موقع SCMP الصيني: فشل القصف الأميركي الإسرائيلي في إخضاع إيران كان أمراً محتوماً
يرى كاتب العمود في صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” (SCMP)، أليكس لو، في هذا المقال الذي ترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن التاريخ فيه العديد من الأمثلة عن بلدان رفضت ببساطة الاستسلام للقصف، من ألمانيا النازية إلى فيتنام وصولاً الى الجمهورية الإسلامية في إيران. وأشار لو بأن العواقب غير المقصودة للحرب التي بدأها نتنياهو بدأت تطارده هو وبلاده. مستشرفاً بأن ما سيأتي سيكون أكثر.
النص المترجم:
أشاد ونستون تشرشل، على نحو شهير، بصمود الشعب البريطاني خلال “الغارة”، واصفاً القصف الليلي للندن بأنه محاولة “وحشية وعابثة وعشوائية” من أدولف هتلر لكسر روح “أمة جزيرية” صلبة.
ولم يكن مخطئاً بشأن صلابة مواطنيه وشجاعتهم. لكن، بصفته أحد أعظم قادة المملكة المتحدة وكتّابها التاريخيين، فقد خلق انطباعاً خاطئاً بشأن تفرد التجربة البريطانية خلال الحرب.
فالقصف الاستراتيجي وحده، من دون دعمه وتعزيزه بقوات برية، لا يحقق هدفه تقريباً. ولم تكن المقاومة البريطانية استثناءً، بل كانت هي القاعدة.
والحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران تشكل مثالاً واضحاً على ذلك. وكما قال تريتا بارسي، من معهد كوينسي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”: “من الآمن القول إن الموقع الداخلي للحكومة (الإيرانية) أقوى مما كان عليه قبل ستة أشهر”.
فمجرد البقاء والصمود يعني أن طهران تحقق الفوز. وقال إن “الإيرانيين نجوا بالفعل من هجوم لم يكن أي بلد آخر في المنطقة تقريباً قادراً على النجاة منه”. وأضاف: “لقد تعرضوا لهجوم من دولتين تمتلكان أسلحة نووية، ومع ذلك خرجوا في الأساس في موقع متفوق… ونتيجة لذلك، ازدادت قدرتهم على الردع (في مواجهة) الدول الأخرى، كما ازدادت قدرتهم على المناورة داخلياً”.
ويبدو ذلك أمراً بديهياً. ومع ذلك، تفاخر قادة مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنهم قادرون على قصف خصومهم حتى إخضاعهم، وأن شعوب تلك البلدان ستنهض للإطاحة بحكوماتها. وفي أحدث تصعيد له، دعا ترامب الشعب الإيراني إلى الانتفاض، قائلاً: “متى سينهض الشعب الإيراني ويقاتل؟”. وبصرف النظر عن الإجرام الكامن في هذا الأمر، فإن طريقة التفكير هذه تبدو عبثية.
فعندما تقصف شعباً ومجتمعاً بلا رحمة، فلن يرحبوا بحربك وينهضوا للإطاحة بحكومتهم، مهما كانت درجة كراهيتهم لها. بل إنهم سيشعرون، بصورة غريزية، بإحساس عميق بالقومية والتضامن. وبذلك تكون قد أعدت فعلياً منح الشرعية لحكومتهم، وهو ما نشهده في إيران اليوم.
لم أشعر يوماً بأنني كندي أكثر مما شعرت عندما هدد ترامب بجعل كندا الولاية الأميركية الحادية والخمسين، وأعاد، بموجب أمر تنفيذي، تسمية بحيرة أونتاريو لتصبح “بحيرة أميركا”. وهو لم يقصف تورونتو حتى الآن.
كان قصف الحلفاء لألمانيا أكثر وحشية واستمراراً بكثير من الغارة الألمانية على بريطانيا. ومع ذلك، بلغ الإنتاج الحربي الألماني ذروته بين عامي 1943 و1944، ولم تنهَر عزيمة المدنيين إلا مع غزو بري مزدوج من الغرب والشرق نفذته قوات الحلفاء.
وبين عامي 1965 و1975، قصفت واشنطن فيتنام حتى تحولت إلى أشلاء، بعدما أسقطت نحو 7.6 ملايين طن من الذخائر على فيتنام ولاوس وكمبوديا، علماً بأن البلدين الأخيرين لم يكن من المفترض حتى أن يكونا طرفين في الحرب، مقارنة بنحو 2.1 مليون طن من القنابل أُلقيت في مسرحي العمليات الأوروبي والهادئ معاً خلال الحرب العالمية الثانية.
استسلمت اليابان الإمبراطورية نتيجة القصف الجوي، لكن ذلك لم يحدث إلا لأنها واجهت تهديداً بالإبادة الكاملة بواسطة الأسلحة الذرية الجديدة آنذاك. ومنذ ذلك الحين، لم تجرؤ أي دولة تمتلك أسلحة نووية على استخدامها في القتال.
ولعل أقرب مقارنة معاصرة للتسوية بالأرض التي أحدثتها القنابل الذرية في هيروشيما وناغازاكي هي الحرب الإسرائيلية على غزة. ففي نيسان/أبريل من العام الماضي، قدّر المتخصص في دراسات السلام والأستاذ الفخري في جامعة برادفورد، بول روجرز، بصورة معقولة، أن قصف غزة كان “يعادل ست قنابل من نوع هيروشيما”.
وقارن بين 70 كيلوطن من الذخائر التي أُلقيت على غزة وبين القوة التفجيرية البالغة 12 كيلوطن للقنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما. غير أن معظم التقديرات الأخرى تضع القوة المكافئة لمادة “تي إن تي” عند ما بين 15 و16 كيلوطن في هيروشيما، و25 كيلوطن في ناغازاكي. ومع ذلك، تبقى وجهة نظر روجرز قائمة.
وقد عرض روبرت بيب، عالم السياسة في جامعة شيكاغو وأحد أبرز المتخصصين في تاريخ القصف الجوي، ملامح الحرب على إيران خلال سلسلة من المقابلات مع شبكات إخبارية أميركية كبرى مثل “فوكس نيوز” و”بي بي إس” و”سي إن إن إنترناشيونال”. ويرى أن الضربات الجوية الدقيقة تحقق بسهولة أهدافاً تكتيكية، مثل تدمير المنشآت والقضاء على القادة، لكنها لا تضمن تحقيق النتيجة السياسية أو الاستراتيجية المرجوة.
وكما هو الحال مع الغزو، يغير القصف الأجنبي المعادلة السياسية على الأرض، إذ يوحّد السكان المستهدفين والنظام في مواجهة المعتدي الخارجي، بدلاً من تشجيع التمرد. وبدلاً من الانهيار، تستجيب الأنظمة عادة بمزيد من التشدد و/أو يجري استبدالها بقيادة أكثر راديكالية وقومية. وبدلاً من تشجيع التمرد أو الانتفاضات الديمقراطية، يعتبر المواطنون المستهدفون بصورة طبيعية أن القوة الأجنبية التي تلقي القنابل على أطفالهم هي عدوهم الأكثر إلحاحاً.
وكان تشرشل نفسه قد حذر، في عام 1917، مع بداية عسكرة الطيران، من الاعتماد المفرط على القصف الجوي وحده. وكان ذلك قبل وقت طويل من ظهور القصف الاستراتيجي أو القصف السجادي واسع النطاق. وكتب، بنظرة استشرافية لافتة: “ليس من المعقول الحديث عن هجوم جوي كما لو أنه سينهي الحرب بمفرده”. وأضاف: “من غير المحتمل أن يؤدي أي ترويع للسكان المدنيين يمكن تحقيقه عبر الهجوم الجوي إلى إجبار حكومة أمة عظيمة على الاستسلام”.
وتبقى رؤيته صحيحة اليوم كما كانت خلال الحرب العالمية الأولى. غير أن ترامب، بسبب افتقاره إلى المعرفة التاريخية وعدم كفاءته الاستراتيجية، مأخوذ بسحر القوة الجوية الأميركية التي لا نظير لها، ويفترض خطأً أنها قادرة على تحقيق ما يشتهيه قلبه.
لكن لا يمكن قول الشيء نفسه عن نتنياهو، الذي أفادت تقارير بأنه أقنع ترامب بخوض حرب ضد إيران، وهو أمر فشل في تحقيقه مع كل رئيس أميركي سابق. ولعل أي حرب تضعف إيران عسكرياً وتزعزع استقرار المنطقة على حساب الولايات المتحدة تُعد، في نظره، جيدة لطموحات إسرائيل التوسعية الإقليمية.
كان نتنياهو مستعداً لرمي النرد. لكن العواقب غير المقصودة للحرب بدأت تطارده هو وبلاده. وما سيأتي أكثر.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




