عاجل عاجل | علماء يصنعون بلاستيكًا يحجب الحرارة دون أن يفقد قوته
صحافة

هرمز بعد الحرب: العبور بشروط إيران

أرادت أميركا فتح هرمز بالقوة، قبل أن تنتهي إلى التفاوض مع إيران على شروط العبور. فالحرب التي كان يُفترض أن تنزع من طهران واحدة من أهم أوراق قوتها، انتهت بتكريس المضيق بنداً أساسياً في التفاهمات بين الطرفين، وباعتراف عملي بأن حركة السفن في أحد أهم الممرات البحرية بالعالم لا يمكن تنظيمها من دون إيران. ولم تتوقف النتائج عند إعادة فتح المضيق أمام الملاحة، إذ أبقت طهران لنفسها هامشاً واسعاً في تحديد شكل إدارته مستقبلاً، من فرض الرسوم على السفن العابرة إلى منح الدول الصديقة شروطاً مختلفة. وهكذا، تحاول إيران اليوم تثبيت ما فرضته خلال الحرب في مرحلة ما بعدها، وتحويل السيطرة على حركة العبور من ورقة مؤقتة إلى نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد.

فإلى أي مدى نجحت إيران في تحويل سيطرتها على المضيق إلى معادلة جديدة، وكيف تسعى اليوم إلى تثبيت هذه المعادلة في مرحلة ما بعد الحرب؟

بدأت ملامح هذه المعادلة تظهر منذ الأيام الأولى للحرب، عندما أثبتت إيران أن موقعها الجغرافي وقدرتها العسكرية يمنحانها إمكانية التأثير المباشر في حركة الملاحة. مما دفع شركات الشحن إلى تغيير مسارات سفنها، وإطفاء أجهزة التتبع لتجنب استهدافها، فيما اضطرت الولايات المتحدة إلى السعي لتوفير الحماية العسكرية للسفن العابرة من دون أن تنجح في إعادة حركة الملاحة إلى وضعها الطبيعي. ومع استمرار الحرب، انعكس إغلاق هرمز على حركة السفن وأسواق الطاقة، وأظهر أن امتلاك الولايات المتحدة أكبر قوة بحرية في العالم لا يعني قدرتها على ضمان المرور في المضيق بعيداً عن إرادة إيران.

لكن الأهم ظهر عند انتهاء الحرب وبدء التفاوض على إعادة حركة الملاحة. فبدلاً من عودة المضيق إلى ما كان عليه قبل المواجهة، دخلت شروط العبور ضمن التفاهم بين واشنطن وطهران، ولم تحصل الولايات المتحدة سوى على التزام إيراني بعدم فرض رسوم على السفن لمدة ستين يوماً. أما ما بعد هذه المهلة، فبقي مفتوحاً أمام ترتيبات جديدة تمنح إيران دوراً في تحديد شكل إدارة المضيق والخدمات المقدمة للسفن العابرة. وهذا يعني أن واشنطن التي دخلت الحرب وهي تريد انتزاع ورقة هرمز من يد طهران، اضطرت في نهايتها إلى التفاوض معها على هذه الورقة، فيما حافظت إيران على قدرتها على استخدام موقعها الجغرافي ونفوذها في المضيق ضمن حساباتها السياسية والاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب.

وتسعى إيران اليوم إلى البناء على هذه النتيجة من خلال تحويل نفوذها في المضيق إلى مكاسب. فطهران أعلنت نيتها فرض رسوم على السفن العابرة مقابل الخدمات التي تقدمها، مع إمكانية منح الدول الصديقة، وفي مقدمتها الصين، شروطاً تفضيلية في المرور. وبذلك، لا تعود السيطرة على هرمز مجرد وسيلة لتهديد أعداء إيران عند اندلاع الحروب، بل أداة يمكن استخدامها لإعادة ترتيب علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الدول الأخرى، ومكافأة حلفائها والضغط على خصومها. وهو ما يمنح طهران قدرة إضافية على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية، ويجعل المرور في المضيق مرتبطاً، بصورة أكبر من السابق، بعلاقات الدول ومواقفها من إيران.

ولا تقف أهمية هذه المعادلة عند حدود المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تحققها إيران من رسوم العبور. فامتلاك القدرة على تحديد الدول التي تحصل على معاملة تفضيلية يمنح طهران ورقة يمكن استخدامها في مواجهة سياسة العقوبات والعزل التي اتبعتها الولايات المتحدة ضدها لعقود. فالدول التي حافظت على علاقاتها مع إيران خلال الحرب، أو رفضت الانخراط في الضغط عليها، يمكن أن تحصل على امتيازات مختلفة عن تلك التي شاركت في الحرب أو دعمتها. وبهذا المعنى، يصبح مضيق هرمز أداة بيد طهران لإعادة توزيع المكاسب والأكلاف وفق مواقف الدول من العدوان عليها.

ويظهر حجم التحول أكثر في موقف دول الخليج التي وجدت نفسها خلال الحرب أمام حقيقة أن ضمان أمن صادراتها النفطية لا يمكن أن يعتمد على الحماية الأميركية وحدها. فتعطل حركة الملاحة واستمرار قدرة إيران على تهديد السفن دفعا عدداً من هذه الدول إلى البحث عن تفاهمات مع طهران تضمن مرور ناقلاتها وتجنبها تبعات المواجهة. وهكذا، تحولت ورقة هرمز إلى عامل دفع نحو التعامل المباشر مع إيران بدلاً من الرهان على عزلها أو تجاوز دورها. وهو ما يمنح طهران موقعاً أقوى في علاقاتها الإقليمية، بعدما أثبتت الحرب أن استقرار حركة الطاقة وأمن الممرات البحرية في الخليج لا يمكن ضمانهما من دون تفاهم معها.

ومما يكشفه هذا حدود التفوق العسكري الأميركي عندما يتعلق الأمر بفرض ترتيبات سياسية دائمة في المنطقة. فالولايات المتحدة استطاعت إرسال حاملات الطائرات وحماية بعض السفن وتوجيه ضربات عسكرية، لكنها لم تستطع فرض معادلة تضمن استمرار تدفق الطاقة بعيداً عن إيران. وفي نهاية الحرب، بقيت طهران الطرف الذي تملك واشنطن ودول المنطقة التفاوض معه حول مستقبل المضيق. وبذلك، لم تعد أهمية هرمز بالنسبة لإيران محصورة في إغلاقه عند اندلاع المواجهة، بل في قدرتها على استخدامه لفرض حضورها في أي ترتيبات تتعلق بأمن الخليج وحركة الطاقة العالمية.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى