثم إلى تهديد مباشر لأمنها القومي.

كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل عام 1949، في إطار سعيها للانضمام إلى الكتلة الغربية وحلف الناتو خوفًا من الأطماع السوفيتية. وطوال الحرب الباردة، مثّلت العلاقة مع تل أبيب أحد مداخل أنقرة للعلاقة مع واشنطن. ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2003، مرت العلاقات بمحطات مد وجزر: قطيعة دبلوماسية بعد هجوم “مافي مرمرة” عام 2010، ثم استعادتها عام 2016، وقطيعة جديدة إثر التعامل الدموي مع مسيرات العودة في غزة عام 2018، قبل استئناف العلاقات عام 2022. وجاءت عملية طوفان الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول 2023 في وقت كانت فيه العلاقات تشهد تحسنًا، وسط حديث تركي عن الفصل بين العلاقة مع إسرائيل وسياساتها تجاه الفلسطينيين، وسعي مشترك لتطوير التعاون في مجالات عدة أبرزها الطاقة. غير أن الحرب وما تلاها من تصعيد إسرائيلي متواصل في المنطقة أدت إلى تصاعد تدريجي ومستمر في حدة التوتر.

من الجانب الإسرائيلي، شاركت تل أبيب في مساعي عزل تركيا إقليميًّا عبر تعميق علاقاتها مع اليونان، خصمها التقليدي، والانضمام إلى منتدى غاز شرق المتوسط، كما أدرجتها الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” للمرة الأولى، عام 2020، كتهديد للأمن القومي. وبعد تحسن مؤقت مواكب لتوجه أنقرة لتطبيع علاقاتها الإقليمية، عاد التوتر عقب موقف تركيا من حرب الإبادة في غزة، وتحديدًا مشاركتها في قضية الإبادة أمام محكمة العدل الدولية وفرضها عقوبات اقتصادية على إسرائيل. وتكررت التصريحات الإسرائيلية المحرضة ضد الرئيس التركي، ترافقت مع اعتراف إسرائيلي بالإبادة الأرمنية، ومعارضة حكومة نتنياهو لأي دور تركي في غزة ضمن قوات السلام الدولية، بل وصل الأمر إلى تهديد وزير الدفاع يسرائيل كاتس للرئيس التركي بـ”مصير صدام حسين”.

وتصاعدت وتيرة هذه التهديدات بعد سقوط نظام الأسد وتطور العلاقات التركية-السورية، في ظل تناقض واضح بين المصالح: إسرائيل ألغت اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 من جانب واحد ودمرت معظم مقدرات الجيش السوري ووسعت احتلالها، بينما تدعم تركيا وحدة الأراضي السورية وتتعاون عسكريًّا وأمنيًّا مع دمشق. كما هددت إسرائيل الرئيس السوري أحمد الشرع بخصوص تطور علاقاته مع أنقرة، فيما تحدث نتنياهو عن مواجهة “محور سنّي” ناشئ تعد تركيا ركيزته الأساسية خلفًا لـ”المحور الشيعي” المتداعي، وأوصت لجنة “ناغل” التي كلفها نتنياهو بضرورة الاستعداد لمواجهة عسكرية مع تركيا. وفي مارس/آذار 2025 استهدفت مقاتلات إسرائيلية قواعد عسكرية سورية لمنع أي انتشار تركي فيها، وأعلنت تفكيك أجهزة تجسس تركية على الأراضي السورية، كما عززت علاقاتها مع اليونان وقبرص ضمن إطار ثلاثي موجه أساسًا ضد تركيا، مع طموح نتنياهو لتوسيعه إلى تحالف سداسي.

في المقابل، تغيرت النظرة التركية الرسمية بوتيرة متسارعة، إذ ظهرت إسرائيل للمرة الأولى في “الكتاب الأحمر”، وثيقة الأمن القومي التركي، كتهديد عام 2010 بعد حادثة “مافي مرمرة”، ثم توسع هذا التوصيف مع بيانات مجلس الأمن القومي التي أشارت إلى تهديد إسرائيل للاستقرار الإقليمي، خصوصًا عبر انتهاكاتها بحق الفلسطينيين، قبل أن تُضمَّن إشارات إلى التهديد الإسرائيلي لسوريا بعد سقوط الأسد. وفي السنوات الثلاث الأخيرة، صعّدت أنقرة انتقاداتها لحرب الإبادة وفرضت عقوبات اقتصادية، ووصل الأمر إلى إصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو، بالتوازي مع تحول الخطاب الرسمي للحديث عن تهديد إسرائيلي مباشر لتركيا نفسها، لا مجرد تهديد غير مباشر عبر زعزعة الأمن الإقليمي. وحذر أردوغان من اقتراب القوات الإسرائيلية من الحدود التركية، وعقد البرلمان جلسة مغلقة لبحث سبل مواجهة هذا التهديد. وأكد وزير الخارجية هاكان فيدان أن إسرائيل قد ترى في سوريا أو تركيا عدوًّا جديدًا بعد إيران، مشددًا على استعداد أنقرة لأي مواجهة عسكرية مباشرة محتملة.

وقد درست مراكز أبحاث تركية دروس المواجهات الإيرانية-الإسرائيلية، ودعت دراسات إلى الاستعداد لحرب جوية متزامنة على جبهتين، يونانية وإسرائيلية، فيما لمّح أردوغان إلى دور تركي محتمل في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين متى “أصبحت أقوى”، مع توسيع الشراكات الإقليمية عبر أطر مثل اتفاق مكة الثلاثي مع السعودية وباكستان، الذي يُفهم ضمنًا أنه موجه أساسًا ضد إسرائيل.

هذا التناقض الحاد في المصالح، خصوصًا في سوريا، يجعل احتمال الصدام المباشر بين الجانبين قائمًا وإن كان محدودًا، سواء بخطأ في الحسابات أو تدحرج غير مقصود للأحداث. فقرب مطار أبو الظهور من الحدود التركية (60 كلم) يمثل خرقًا لتفاهمات سابقة توسطت فيها أذربيجان، إذ تراجعت حكومة نتنياهو عن مبدأ تقاسم النفوذ إلى الرفض المطلق لأي وجود عسكري تركي في سوريا، في وقت تتوقع فيه أنقرة رفع مستوى دعمها لدمشق ليشمل رادارات ومنظومات دفاع جوي وربما قواعد مشتركة. ومع ذلك، فإن عوامل عدة تحول دون مواجهة موسعة، أبرزها القوة العسكرية التركية، وعضوية أنقرة في الناتو، والموقف الأميركي الرافض لصدام مباشر بين حليفيه.

في مواجهة هذا الاحتمال، تعتمد أنقرة إستراتيجية متعددة المحاور: تجنب المواجهة أو تأجيلها ريثما تكتمل الاستعدادات، خصوصًا مع اقتراب انتخابات الكنيست التي تراهن تركيا على خسارة نتنياهو فيها، وتعزيز أوراق القوة الذاتية عسكريًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا، بما في ذلك التقدم في ملف مكافحة الإرهاب؛ ومواصلة دعم سوريا باعتبارها دولة عازلة تحول دون تماس مباشر مع إسرائيل، وتهدئة بؤر التوتر الإقليمية عبر انخراط تركي في وساطات غزة وأزمة إيران وأميركا، وأخيرًا توظيف الشراكات الإقليمية والعلاقة الجيدة مع واشنطن كأداة ضغط إضافية، دون رهان كامل على الحماية الأميركية أو تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو.

خلاصة القول إن قصف أبو الظهور يمثل محطة جديدة في تحول العلاقة التركية-الإسرائيلية من تنافس إلى عداء مباشر، وأن الصدام المحدود بات سيناريو مطروحًا بجدية رغم استبعاد الحرب الشاملة، خصوصًا في ظل خطوط حمراء إسرائيلية متغيرة وسياسة إقليمية متهورة قد تدفع الأحداث نحو تصعيد غير مرغوب فيه من الجانب التركي.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews“:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews“، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — من التحالف إلى التهديد: كيف تنظر أنقرة إلى “إسرائيل” اليوم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى