صحافة

إعادة التأطير: كيف يروي الإعلام الخليجي هزيمته في اليمن؟

أتمّت الحرب السعودية على اليمن عقدًا كاملًا منذ انطلاقها تحت عنوان “عاصفة الحزم” في آذار/مارس 2015، بتحالف عربي ودولي ثبت بعد عشر سنوات أنه لم يحقق أيًّا من أهدافه العسكرية أو الميدانية. وكانت الحصيلة خسارة مليارات الدولارات في المجهود الحربي، وخسارة مناطق جغرافية كانت الرياض تهيمن عليها، وخسارة معنوية ورمزية هي الأقسى، لأن موازين القوى انقلبت تمامًا بين جيوش نظامية تملك العدد والعدّة، وقوى يمنية تملك الإرادة والإصرار على الإمساك بقرارها وأرضها ورفض التبعية للسعودية أو الإمارات. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا عن صورة هذه الحرب في الخطاب الإعلامي الخليجي اليوم، وعن الطريقة التي يقدّم بها هذا الخطاب سير المعارك والتطورات الأخيرة.

من “عاصفة الحزم” إلى “فجر اليمن”: خطاب الهاجس الأمني

يتعامل الإعلام السعودي مع تقدّم أنصار الله على أنه تهديد مباشر لأمن المملكة، وتشاركه الإمارات هذا الموقف رغم الخلافات العميقة بين البلدين حول اليمن. فأبو ظبي دعمت في مراحل سابقة قوى جنوبية غير تلك التي دعمتها الرياض، ولا يزال البلدان مختلفين في رؤيتهما لبنية الدولة اليمنية ومستقبل الجنوب، لكنهما متفقان على رفض تمدد أنصار الله. لذلك يكرران لهجة التخويف من سيطرتهم على الساحل الغربي، بحجة أنها ترفع المخاطر على الملاحة والطاقة والأسواق العالمية. وبذلك تتحول الجغرافيا اليمنية في الإعلام إلى جغرافيا للأمن الخليجي، تعني دول المجلس كلها ومعها مصر والأردن والكيان الإسرائيلي، لأن باب المندب يفضي إلى العقبة وقناة السويس.

وجاء الموقف الإماراتي الرسمي شديد الوضوح، فقد أدانت وزارة الخارجية استهداف المنشآت الاقتصادية والمدنية السعودية والسفن التجارية في البحر الأحمر، وركّزت على السيادة السعودية وأمن الملاحة. ثم انتقلت اللهجة في 17 أيلول/سبتمبر إلى عنصر أكثر حساسية حين أدانت أبو ظبي ما وصفته بمحاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيّرة، فدخلت المقدسات ميدان الحرب الإدراكية، وصار أنصار الله في هذا الخطاب خطرًا على المقدسات لا على الحدود وحدها. أما قطر، فقد أدانت في 8 أيلول/سبتمبر استهداف المنشآت السعودية والسفن التجارية، وحين طالت الهجمات الرياض والطائف وينبع، شددت خارجيتها على أن أمن السعودية جزء من أمن قطر ومن منظومة الأمن الجماعي لمجلس التعاون، وهو إطار مؤسساتي له وزنه في التسويق السياسي. وسار الإعلام الكويتي على المنوال نفسه معتمدًا على البيانات الرسمية ووكالة “كونا”، فكثرت فيه مفردات “ميليشيا الحوثي” و”الاعتداءات الإرهابية” و”انتهاك السيادة”. وحدها سلطنة عُمان تجنبت هذا القاموس، فعرضت الروايتين، وأقرّت بأن أنصار الله يسيطرون أصلًا على صنعاء ومعظم المناطق الأكثر سكانًا في الشمال والغرب، وهو موقف ينسجم مع دورها في استضافة الاتصالات بين الأميركيين وأنصار الله وحرصها على إبقاء القناة السياسية مفتوحة.

ويمكن من خلال الفضاء العام رصد ثلاثة اتجاهات في الخطاب الخليجي. أولها اتجاه الهاجس الأمني، الذي يستعيد تجربة الصواريخ والمسيّرات والهجمات على المنشآت النفطية، فيجعل السيطرة الميدانية لأنصار الله داخل اليمن مسألة أمن داخلي سعودي. وثانيها اتجاه يطرح “تورّط السعودية في حرب لم تحسمها”، ويتساءل كيف أصبحت جماعة قُدّمت في بداية الحرب على أنها بدائية وسهلة الهزيمة قوةً تسيطر على مساحات واسعة وتهدد النفط والملاحة والإمداد العالمي، وهو نقاش ينقل الانتباه إلى كلفة الحرب على الخليج. وثالثها الاتجاه البراغماتي، وهو الأهم سياسيًا، إذ قد ينتقل التفكير الخليجي من كيفية هزيمة أنصار الله إلى كيفية التعامل معهم بوصفهم حقيقة عسكرية وسياسية، لا اعترافًا بهم بل إدارةً لميزان قوى جديد. وقد تعزز هذا الاتجاه بعد تقدّمهم نحو 150 كيلومترًا على ساحل البحر الأحمر خلال أسبوع، واستيلائهم على المخا واقترابهم من باب المندب.

في هذا السياق أعلنت الحكومة اليمنية المدعومة سعوديًا في 4 تشرين الأول/أكتوبر عملية “فجر اليمن” لاستعادة ما فقدته من أراضٍ، بعدما انتقل أنصار الله من الاحتفاظ بمناطقهم التقليدية إلى تحقيق مكاسب في الساحل الغربي والضغط على طرق تعز–عدن ومأرب. وتحولت العملية إلى أولوية إعلامية مطلقة غابت معها بقية الأخبار، وأطلقت قناتا “العربية” و”الحدث” حملة لإعادة الاعتبار للقوات الموالية للرياض بعد هزيمتها النفسية والعسكرية منذ منتصف أيلول/سبتمبر. فتوالت عناوين “تحرير صنعاء وإنهاء الانقلاب” و”تدمير 324 هدفًا عالي القيمة” و”السيطرة على باب المندب”، إلى جانب دعاية معنوية تتحدث عن عناصر “فرّوا بالقوارب” أو “انشقوا” أو “استسلموا”، ودعوات إلى “معاملة الأسرى بالحسنى”. وتكشف المفردات الأكثر تكرارًا، مثل الميليشيا والإرهاب والوكلاء وإيران والملاحة ومكة والنفط والأمن الخليجي، عن قاموس صُمّم لتأطير الحدث قبل نقله.

الحرب الإدراكية وإعادة التأطير: حين تعجز اللغة عن إخفاء الوقائع

يتتبّع الخطاب الخليجي مسارًا واضحًا في نظرته إلى أنصار الله، من “جماعة متمردة يسهل إسقاطها” في بداية الحرب، إلى “ذراع إيرانية تهدد السعودية“، ثم إلى “تهديد للملاحة الدولية” في مرحلة البحر الأحمر. وبعد الحرب الأميركية على إيران تغيرت المعادلة مرة أخرى، فأصبحت صنعاء طرفًا قادرًا على فرض المعادلات في باب المندب وخطوط الطاقة وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، بل في العلاقة السعودية–الإيرانية نفسها. ولهذا يتعامل الخطاب الخليجي مع التطورات الراهنة على أنها أزمة استراتيجية إقليمية لا مجرد تطور عسكري يمني، وحتى حين يرفض الاعتراف بالتقدم الميداني، فإن حجم التغطية ولغتها يكشفان ضمنيًا أن أنصار الله صاروا فاعلًا لا يمكن تجاوزه، وهو ما عبّرت عنه “رويترز” حين وصفت مكاسبهم بأنها تعيد تشكيل ميزان القوى في الخليج.

ويعمل الإعلام الخليجي على إعادة تعريف هذه المكاسب ضمن أطر محددة. فهي أولًا “تهديد أمني للسعودية”، تُترجم فيه أي قوة يمنية فورًا إلى خطر على الرياض والمنشآت النفطية. وهي ثانيًا “نفوذ إيراني”، إذ لا يظهر أنصار الله فاعلًا يمنيًا مستقلًا بل امتدادًا للصراع مع طهران، فيتغير معنى الخبر لدى الجمهور. وتضاف إلى ذلك أطر التحكم بباب المندب، وتهديد المقدسات، وضرورة إزاحة هذه القوة وإعادة “الشرعية”. ويلفت الخطاب الإماراتي النظر هنا، فصحيفة The National وصفت السيطرة على المخا وجزيرتي بريم وزُقر بأنها تغيير استراتيجي، ونشرت تحليلًا يتساءل عن قدرة أوروبا على دعم السعودية في مواجهة الحوثيين، أي أن السؤال انتقل إلى قدرة الرياض على مواجهة هذه القوة وحدها.

وتقوم اللغة الخليجية على ما يسمى في دراسات الاتصال السياسي “إعادة التأطير“، فهي لا تقول إن أنصار الله تقدّموا أو انتصروا، بل إن القوات الحكومية “تستعيد الأراضي” و”تواجه الهجوم”، حتى حين تكون الوقائع العسكرية في غير صالحها. غير أن موقف المجتمع الخليجي يبقى مجهولًا، إذ لا توجد دراسة علمية حديثة تقيسه، وأحدث استطلاع، وهو المؤشر العربي 2025، أُجري قبل التصعيد الحالي، وأظهر أن 14% من الخليجيين يرون إيران المصدر الأكبر للتهديد مقابل 9% لـ”إسرائيل”، وأن النسبة بلغت 35% في الكويت. كما بيّن الاستطلاع نفسه أن هذه المجتمعات تسجّل أدنى مستويات الانخراط السياسي عبر وسائل التواصل، ما يجعل ما يُسمّى “الرأي العام الخليجي” على المنصات عينة انتقائية من ناشطين وحسابات أيديولوجية وأخرى ذات أجندات.

ومع ذلك، تتبدّل الصورة الذهنية للحرب في الوعي الخليجي، فاليمن الذي كان حربًا بعيدة عن المواطن صار صواريخ على الرياض واستهدافًا للمنشآت النفطية وتحكّمًا بأسعار النفط وأمن الملاحة، وهكذا تُلغى المسافة الإدراكية بين اليمن والخليج. وهنا يكمن التناقض: فالإعلام الخليجي يرفض منح أنصار الله شرعية سياسية، كما يظهر في دعم الرياض لإعلان رشاد العليمي بدء العمليات، لكنه اضطر إلى الإقرار بنجاحهم العسكري والاستراتيجي. ولعل هذا التناقض من أقوى دوافع “فجر اليمن”، التي تبدو محاولة لاستعادة التماسك أمام الرأي العام وخلق توازن معنوي بعد خسارة المزيد من الجغرافيا اليمنية، وقد بلغت فصول الإثارة ذروتها بالحديث عن “حلف مكة” و”تفعيل الدفاع المشترك”، في وقت تستنجد فيه الرياض بالدعم التركي والباكستاني الذي لم تظهر نتائجه بعد.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى