صحافة

بعد رحيل الجنود… متى يتحرر نفط العراق من الوصاية الأمريكية؟

رحيل

مع اقتراب نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2026، وما يرافقها من ترقب لمصير الوجود العسكري الأمريكي في العراق، تتجه الأنظار بصورة طبيعية إلى القواعد العسكرية، وعدد الجنود، وطبيعة الانسحاب، وما إذا كان سيضع حداً فعلياً لمرحلة طويلة من الحضور العسكري الأمريكي المباشر. غير أن اختزال مسألة السيادة العراقية في ملف الوجود العسكري وحده ينطوي على خطأ استراتيجي كبير، لأن السيطرة على الأرض لا تكون دائماً عبر الجنود والقواعد والطائرات، بل قد تكون أكثر عمقاً وتأثيراً عندما تمر عبر المصارف فالدولار وعائدات النفط.

ومن هنا، فإن نيل العراق استقلاله المالي الكامل عن أمريكا، واستعادة سيادته الفعلية على إيراداته النفطية، يجب أن يكون في صلب أي حديث عن اكتمال الانسحاب الأمريكي. فالسيادة على النفط، الذي يشكل نحو 90% من إيرادات الموازنة العراقية، لا تقل أهمية عن منع التواجد العسكري الأمريكي المباشر، بل يمكن القول إنها أخطر منه بكثير. فالوجود العسكري يفرض ضغطه بصورة مباشرة على الدولة والقوى السياسية وقوى المقاومة، أما السيطرة على العصب المالي للدولة فتمنح القدرة على محاصرة المجتمع العراقي بأكمله، وجعل حياة ملايين المواطنين رهينة قرار صادر من البيت الأبيض.

وتعود جذور هذا الواقع إلى مرحلة الاحتلال الأمريكي عام 2003، حين أُنشئ صندوق تنمية العراق، وأودعت عائدات النفط العراقي في حساب داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ورغم أن هذا الترتيب قُدم في البداية بوصفه وسيلة لحماية الأموال العراقية من الدعاوى والمطالبات الدولية المرتبطة بمرحلة نظام الطاغية صدام حسين، فإنه تحول مع مرور الوقت إلى أحد أهم أوراق النفوذ الأمريكي في العراق. وباتت واشنطن، بحكم مركزية الدولار والنظام المالي الأمريكي، تمتلك قدرة استثنائية على التأثير في وصول بغداد إلى ثروتها النفطية، وعلى حركة الدولار داخل الاقتصاد العراقي.

وتظهر خطورة هذه الآلية في أن العراق لا يعتمد على هذه الأموال لتمويل مشاريع ثانوية أو خطط مستقبلية فقط، بل يعتمد عليها في إدارة الحياة اليومية للدولة والمجتمع. فالرواتب، والاستيراد، وشراء الغذاء والدواء، وتمويل الخدمات، واستقرار سعر الصرف، جميعها ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتدفق الإيرادات النفطية والدولار. ولذلك، فإن أي قدرة خارجية على تأخير هذه التدفقات أو تقييدها أو فرض شروط على استخدامها تتحول عملياً إلى قدرة على ممارسة ضغط لا يطال الحكومة وحدها، بل يمتد إلى ملايين العراقيين.

وهذا ما يجعل السيادة المالية أخطر من مجرد قضية اقتصادية. فالاحتلال العسكري، مهما كانت قوته، يبقى واضحاً أمام الرأي العام ويمكن مواجهته سياسياً وشعبياً، أما الوصاية المالية فتعمل من داخل تفاصيل الحياة اليومية. فقد لا يحتاج الطرف الخارجي إلى نشر جندي واحد في شوارع العراق إذا كان يمتلك القدرة على خلق أزمة دولار، أو الضغط على سعر صرف الدينار، أو تعطيل قدرة الدولة على الوصول السلس إلى مواردها. وعندها يصبح المواطن العراقي هو المتضرر الأول، حتى لو كان الخلاف السياسي موجهاً أساساً ضد الحكومة أو بعض القوى السياسية.

وقد كشف التهديد الأمريكي عام 2020، بعد مطالبة العراق بخروج القوات الأمريكية، طبيعة القوة التي يوفرها هذا النظام المالي لواشنطن، عندما برزت إمكانية حرمان الدولة العراقية من الوصول إلى أموالها الموجودة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وهذه الحادثة تكشف بوضوح أن السيطرة المالية ليست مسألة تقنية أو مصرفية محايدة، وإنما يمكن أن تتحول إلى أداة سياسية واستراتيجية في لحظات الصراع.

إن انسحاب القوات الأمريكية، إذا تم في نهاية أيلول/سبتمبر 2026، يجب أن يكون بداية مرحلة جديدة، لا إعلاناً متسرعاً عن اكتمال الاستقلال ونيل السيادة. إذ لا معنى عملياً لرحيل الجندي الأمريكي عن القاعدة (هذا إن رحل فعلياً ولم تكن الخطوة مجرد إزالة شعار أمريكا بشعار جهة استشارية) إذا بقيت أهم ثروة عراقية تمر ضمن نظام يمنح الإدارة الأمريكية نفوذاً واسعاً على الدورة المالية للبلاد. فالسيادة ليست فقط أن ترفع الدولة علمها فوق أراضيها، وإنما أن تكون قادرة على إدارة مواردها الوطنية واتخاذ قراراتها الاقتصادية والمالية من دون أن يكون الخوف من العقوبات أو القيود المالية أو منع الوصول إلى الأموال جزءاً من حساباتها السياسية.

لذلك، فإن المعركة العراقية المقبلة يجب أن تتجاوز شعار إخراج القوات الأجنبية إلى مشروع متكامل للاستقلال المالي والنقدي. وهذا يقتضي تنويع القنوات المصرفية والتجارية، وتعزيز قدرة البنك المركزي العراقي، وتطوير البنية المالية الوطنية، وبناء آليات تتيح للعراق إدارة إيراداته النفطية وفق ترتيبات يقررها هو، لا وفق ترتيبات فرضتها ظروف الاحتلال واستمرت آثارها بعد انتهائه.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews“:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews“، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — بعد رحيل الجنود… متى يتحرر نفط العراق من الوصاية الأمريكية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى