صحافة

إيران وأميركا: الاقتصاد ساحة حرب حقيقية

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق أو بحجم الضربات العسكرية المتبادلة. ثمة حرب أخرى موازية تجري في مستوى أقل ضجيجاً وأكثر تأثيراً على المدى الطويل إنها حرب الاستنزاف الاقتصادي.

إن الاقتصاد أصبح واحداً من أهم ميادين الصراع داخل إيران، وأن النقاش حول التفاوض مع واشنطن لم يعد منفصلاً عن سؤال أكبر مفاده، إلى أي حد تستطيع الدولة الإيرانية تحمّل كلفة استمرار المواجهة، وإلى أي حد تستطيع الولايات المتحدة تحويل العقوبات إلى أداة لإجبار طهران على تغيير حساباتها السياسية والاستراتيجية؟

هذه النقطة تحديداً تفسّر جانباً من الصراع الذي يدور داخل دوائر القرار الإيراني بين من يرى أن الأولوية يجب أن تكون لتثبيت موقع إيران في الميدان ثم التفاوض من موقع القوة، وبين من يرى أن استمرار الضغط الاقتصادي قد يجعل التفاوض ضرورة قبل أن يتحول الاقتصاد إلى عامل يفرض شروطه على السياسة.

ما تفعله واشنطن تجاه إيران لا يمكن اختزاله في كلمة “العقوبات” أو “الحصار” فنحن أمام شبكة متداخلة تستهدف مصادر الدخل وقنوات تحويل الأموال والشركات والناقلات وشبكات الوساطة والعملات الأجنبية.

وفي أيلول/سبتمبر 2026 مع ما سمّته واشنطن “Operation Economic Outcast”عملت وزارة الخزانة الأميركية على إشراك المؤسسات المالية العالمية في ملاحقة شبكات التمويل والتحايل على العقوبات الإيرانية. وهذا يعني أن الولايات المتحدة لا تريد فقط معاقبة الشركات التي تتعامل مع إيران، بل تريد جعل التعامل مع الاقتصاد الإيراني نفسه أكثر كلفة ومخاطرة بالنسبة إلى النظام المالي الدولي.

بعبارة ثانية، الهدف الأميركي هو نقل إيران من حالة “اقتصاد خاضع للعقوبات” إلى حالة اقتصاد يصعب على الشركات والمؤسسات العالمية التعامل معه أصلاً. وهذه نقطة قوة أميركية واضحة فأمريكا يكفيها أن تجعل البنوك والشركات وشركات التأمين والشحن العالمية تفكر ألف مرة قبل الاقتراب من إيران.

النفط: نقطة الضعف الأكبر للطرفين

رغم سياسة الاقتصاد المقاوم والاكتفاء الذاتي وعدم الاعتماد على النفط في سياسات الحكومات الإيرانية المتعاقبة بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 79 إلا ان النفط ما يزال يشكل مفتاحا رئيسيا للاقتصاد الإيراني. فكلما نجحت واشنطن في تضييق صادرات النفط، تقلصت قدرة إيران على الحصول على العملة الصعبة، وازدادت الضغوط على سعر الصرف، وارتفعت تكلفة الاستيراد، وتضاعفت صعوبة تمويل الدولة والقطاع الخاص. لكن النفط أصبح أيضاً في الوقت ذاته نقطة ضعف أميركية.

فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى بيع كامل إنتاجها عبر القنوات التقليدية لكي تحصل على عائدات وقد طوّرت خلال سنوات العقوبات شبكات من الوسطاء وشركات الواجهة وأساطيل الشحن أو ما يعرف بأساطيل الظل ومسارات مالية بديلة وقد أقرت وزارة الخزانة الأميركية نفسها بأن هذه الشبكات لعبت دوراً أساسياً في استمرار صادرات النفط الإيراني.

وتشير المعطيات التي عرضها صندوق النقد الدولي في تموز/يوليو 2026 إلى أن أداء صادرات النفط الإيرانية في آذار ونيسان كان أفضل من المتوقع، وأن بعض التخفيف في القيود على الصادرات ساعد على تعديل توقعات الاقتصاد الإيراني، رغم أن الصندوق كان لا يزال يتوقع انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4% في 2026.

إيران لم تغلق اقتصادها، بل تعيد هندسته

أهم ما فعلته إيران خلال سنوات العقوبات هو أنها أعادت تعريف الاقتصاد الخارجي بدلاً من الاعتماد على النظام المالي الغربي والأسواق الأوروبية، اتجهت بصورة أكبر نحو الصين وشبكات آسيوية وإقليمية، واستخدمت شركات واجهة ووسطاء وممرات تجارية بديلة. ولهذا استهدفت وزارة الخزانة الأميركية في أيار/مايو 2026 شبكات مرتبطة ببيع النفط الإيراني إلى الصين تحديداً، وهو ما يكشف أن الصين بقيت إحدى أهم منافذ الاقتصاد الإيراني رغم الضغط الأميركي.

من الخطأ القول بأن اقتصاد إيران لا يتأثر لأن المعطيات الأخيرة تشير إلى ضغط شديد على الاقتصاد الإيراني. ورويترز نقلت في آب/أغسطس أن الحرب والعقوبات المتصاعدة دفعت الاقتصاد إلى مرحلة أكثر صعوبة، مع تراجع كبير في التجارة وارتفاع حاد في التضخم لا سيما مع تدهور قيمة الريال وارتفاع أسعار الغذاء إلى مستويات شديدة الارتفاع، بالتزامن مع تراجع فرص العمل والأجور الحقيقية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين

لهذا، فإن التحليل المنطقي في علم الاقتصاد السياسي انطلاقا من المعطيات الموجودة فإن إيران استطاعت مقاومة العقوبات على مستوى الدولة، لكنها لا تستطيع إلغاء آثارها الاجتماعية بالكامل. نعم، الدولة يمكنها تأمين العملات اللازمة لبعض القطاعات الاستراتيجية، وتأمين الغذاء والوقود، وتمويل المؤسسات الأساسية، وإعادة توجيه التجارة، لكنها لا تستطيع بسهولة منع تآكل القوة الشرائية للمواطن، أو ارتفاع الأسعار، أو انخفاض قيمة العملة. ولهذا فإن الخطر الحقيقي للحصار ليس أن “تجوع الدولة”، بل أن ترتفع كلفة المقاومة الاقتصادية على المجتمع مع مرور الوقت.

ما هو سلاح إيران الاستراتيجي؟

يظهر مضيق هرمز في الحسابات الإيرانية ليس فقط باعتباره ممراً عسكرياً، بل باعتباره أداة اقتصادية وجيوسياسية وسلاحاً استراتيجياً مؤثرا، فكلما ارتفع التوتر حول المضيق، ارتفعت كلفة الطاقة العالمية، وارتفعت مخاطر الشحن والتأمين، وازداد الضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة. وقد انعكس ذلك على الأسواق العالمية خلال الحرب، مع ارتفاع أسعار النفط بصورة حادة نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات. لكن استخدام هرمز كسلاح اقتصادي يحمل معه مخاطرة كبيرة بالنسبة إلى إيران نفسها، لأن الاقتصاد الإيراني يعتمد أيضاً على التجارة، والطاقة، وحركة الاستيراد، والتصدير. وهنا يصبح المضيق سلاح ردع وليس سلاحاً يمكن استخدامه بلا كلفة كلما استخدمته إيران للضغط، رفعت كلفة الضغط على خصومها. وتكمن قوة إيران في أنها لم تبدأ مواجهة العقوبات من الصفر فهي أمضت عقود في بناء آليات للالتفاف عليها، وأصبحت الشركات والدوائر الاقتصادية والأمنية داخل الدولة أكثر خبرة في التعامل مع بيئة العقوبات وقد عبّر عنها وزير الخارجية الإيراني الأسبق ظريف بالقول: “لدينا دكتوراه بالالتفاف على العقوبات”.

أين تكمن نقطة القوة الأميركية؟

إن القوة الأميركية الأساسية ليست فقط في حجم الاقتصاد الأميركي، بل إنها في الموقع الذي تحتله الولايات المتحدة داخل النظام المالي العالمي فالدولار، المصارف، التأمين، الشحن، العقوبات الثانوية، والوصول إلى الأسواق الغربية، كلها تمنح واشنطن قدرة على جعل أطراف ثالثة تشارك في تنفيذ العقوبات حتى من دون أن تكون جزءاً مباشراً من الصراع. ولهذا فإن الخزانة الأميركية تستطيع استهداف شركة في آسيا أو سفينة أو مؤسسة مالية، فتجعل شركات أخرى تعيد حساباتها خوفاً من العقوبات وهذه قدرة لا تمتلكها إيران بالدرجة نفسها.

لكن الحصار الأميركي يحمل أيضاً نقطة ضعف استراتيجية فكلما توّسعت العقوبات، زادت الحاجة إلى مراقبة شبكات أكبر وأكثر تعقيداً. كما أن العقوبات لا تعمل في فراغ فعندما ترتفع أسعار النفط بسبب الأزمة الإيرانية، فإن جزءاً من الكلفة ينتقل إلى المستهلك الأميركي والأوروبي والآسيوي وعندما تضطر شركات الشحن إلى تغيير طرقها، ترتفع كلفة النقل والتأمين وعندما تضطرب الأسواق النفطية، تتأثر الاقتصادات العالمية.

وقد أظهر التصعيد في أيلول/سبتمبر 2026 أن اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب الإيرانية الأميركية دفعت أسعار النفط الى 107 دولار للبرميل في بعض التداولات، وسط مخاوف من انخفاض الإمدادات العالمية وهذا يعني أن العقوبات ليست بلا كلفة، وان نتائجها وارتداداتها الإقليمية والعالمية كبيرة.

هل الوقت لصالح الجمهورية الإسلامية؟

تراهن طهران على أن الوقت يعمل في الاتجاه المعاكس لصالحها، فهي تتكيف مع العقوبات، وتحافظ على قنوات النفط والتجارة، وتستفيد من الصين وشبكات آسيا، وتجعل كلفة حصارها مرتفعة على الأسواق العالمية، وتستخدم موقعها الجغرافي وأوراقها الإقليمية لتحسين شروط التفاوض.

ويمكن القول إن الحصار الأميركي على إيران ليس معركة من طرف واحد، بل إنها معركة استنزاف متبادل. وهكذا أصبح الاقتصاد، أكثر من أي وقت مضى، امتداداً للحرب، ولكن بأدوات مختلفة فقد أصبح النفط بدل الصاروخ، والدولار بدل المدفع، والمصارف بدل القواعد العسكرية.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى