صحافة

سوريا: من يكتب قواعد السلطة بعد الانتقالي؟

لم تعد المسألة السورية تُقرأ من زاوية بقاء أحمد الشرع في السلطة أو خروجه منها، بل من زاوية أعمق: من سيملك مفاتيح الدولة عندما تنتهي مرحلة الترتيب الانتقالي؟

المعطيات المتداولة ترسم مشهداً يتجاوز التعديل الحكومي التقليدي. فالعروض المنسوبة إلى الشرع لكل من أسعد الشيباني وأنس خطاب للانتقال من موقعيهما الحاليين إلى رئاسة الحكومة وإدارة مكتب الأمن الوطني، تُقرأ في الرواية المتداولة باعتبارها محاولة لإعادة توزيع مراكز القوة وسحب شخصيات أساسية من مواقع التأثير المباشر في الخارجية والأمن. وهذه الرواية تتقاطع جزئياً مع واقع إعادة الهيكلة الأمنية التي شهدتها دمشق فعلاً، وإن كانت تفاصيل العروض وأهدافها السياسية تحتاج إلى إثبات مستقل.

لكن جوهر القصة ليس في المنصب، بل في وظيفة المنصب.

حين تصبح الوزارات السيادية جزءاً من معركة إعادة تشكيل السلطة، فإن نقل شخصية من موقع إلى آخر لا يكون بالضرورة ترقية؛ قد يكون إعادة تموضع، أو تحييداً، أو تمهيداً لمرحلة مختلفة. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن مناف طلاس في المادة المتداولة: ليس بوصفه اسماً بديلاً فحسب، بل باعتباره عنواناً لمشروع إعادة تركيب لموازين السلطة نفسها. الرواية تذهب إلى أبعد من ذلك، فتتحدث عن حكومة جديدة وتعديل دستوري ينقل جزءاً من صلاحيات رئيس السلطة الانتقالية إلى رئيس الوزراء، بما يجعل الرئاسة أقل نفوذاً وأكثر رمزية.

وهنا تحديداً ينبغي التوقف.

إذا صح هذا السيناريو، فإن القضية لا تكون «تغيير حكومة»، وإنما تغيير صيغة الحكم.

أما لبنان، فيظهر في هذه المعادلة كورقة ضغط لا كملف منفصل. وفي هذا السياق تشير المعطيات أن موقف الشرع من دخول لبنان أصبح جزءاً من حسابات بقائه السياسي، وأن رفضه الانخراط عسكرياً قد يدفع باتجاه تسريع إعادة ترتيب السلطة. وهذه نقطة شديدة الحساسية، لأن تحويل القرار السوري إلى وظيفة في صراع إقليمي يعني أن دمشق لا تدير فقط أزمتها الداخلية؛ بل تتحول هي نفسها إلى ساحة تفاوض بين قوى أكبر منها.

واللافت أن الخطاب الرسمي السوري الحالي يحاول تقديم صورة مختلفة تماماً: الشرع يتحدث عن الانتقال من مرحلة «تبادل الثقة» إلى العمل وإعادة الإعمار، بينما يؤكد الشيباني في المحافل العربية أن سوريا تدخل مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة موقعها العربي.

بين الصورتين تتحدد المعركة الحقيقية.

صورة أولى تقول إن دمشق تدخل مرحلة تثبيت الدولة والمؤسسات. وصورة ثانية ترى أن المؤسسات نفسها لم تحسم بعد: من يقود الأمن؟ من يملك القرار السيادي؟ ومن يرسم شكل السلطة المقبلة؟

أما العامل الأميركي والإسرائيلي، فيدخل من بوابة مختلفة: شرعية النظام الجديد وحدود مقبوليته. فالمادة المرفقة تشير إلى ضغوط مرتبطة بتركيبة الحكومة والأمن ووجود مقاتلين أجانب، وإلى محاولة التأثير في واشنطن عبر الإعلام ومراكز التفكير.

وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تكون عسكرية فقط، ولا سياسية فقط، بل معركة على تعريف «سوريا الجديدة»: من يمثلها، ومن يضمن أمنها، ومن يملك قرارها، والأهم… من يكتب قواعد السلطة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية؟

لذلك فإن الأشهر المقبلة قد لا تحمل مجرد أسماء جديدة في الحكومة، بل اختباراً لصيغة الحكم نفسها. وإذا انتقلت مراكز القوة من الأشخاص إلى بنية سياسية جديدة، فلن يكون السؤال: من سيحل مكان الشرع؟

بل: أي شرع، وأي دولة، وأي نظام سيبقى بعد إعادة توزيع مفاتيح السلطة؟

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى