من الصبر الاستراتيجي إلى التصعيد المضاد المستمر: نظرية الردع الإيرانية الناشئة
أعدّ الباحث سينا طوسي ملفاً نشره معهد كوينسي وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، يعالج قضية تغيير الجمهورية الإسلامية في إيران لعقيدتها الاستراتيجية، وما يترتب على ذلك من وضع سياسات وقواعد اشتباك في الصراع مع دول وكيانات العدوان: أمريكا والكيان المؤقت. فطوسي يشير الى أن إيران بسبب الحروب التي خاضتها عامي 2025 و2026، نقلت عقيدتها من الصبر الإستراتيجي الى التصعيد المضاد المستمر. مبيناً بأن هذا التحوّل لا يقتصر على الجانب التكتيكي، بل يعكس نظرية أوسع للردع تجمع بين القوة الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والشبكات الإقليمية، والإكراه الاقتصادي، وأدوات الضغط البحري، والغموض النووي.
النص المترجم:
مقدمة
يتمثل أحد أكثر الأخطاء التحليلية تأثيراً في واشنطن في افتراض أن إيران لا تزال تفكر استراتيجياً بالطريقة نفسها التي كانت تفكر بها بين عامي 2018 و2025. ويصف مسؤولون إيرانيون ومحللون مقربون من الحكومة ومعلقون بشكل متزايد قطيعة جوهرية مع تلك المرحلة. وهم يقارنون بين إيران “القديمة”، التي كانت تؤجل القرارات، وتعاير ردودها، وتسعى إلى احتواء التصعيد، وإيران الحالية التي أصبحت مصممة على إظهار أن أي عدوان سيؤدي إلى تكبيد المعتدي تكاليف فورية ومتزايدة عبر جبهات متعددة.
وبالتالي، ينبغي النظر إلى حربي عامي 2025 و2026 باعتبارهما عاملين حفّزا التحول العقائدي الإيراني وساهما في تسريعه وترسيخه. فقد عززتا داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية رؤية مفادها أن ضبط النفس المحسوب، من دون استعداد موثوق لفرض تكاليف على الخصم، قد يؤدي إلى التصعيد بدلاً من ردعه. وفي الخطاب الرسمي، والمناظرات التي تبثها وسائل الإعلام الحكومية، ووسائل الإعلام المقربة من الحكومة، بات هذا الطرح يؤثر بشكل متزايد في التقييمات اللاحقة لمرحلة ما قبل الحرب.
فقد كان ضبط النفس النسبي الذي أبدته طهران وسط الصدمات الإقليمية الكبرى التي شهدها النصف الثاني من عام 2024 — بما في ذلك اغتيال إسماعيل هنية في طهران، واغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وسقوط حكومة بشار الأسد في سوريا — يهدف جزئياً إلى احتواء التصعيد والحفاظ على مساحة للتحرك الدبلوماسي. إلا أن التفسير السائد في إيران بعد الحرب يفيد بأن واشنطن وإسرائيل استخلصتا النتيجة المعاكسة. فبدلاً من اعتبار ضبط النفس الإيراني سبباً لتخفيف سلوكهما، رأتا فيه دليلاً على الضعف وعدم الاستعداد للتصعيد، ما خفّض المخاطر المتصورة لممارسة مزيد من الضغوط، وشجع في نهاية المطاف على التصعيد نفسه الذي كانت طهران تسعى إلى تجنبه.
ويمثل هذا التقييم تحولاً أعمق في منطق الردع الإيراني: من الصبر الاستراتيجي إلى التصعيد المضاد المستمر. ويفترض الصبر الاستراتيجي أن عامل الوقت يمكن أن يحسّن موقع إيران من خلال الحفاظ على الخيارات الدبلوماسية، واستنزاف ضغوط الخصوم، وإتاحة المجال أمام إيران لبناء قوتها تدريجياً. أما التصعيد المضاد المستمر، فيفترض أن عامل الوقت يصبح خطيراً ما لم تؤدِّ كل جولة من الضغوط إلى تكبيد الخصم تكلفة واضحة ومتزايدة.
وتتمثل الحجة المركزية لهذا البحث الموجز في أن العقيدة الاستراتيجية الإيرانية تشهد تحولاً جوهرياً من ضبط النفس المحسوب الذي ميّز مرحلة ما قبل الحرب، نحو التصعيد المضاد المستمر في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يقتصر هذا التحول على الجانب التكتيكي، بل يعكس نظرية أوسع للردع تجمع بين القوة الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والشبكات الإقليمية، والإكراه الاقتصادي، وأدوات الضغط البحري، والغموض النووي.
الصبر الاستراتيجي وانهياره، 2018–2025
الصبر الاستراتيجي كعقيدة
لم يكن الصبر الاستراتيجي مرادفاً للاستسلام أو السلبية في أي وقت. بل كان استراتيجية للتصعيد المضاد المحسوب، تهدف إلى امتصاص الضغوط، وتجنب مواجهة غير منضبطة مع خصم متفوق تقليدياً، والحفاظ على إمكانية أن تؤدي الدبلوماسية في نهاية المطاف إلى رفع العقوبات. وقد برز هذا المنطق بشكل خاص بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني — المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، أو “JCPOA” — في أيار/مايو 2018، وإعادته فرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق. فبدلاً من التخلي فوراً عن الاتفاق أو الرد بتصعيد نووي كبير، أبقت حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني في البداية على التزاماتها الواردة فيه، وعملت مع الأطراف المتبقية، ولا سيما القوى الأوروبية، للحفاظ على الاتفاق واستعادة الفوائد الاقتصادية التي تحصل عليها إيران. ووصف روحاني هذا النهج صراحة بأنه “صبر استراتيجي”، مقدماً ضبط إيران لنفسها لا باعتباره ضعفاً أو خوفاً، وإنما ممارسة تتسم بالحكمة والحذر.
ولنحو عام تقريباً، حافظت طهران على هذا النهج حتى مع تكثيف واشنطن حملة “الضغط الأقصى” وسعيها إلى دفع صادرات النفط الإيرانية نحو الصفر. ولم تبدأ إيران إلا في أيار/مايو 2019 بخفض التزاماتها تدريجياً بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، وحتى في ذلك الوقت تعمدت أن يكون ردها تدريجياً وقابلاً للعكس، بدلاً من الاندفاع نحو امتلاك أسلحة نووية. وشدد وزير الخارجية محمد جواد ظريف على أن إيران انتظرت 60 أسبوعاً بعد الانسحاب الأميركي قبل اتخاذ أي إجراء، وتعهد بأن خطواتها ستكون قابلة للعكس إذا أوفت الأطراف المتبقية بالتزاماتها. وبعد ذلك تجاوزت إيران الحد الذي حددته خطة العمل الشاملة المشتركة، والبالغ 300 كيلوغرام، لمخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب. ومع ذلك، واصلت تأطير توسعها النووي باعتباره أداة ضغط تهدف إلى إعادة إحياء الاتفاق، وليس التخلي عن الدبلوماسية بشكل كامل.
استندت الاستراتيجية إلى حساب سياسي أوسع. فقد كانت طهران تأمل أن يتيح الوقت والانخراط الدبلوماسي والتصعيد المضبوط بعناية منع الحملة الاقتصادية الأميركية من التحول إلى صراع عسكري أوسع، مع منح أوروبا وروسيا والصين مساحة لمواجهة الضغوط الأميركية أو تخفيف آثارها. واستمر هذا المنطق خلال إدارة بايدن ووصولاً إلى الولاية الثانية لترامب، حتى مع ازدياد وضوح حدوده. فبعد تخلي ترامب عن خطة العمل الشاملة المشتركة، قدّر القادة الإيرانيون في البداية أن إدارة ديمقراطية مستقبلية قد تعيد العمل بها، قبل أن تمضي طهران جزءاً كبيراً من فترة رئاسة بايدن في التفاوض بشأن التنفيذ المتبادل، ورفع العقوبات، والحصول على ضمانات تحول دون انسحاب أميركي آخر.
وفي عهد الرئيس مسعود بزشكيان، واصلت طهران إعطاء الأولوية للمفاوضات، حتى مع تصاعد الضغوط العسكرية، ومع تسبب الصراعات التي أعقبت هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 في انتكاسات كبيرة لحلفاء إيران الإقليميين، وإضعاف عناصر مهمة من عمقها الاستراتيجي. واستمر هذا الالتزام بالدبلوماسية خلال المفاوضات التي سبقت مباشرة حربي عامي 2025 و2026، واللتين بدأتا في وقت كانت فيه طهران منخرطة بصورة نشطة في محادثات مع واشنطن، وتبدي استعداداً لتقديم تنازلات كبيرة.
وهكذا، سعى الصبر الاستراتيجي إلى تحويل ضعف إيران النسبي إلى مصدر قوة قائم على عاملَي الوقت والقدرة على التحمل: مقاومة الضغوط من دون تقديم ذريعة سهلة للحرب، وتراكم أوراق القوة تدريجياً بدلاً من تجاوز عتبات لا يمكن التراجع عنها، والحفاظ على مخارج دبلوماسية إلى أن تصبح التسوية أكثر تفضيلاً من استمرار المواجهة. وقد أجبرت حروبا 2025 و2026 صانعي السياسات والنخب الأمنية الإيرانية على إعادة النظر في مدى صحة تلك الافتراضات المتعلقة بالوقت وضبط النفس وسلوك الخصوم.
ويتمثل الاتهام المركزي الموجّه إلى استراتيجية الصبر داخل الخطاب الأمني الإيراني في أن ضبط إيران لنفسها لم يؤدِّ قط إلى ضبط مماثل من جانب الخصوم. فقد استمرت حملة “الضغط الأقصى” الأميركية، ولم يتحقق رفع فعلي للعقوبات، كما أن المحاولات المتكررة للانخراط الدبلوماسي لم تسفر عن تسوية مستدامة أو ضمانات أمنية موثوقة. وفي الوقت نفسه، عززت الاغتيالات وأعمال التخريب والعمليات العسكرية الإسرائيلية المتعاقبة الانطباع بأن حذر إيران لم يكن له تأثير يذكر في دفع خصومها إلى تعديل سلوكهم.
وفي هذا التفسير الناشئ، كان الإخفاق أعمق من مجرد عدم تحقيق الدبلوماسية للنتائج المرجوة. فإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد خلصتا إلى أن إيران ستواصل ضبط النفس والسعي إلى التفاوض حتى في ظل العقوبات والاغتيالات وأعمال التخريب والهجمات العسكرية، فإن التزام طهران بالدبلوماسية يمكن أن يؤدي بحد ذاته إلى خفض المخاطر المتصورة لمزيد من التصعيد. وهكذا، أصبحت الدبلوماسية مهددة بأن تتحول من وسيلة للحد من سلوك الخصوم إلى آلية يمكن من خلالها توقع ضبط إيران لنفسها واستغلاله.
ويتكرر هذا الطرح في وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية والتعليقات المقربة من الحكومة، التي تقدم إحجام طهران السابق عن الرد بقوة أكبر باعتباره عاملاً أسهم فيما يصفه محللون إيرانيون بأنه “خطأ في الحسابات” خطير في واشنطن وتل أبيب. ووفقاً لهذا الطرح، أخذ يُنظر إلى إيران بصورة متزايدة باعتبارها طرفاً يمتلك قدرات كبيرة، لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية لاستخدامها. وبذلك، كان من الممكن تجاهل التهديدات الإيرانية باعتبارها مجرد “هواء ساخن”، فيما بدا أن التصعيد الإضافي ينطوي على مخاطر يمكن احتواؤها.
وكان القلق من هذا الخطأ المتصور في الحسابات سابقاً للحرب. فبعد الهجمات الإيرانية المباشرة على إسرائيل عام 2024، حذّر القائد الأعلى آنذاك علي خامنئي من أن العدو لا يزال يعاني من “خطأ في الحسابات” بشأن قوة إيران، وشدد على أن هذا الخطأ “يجب تصحيحه”. وكانت هذه التصريحات مهمة لأن إيران كانت قد تجاوزت بالفعل عتبة طالما التزمت بها، من خلال مهاجمة إسرائيل بصورة مباشرة. ومع ذلك، أشار خامنئي إلى أن هذه العمليات لم تنجح بعد في تغيير تصورات الخصوم بشأن قوة إيران وإرادتها بالقدر الكافي.
وبالتالي، تحولت مشكلة إيصال الرسائل إلى مشكلة ردع. وربما يكون الصبر الاستراتيجي قد حافظ على المساحة الدبلوماسية وخفّض خطر اندلاع حرب أوسع على المدى القصير. إلا أن الاستراتيجيين الإيرانيين يجادلون بصورة متزايدة بأنه فعل ذلك من دون وجود سند قسري موثوق بالقدر الكافي. فكل حالة من حالات ضبط النفس لم يقابلها ضبط مماثل من الطرف الآخر عززت لدى خصوم إيران الاعتقاد بأن بإمكانهم زيادة الضغوط من دون التسبب في رد لا يمكن احتماله.
وبناءً على ذلك، يُنظر إلى حربي 2025 و2026 من جانب كثيرين داخل إيران، ليس باعتبارهما انهياراً مفاجئاً للردع، وإنما باعتبارهما ذروة مسار أطول بكثير قلّل خلاله خصوم البلاد تدريجياً من تقديرهم لكل من استعداد إيران للتصعيد وقدرتها عليه. وبالتالي، فإن الدرس الذي يجري استخلاصه ليس أن الدبلوماسية بحد ذاتها عديمة الجدوى، بل أن الدبلوماسية يجب أن تستند إلى أوراق ضغط قسرية مثبتة وإلى استعداد موثوق لفرض التكاليف. ومن دون هذا الأساس، يرى مفكرون أمنيون إيرانيون بصورة متزايدة أن ضبط النفس لا يؤدي إلى تهدئة سلوك الخصم، بل يدفعه إلى التصعيد التالي.
بروز إجماع عسكري جديد
يمكن تلخيص الإجماع الناشئ بين كبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين، وشخصيات الحرس الثوري الإسلامي، والاستراتيجيين المقربين من الحكومة، في أربع أفكار رئيسية:
_إن ضبط النفس الذي لا يرافقه استعداد موثوق للرد وفرض تكاليف مؤلمة، سيُفسَّر في نهاية المطاف على أنه ضعف.
_يجب أن يقتنع الخصوم بأن إيران مستعدة وقادرة على توسيع نطاق أي صراع إقليمياً، بحيث تمتد تداعيات الهجوم إلى ما وراء إيران لتشمل المواقع العسكرية الأميركية، والشركاء الإقليميين، والبنى التحتية الحيوية.
_لا يعتمد الردع على مجرد النجاة من هجوم الخصم أو إظهار القدرة على الصمود عسكرياً، بل على تغيير حسابات الخصم بحيث تصبح التكاليف المتوقعة للتصعيد أكبر من المكاسب المحتملة منه.
_يجب تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي وسياسي. ولذلك، يُنظر بصورة متزايدة إلى قدرة إيران على تعطيل تدفقات الطاقة والتجارة البحرية والنشاط الاقتصادي الإقليمي باعتبارها جزءاً من أدوات الردع التي تمتلكها.
وقد لخّص أحد المحللين العسكريين الإيرانيين، خلال برنامج على التلفزيون الرسمي مخصص للحرب، الهدف الناشئ بوضوح خاص، إذ قال إن على إيران أن تخوض الحرب بطريقة تجعل الحرب المقبلة إما مستحيلة، أو مكلفة بما يكفي لإجبار الخصم على التفكير ملياً قبل إطلاقها. والهدف، وفقاً لهذا التصور، ليس مجرد فرض تكاليف في الصراع الحالي، وإنما جعل خوض حرب أخرى أمراً غير عقلاني من الناحية الاستراتيجية.
التغيير المؤسساتي
ينعكس التحول في التفكير الاستراتيجي الإيراني أيضاً على القيادة الإيرانية في زمن الحرب. فقد أجبر اغتيال وفقدان عدد كبير من كبار القادة العسكريين منذ اندلاع الحرب الحالية في شباط/فبراير 2026، القائد الأعلى مجتبى خامنئي، على إعادة بناء جزء كبير من القيادة العسكرية الإيرانية. ومع ذلك، تشير التعيينات التي أجراها في آب/أغسطس إلى مسعى يتجاوز مجرد استبدال القادة الذين قُتلوا. فهي تشير إلى مزيد من مركزية عملية اتخاذ القرار في زمن الحرب، وإلى تنسيق أوثق بين العمليات العسكرية والدبلوماسية والسياسة الاقتصادية والأمن الداخلي.
ويشير تعيين أحمد وحيدي قائداً للحرس الثوري الإسلامي إلى هذا الاتجاه. فقد وجّه إليه خامنئي السعي إلى تحقيق “أقصى قدر من الردع”، مع الحفاظ على الجاهزية لتنفيذ “عمليات هجومية قوية ضد العدو”، وهي لغة تتطابق إلى حد كبير مع التركيز الناشئ على الرد على العدوان من خلال فرض تكاليف أكبر، بدلاً من مجرد امتصاص التصعيد أو احتوائه.
كما يعزز تعيين علي عبد اللهي رئيساً لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية هذا التحول. وقد كُلّف عبد اللهي بتعزيز دمج مقر خاتم الأنبياء المركزي ضمن هيئة الأركان العامة، وكان قد عبّر عن المنطق العقائدي لهذا التوجه في آذار/مارس 2026، بعد فترة وجيزة من بدء الهجمات الأميركية ـ الإسرائيلية. وكان عبد اللهي، الذي كان يتولى حينها قيادة مقر خاتم الأنبياء، قد أعلن أن إيران اعتمدت عقيدة عسكرية “هجومية” تهدف إلى “إرباك حسابات العدو”، بالتوازي مع تكتيكات ميدانية جديدة و”مفاجآت” للمواجهات المستقبلية. وقال في ذلك الوقت إن هذا التحول “ليس سوى البداية”.
وربما يكون الأهم من ذلك عودة محسن رضائي إلى مركز عملية صنع القرار المتعلقة بالأمن القومي، من خلال توليه منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي. فقد قاد رضائي الحرس الثوري لمدة 16 عاماً، وكان أحد المهندسين الرئيسيين لتطويره خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية وبعدها. وفي ظل قيادته، طوّر الحرس قوات برية وجوية وبحرية ذات طابع مؤسساتي، ووسّع القدرات التي ستتحول لاحقاً إلى قوة القدس، وأنشأ مقر خاتم الأنبياء لتنسيق العمليات العسكرية الكبرى. ولذلك، لم يكن مجرد قائد ميداني، بل كان أيضاً أحد أبرز بناة المؤسسات، وارتبط مساره المهني بصورة وثيقة بتطوير القدرات غير المتكافئة التي كان بإمكان إيران استخدامها للتعويض عن ضعفها العسكري التقليدي.
وتكتسب تجربة رضائي خلال المراحل الأخيرة من الحرب الإيرانية ـ العراقية أهمية خاصة في اللحظة الراهنة. فعندما تدهور الوضع العسكري الإيراني عام 1988، ظل متردداً في قبول إنهاء الصراع، واقترح بدلاً من ذلك تعزيزاً عسكرياً كبيراً وخطة مدتها خمس سنوات لمواصلة الحرب. وفسّر قادة آخرون المتطلبات الهائلة التي تضمنها مقترحه على أنها دليل على أن إيران لم تعد قادرة على مواصلة الصراع، ما عزز المبررات لقبول قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598. إلا أن رضائي قال لاحقاً إن هذا لم يكن هدفه، وإنه قدم استراتيجية لإعادة بناء قوة إيران ومواصلة القتال.
ولا تعني هذه الخلفية أن رضائي سيعارض المفاوضات اليوم. لكنها تسلط الضوء على سمة راسخة في رؤيته الاستراتيجية: لا ينبغي أن تنتهي الحروب لمجرد ارتفاع تكاليفها، بل عندما تكون إيران قد راكمت ما يكفي من القوة وأوراق الضغط للتأثير في النظام السياسي الذي سيعقبها. ولذلك، يكتسب تعيينه أهمية في وقت تناقش فيه طهران مجدداً مقدار النفوذ الذي يتعين عليها الاحتفاظ به، والشروط التي ينبغي أن تطالب بها، ومتى تصبح تكاليف مواصلة الصراع أكبر من فوائد التسوية.
ويُعد المجلس الأعلى للأمن القومي أيضاً ساحة مهمة لتطبيق هذا النهج، لأنه يجمع بين الأدوات المختلفة لقوة الدولة الإيرانية. فالمسؤولون المدنيون، بمن فيهم الرئيس ووزير الخارجية، يجلسون إلى جانب القادة العسكريين ومسؤولي الاستخبارات وممثلي القائد الأعلى. كما أن رضائي نفسه يمتلك خبرة تتجاوز المجال العسكري، بما في ذلك عمله اللاحق في السياسة الاقتصادية وشغله منصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية في عهد الرئيس إبراهيم رئيسي.
ومن ثم، ينسجم تعيينه مع تصور ناشئ للأمن القومي، تُعامل فيه القوة العسكرية والمرونة الاقتصادية والدبلوماسية وأوراق الضغط القسرية بصورة متزايدة باعتبارها عناصر مترابطة.
ولا ينبغي اختزال هذه التطورات في مجرد انتقال للسلطة من المسؤولين المدنيين إلى الحرس الثوري. فلا تزال الدبلوماسية أداة مهمة في الاستراتيجية الإيرانية، كما تواصل المؤسسات المدنية المشاركة في عملية صنع القرار المتعلقة بالأمن القومي. وما يبدو أنه يتغير هو العلاقة بين الدبلوماسية والإكراه. إذ تتولى المؤسسات الأمنية نفوذاً أكبر في تحديد كيفية ترتيب الضغوط العسكرية وأوراق النفوذ الاقتصادي والمفاوضات ودمجها، مع توقع أن تعمل الدبلوماسية بصورة متزايدة على تحويل أوراق الضغط التي جرى تراكمها خلال الصراع إلى تسوية، بدلاً من أن تحل محل تلك الأوراق.
السوابق الاستراتيجية للعقيدة الجديدة
رؤية قاسم سليماني الاستراتيجية
لم ينشأ المنطق الذي تقوم عليه استراتيجية التصعيد المضاد المستمر في حربي 2025 و2026. فعلى مدى سنوات، كانت المؤسسة الأمنية الإيرانية تستعد لمواجهة كبرى مع الولايات المتحدة انطلاقاً من العديد من المبادئ نفسها، ولا سيما في عهد قاسم سليماني وداخل الحرس الثوري وقوة القدس التابعة له والمسؤولة عن العمليات خارج الحدود. وكانت الفكرة الأساسية تتمثل في أن إيران لا ينبغي أن تواجه خصماً متفوقاً تقليدياً في المكان الذي تكون فيه إيران نفسها أكثر عرضة للخطر. وبدلاً من ذلك، تستطيع طهران ردع الضغوط من خلال توسيع جغرافيا المواجهة وضمان أن تؤدي محاولات فرض التكاليف على إيران إلى تكبيد الخصم تكاليف وإحداث نقاط ضعف في أماكن أخرى.
وقد عبّر سليماني عن هذه الاستراتيجية بقدر غير معتاد من الوضوح في خطاب ألقاه عام 2019 أمام قدامى عناصر الفرقة 41 ثار الله التابعة للحرس الثوري، في وقت كانت فيه إدارة ترامب تسعى إلى دفع صادرات النفط الإيرانية نحو الصفر. وقال إن الولايات المتحدة لا تستطيع فصل الضغوط الاقتصادية أو العسكرية على إيران عن المنطقة الأوسع. وأضاف: “أي ضغط علينا ينعكس ضغطاً على الآخرين”، مشيراً أولاً إلى هشاشة صادرات الطاقة في الخليج الفارسي، وملاحظاً أن ناقلات النفط التي تحمل النفط من السعودية والكويت والعراق والإمارات العربية المتحدة تمر بالقرب من الساحل الإيراني. وحذّر سليماني قائلاً: “إذا لم يُبع نفطنا، فلن يُبع أي نفط آخر أيضاً”، مضيفاً أن “إغلاق مضيق هرمز من صلاحيات الجمهورية الإسلامية”.
ووسّع سليماني المنطق نفسه ليشمل الوجود العسكري الأميركي والبنية التحتية الاقتصادية لشركاء واشنطن الإقليميين. وقال إن القوات والقواعد التي ركزتها الولايات المتحدة في الخليج الفارسي وحوله لا تزيد القوة الأميركية فحسب، بل توفر أيضاً أهدافاً تقع ضمن نطاق قدرة إيران على الوصول إليها. وطرح نقطة مماثلة بشأن دول الخليج نفسها، مستحضراً “المباني الشاهقة” و”الأماكن الزجاجية” في الإمارات والسعودية بوصفها رموزاً للازدهار ستصبح عرضة للخطر في حرب كبرى.
وكانت فكرته الأوسع تتمثل في أن التركّز العسكري والاقتصادي في المنطقة أوجد ميزة غير متكافئة لإيران: فقد يكون الخصم المتفوق تقليدياً قادراً على إلحاق أضرار هائلة بإيران، لكنه لا يستطيع افتراض أن قواعده وشركاءه وبنيته التحتية ومصالحه الاقتصادية ستبقى بمنأى عن الرد.
ولم يتصور سليماني مثل هذا الصراع على أنه محصور في الخليج الفارسي. وقال: “في المكان الذي تفترض أننا لسنا فيه، نكون نحن في أقرب نقطة إليك”، قبل أن يتساءل: “ألا يمكننا التفكير في المحيط الأطلسي؟ ألا يمكننا التفكير في البحر المتوسط؟ ألا يمكننا التفكير في البحار؟” وكان جوابه واضحاً: “لقد فكرنا بالتأكيد في ذلك. وقد وفرنا بالتأكيد الوسائل المناسبة”.
وبمجموعها، رسمت تصريحات سليماني رؤية واسعة للحرب غير المتكافئة، يتسبب فيها الضغط على إيران في تعريض المصالح العسكرية والاقتصادية والبحرية لخصومها للخطر في مختلف أنحاء المنطقة. وتشبه هذه الرؤية إلى حد كبير جغرافيا الحرب الحالية، من الاضطراب في مضيق هرمز إلى عمليات حركة أنصار الله اليمنية في البحر الأحمر والهجمات التي امتدت إلى البحر المتوسط.
وبالتالي، فإن التحول العقائدي الجاري لا يتمثل بالقدر نفسه في ابتكار استراتيجية جديدة، بقدر ما يتمثل في رفع أفكار متجذرة منذ فترة طويلة داخل الحرس الثوري، من مستوى التخطيط للطوارئ إلى مبدأ مركزي في الردع الإيراني. فما تصوره سليماني باعتباره بنية لحرب مستقبلية يُستخدم بصورة متزايدة لخوض الحرب الحالية ولتحديد كيفية انتهائها.
من الشبكة الإقليمية إلى النفوذ الإقليمي
اعتمد تصور سليماني للحرب غير المتكافئة على أكثر من قدرات إيران الخاصة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة. فقد استند أيضاً إلى شبكة إقليمية منحت طهران عمقاً استراتيجياً، ومسارات متعددة للرد، والقدرة على تحويل مواجهة ثنائية إلى أزمة إقليمية أوسع. وكان بإمكان حزب الله في لبنان، وحركة أنصار الله، والجماعات المسلحة العراقية، وشركاء إقليميين آخرين، فرض تكاليف على مسافات بعيدة عن الأراضي الإيرانية، وإجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على الدفاع عن القواعد العسكرية والممرات البحرية والدول الحليفة في ساحات متعددة في الوقت نفسه.
وقد عززت حروبا 2025 و2026 الأهمية المتصورة لهذه الشبكة، مع كشفهما في الوقت نفسه عن تداعيات تآكلها. وغالباً ما تربط التعليقات الإيرانية بين إضعاف حركتي حماس وحزب الله وفقدان سوريا، وبين زيادة تعرض إيران للهجمات المباشرة، بحجة أن هذه المواقع المتقدمة ساعدت في إبقاء الضغوط العسكرية بعيدة جغرافياً عن إيران نفسها. ويساعد ذلك في تفسير سبب تعامل طهران بصورة متزايدة مع أمن شركائها الإقليميين باعتباره جزءاً لا يتجزأ من ردعها، وليس مجرد مسألة منفصلة في سياستها الخارجية. وقد انعكس هذا المنطق في المفاوضات حول مذكرة التفاهم التي أنهت المرحلة السابقة من حرب عام 2026، عندما أصر مسؤولون إيرانيون على أن وقف الأعمال العدائية لا يمكن أن ينطبق على إيران في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية ضد شركائها الإقليميين.
وبالتالي، أُدرج لبنان ضمن الإطار الأصلي، في حين اتخذ محسن رضائي لاحقاً موقفاً أوسع، من خلال جعل إنهاء الحرب في غزة جزءاً من شروط إيران للتوصل إلى تسوية شاملة أيضاً.
ومن ثم، يتمثل الهدف الاستراتيجي بصورة متزايدة في تحويل شبكة إيران الإقليمية إلى أوراق ضغط تؤثر في شكل النظام الإقليمي. وتسعى طهران إلى إظهار أن الحروب لا يمكن إنهاؤها، والممرات البحرية والاقتصادية لا يمكن تأمينها، وترتيبات أمنية جديدة لا يمكن بناؤها من خلال استبعاد إيران أو إضعاف شركائها بصورة منهجية. ووفقاً لهذا التصور، فإن القدرة على فرض التكاليف عبر ساحات متعددة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لإجبار الخصوم على أخذ المصالح الإيرانية في الاعتبار عند تحديد القواعد والترتيبات التي تحكم المنطقة. وبالتالي، لا يدور الصراع الأوسع حول ردع إيران فحسب، بل حول طبيعة النظام الإقليمي الذي سينشأ من الحرب: هل سيكون نظاماً قائماً على احتواء إيران وتفكيك شبكتها، أم نظاماً تحتفظ فيه إيران وشركاؤها بقدر كافٍ من القوة يسمح لهم بالتأثير في البنية الأمنية والاقتصاد السياسي للمنطقة؟
القدرة على البقاء وحدود التفوق الجوي
اختبرت حروبا 2025 و2026 ما إذا كانت القوة الجوية الأميركية والإسرائيلية الهائلة قادرة على إضعاف قدرات الضرب الإيرانية إلى ما دون مستوى ذي أهمية عملياتية. ووصف مسؤولون أميركيون أحد الأهداف المركزية للحملة بأنه إضعاف قدرة إيران بصورة كبيرة على إسقاط قوتها العسكرية، فيما استهدفت الضربات الأميركية بصورة منهجية البنية التحتية التي تقوم عليها هذه القدرة، بما في ذلك مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنشآت تخزينها، وأنظمة القيادة والسيطرة، ومنشآت إنتاج الأسلحة، والبنية التحتية العسكرية الداعمة.
وكان حجم الجهد استثنائياً، إذ جرى استهداف آلاف المواقع العسكرية والصناعية، وتنفيذ عشرات الآلاف من الهجمات ضد إيران.
وأظهرت الحملة القدرة التدميرية الهائلة للقوة الجوية الأميركية والإسرائيلية، لكنها لم تُظهر أن قدرة إيران على الرد يمكن القضاء عليها بصورة موثوقة. وشدد محللون عسكريون إيرانيون على الفرق بين تدمير أهداف فردية وتعطيل منظومة عملياتية، معتبرين أن منصات الإطلاق المتحركة والمنشآت تحت الأرض والأصول المخفية والبنية التحتية الاحتياطية سمحت لإيران بالحفاظ على قدرة ضرب ذات أهمية، حتى بعد تكبدها خسائر كبيرة. ومع تقدم الحملة، كان من الممكن تدمير أهداف إضافية من دون القضاء على المنظومة الأوسع التي مكّنت إيران من مواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتساعد التكنولوجيا في تفسير هذه القدرة على الصمود. ويضع الباحث روبرت بيب إيران ضمن ما يسميه “الثورة الثانية في مجال الدقة”، التي أدت فيها الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة والصواريخ الدقيقة وأجهزة الاستشعار التجارية وأنظمة الملاحة ومنصات الإطلاق المتحركة إلى نشر قدرات كانت مرتبطة في السابق بصورة أساسية بالجيوش المتقدمة. وبالنسبة إلى إيران، لا تكمن الأهمية في تحقيق تكافؤ تقليدي مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل في القدرة على توزيع ما يكفي من قدرات الضرب الدقيقة منخفضة الكلفة نسبياً والحفاظ عليها، بما يسمح بمواصلة فرض التكاليف رغم التعرض لهجمات مستمرة. إلا أن الحرب تشير إلى أن فاعلية هذه القدرات لا تعتمد على التقنيات نفسها فحسب، وإنما أيضاً على البنية التنظيمية التي تستخدم إيران هذه القدرات من خلالها.
وقد طورت إيران ما يصفه محللوها العسكريون ببنية “فسيفسائية”، تقوم على قوات موزعة، وقيادات مجزأة، وبنية تحتية تحت الأرض، وعقد عملياتية موزعة جغرافياً. وبدلاً من تركيز القدرة على تنفيذ العمليات العسكرية في عدد محدود من المقرات أو لدى مجموعة صغيرة من القادة الكبار، تهدف هذه البنية إلى السماح لأجزاء مختلفة من المنظومة بمواصلة العمل حتى عندما يتم تدمير أجزاء أخرى منها.
وساعدت البنية نفسها إيران على استيعاب حملة مستمرة لاستهداف قياداتها. فقد أدى قتل كبار القادة إلى خسارة كوادر ذات خبرة، وفرض إعادة تنظيم سريعة، لكنه لم يمنع استمرار العمليات العسكرية، إذ تولى قادة ومؤسسات أدنى مستوى مسؤوليات أكبر. ولذلك، قدم المعلقون الإيرانيون الحرب باعتبارها دليلاً على أن الجمهورية الإسلامية تعمل باعتبارها “دولة مؤسسات”، وأن قدرتها العسكرية لا يمكن تعطيلها بمجرد القضاء على شخصيات بارزة.
ولا يعني ذلك أن استهداف القيادات عديم الأهمية، لكنه يقلل من تأثيره الاستراتيجي عندما يمكن إعادة توزيع السلطة، وتكون المنظومة الأوسع قادرة على إعادة بناء هيكل القيادة.
وبالتالي، يتمثل الدرس الأوسع في وجود فجوة بين تدمير الأهداف والحرمان الاستراتيجي. فقد تمكنت القوات الأميركية والإسرائيلية من تدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية العسكرية الإيرانية من دون القضاء بصورة موثوقة على قدرة إيران على إعادة بناء القيادة، وتعديل تكتيكاتها، ومواصلة الرد. وتساعد “ثورة الدقة” التي يتحدث عنها بيب في تفسير الظروف التكنولوجية التي تجعل هذا الصمود ممكناً. إلا أن تجربة إيران في الحرب تُظهر أيضاً أهمية الطريقة التي تُنظّم بها هذه القدرات وتُوزع وتُستخدم. وبالنسبة إلى طهران، يشكل هذا البقاء على قيد الحياة أساساً مادياً مركزياً للتصعيد المضاد المستمر: فلا تحتاج إيران إلى مضاهاة القوة النارية لخصومها إذا كانت قادرة على تحمل خسائر كبيرة مع الحفاظ على قدر كافٍ من القدرات لضمان استمرار الضغوط العسكرية في توليد تكاليف تتجاوز حدود إيران نفسها.
من الصبر الاستراتيجي إلى التصعيد المضاد المستمر
المبدأ الأساسي
في التصور الإيراني الناشئ، لا يمثل التصعيد المضاد المستمر عقيدة للتصعيد غير المحدود، بل استراتيجية للتنافس على التحكم بسلم التصعيد. فلا تسعى طهران إلى مضاهاة القوة النارية الأميركية ضربة بضربة، ولا تفترض أن الرد المتناسب سيعيد الردع. وبدلاً من ذلك، تسعى إلى ضمان أن يؤدي كل مستوى جديد من الضغوط إلى فرض تكاليف في مجالات ومناطق جغرافية تكون فيها الولايات المتحدة وإسرائيل وشركاؤهما أكثر عرضة للخطر، بما يحرم واشنطن القدرة على تحديد مكان وكيفية ووتيرة تصاعد الصراع بصورة أحادية.
ووصف محللون إيرانيون هذا المنطق من خلال مفهوم “مؤشر الألم”. فقد قال أحد المعلقين في التلفزيون الرسمي إن “عدد المقذوفات ليس بالضرورة مهماً”، فإذا فرض الخصم وحدة واحدة من الألم، ينبغي لإيران أن تسعى إلى فرض وحدتين أو ثلاث. وذهب محلل آخر إلى طرح مماثل، قائلاً إن إيران لا ينبغي أن تبقى ضمن إطار تصعيد تحدده الولايات المتحدة، من خلال الاكتفاء بالرد على الهجوم في المجال نفسه، بل ينبغي لها أن تحدد “نقطة الألم” لدى الخصم وتفرض التكاليف فيها. وبالتالي، لا يتمثل الهدف في الرد المتناظر، وإنما في نقل المواجهة نحو نقاط ضعف يمكن فيها لتحركات إيرانية محدودة نسبياً أن تفرض تكاليف عسكرية واقتصادية واستراتيجية غير متناسبة.
وأصبحت حرب البنية التحتية واحدة من أوضح الاختبارات لهذا النهج. فقد هدد ترامب مراراً البنية التحتية الحيوية الإيرانية، كما استهدفت القوات الأميركية جسوراً ومنشآت بنية تحتية أخرى، إلا أن واشنطن امتنعت حتى الآن، إلى حد كبير، عن شن حملة مستدامة ضد البنية التحتية الأكثر أهمية في قطاع الطاقة الإيراني، في الوقت الذي أظهرت فيه طهران استعدادها للرد على مستوى أعلى على سلم التصعيد. ففي آذار/مارس، على سبيل المثال، أعقبت الهجمات على حقل بارس الجنوبي للغاز في إيران ضربة كبيرة استهدفت مجمع رأس لفان للطاقة في قطر، وبعد ذلك لم تتكرر هجمات مماثلة على بارس الجنوبي.
كما استهدفت الضربات الإيرانية البنية التحتية في الكويت والبحرين والإمارات خلال الحرب. ويبدو أن هدف طهران يتمثل في إقامة شكل من أشكال القابلية المتبادلة للتعرض للخطر في مجال البنية التحتية: فإذا وسعت واشنطن الحرب لتشمل منشآت الطاقة أو الكهرباء أو النقل أو غيرها من الأنظمة الحيوية في إيران، تستطيع إيران الرد باستهداف بنى تحتية مماثلة، وربما أكثر أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، في أنحاء المنطقة.
وينطبق المنطق نفسه على البنية الإقليمية لإسقاط القوة الأميركية. فشبكة القواعد في البحرين والكويت وقطر وغيرها تمنح واشنطن قدرة هائلة على الوصول إلى مختلف أنحاء المنطقة، لكنها توفر لطهران أيضاً مجموعة واسعة وموزعة من الأهداف. وقد سعت الهجمات المستمرة إلى استنزاف مخزونات صواريخ الاعتراض المحدودة المخصصة للدفاع الجوي الأميركي، وتشتيت القوات الأميركية أو إجبارها على الإخلاء، وزيادة الضغوط على الحكومات المضيفة، وهي استراتيجية يبدو أنها حققت نتائج، في ظل تقارير أميركية عن تزايد نقص الذخائر وعمليات إجلاء من القواعد الإقليمية.
وهكذا، تحاول إيران مواجهة تفوق الولايات المتحدة في التصعيد العمودي من خلال التصعيد الأفقي؛ فعجزها عن مضاهاة حجم الدمار الذي تستطيع واشنطن إلحاقه داخل إيران يدفع طهران إلى توسيع جغرافيا الصراع، وتعريض مزيد من القوات الأميركية والدول الشريكة والبنى التحتية الحيوية والاقتصادات الإقليمية لتداعياته.
ويمد مضيق هرمز هذا المنطق إلى الاقتصاد العالمي. فلا تحتاج إيران إلى هزيمة الجيش الأميركي أو وقف حركة الملاحة البحرية بصورة دائمة من أجل توليد أوراق ضغط؛ إذ يمكن لاستمرار انعدام الأمن أن يعطل حركة الشحن، ويرفع التكاليف، ويجعل القواعد التي تحكم العبور البحري نفسها خاضعة للتفاوض. ولذلك، يسعى التصعيد المضاد المستمر إلى جعل تكاليف مواصلة الضغوط ترتفع بوتيرة أسرع من المكاسب التي يتوقعها خصوم إيران، وذلك باستخدام القواعد العسكرية والبنية التحتية الإقليمية والجماعات المسلحة الحليفة والتجارة البحرية باعتبارها نقاط ضغط مترابطة. وتظل الدبلوماسية جزءاً من هذه الاستراتيجية، لكنها تتحول بصورة متزايدة إلى وسيلة لتحويل أوراق الضغط القسرية المتراكمة إلى نتائج سياسية مواتية. ومن ثم، يمكن فهم الابتعاد عن الصبر الاستراتيجي باعتباره رفضاً لضبط النفس الأحادي، وعلى نحو أعمق، رفضاً لسلم تصعيد تتحكم فيه خصوم إيران.
ماذا تريد إيران: نظام إقليمي جديد
التصعيد المضاد المستمر هو في نهاية المطاف وسيلة وليس غاية. ويتمثل الهدف الأكبر لطهران في تحويل النفوذ الذي اكتسبته خلال الحرب إلى نظام إقليمي يجعل شن هجوم آخر على إيران أكثر صعوبة وكلفة، مع خلق أفق اقتصادي يمنح إيران حافزاً لتحقيق الاستقرار في المواجهة. ويتمثل الهدف في إرساء نظام أمني جديد في الخليج الفارسي ومضيق هرمز، يترجم النفوذ الذي أظهرته إيران خلال الحرب إلى ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية أكثر استدامة. ووفقاً لهذا التصور، فإن الحرب ليست مجرد أزمة ينبغي النجاة منها، بل فرصة لإرساء وقائع استراتيجية جديدة تستمر بعد انتهاء القتال.
في صميم هذا المشروع، يأتي رفض الترتيب الذي كان قائماً قبل الحرب، والذي كان يسمح بإخضاع إيران للضغوط العسكرية والاقتصادية، بينما تبقى الدول المجاورة والقواعد الأميركية والتجارة البحرية والبنية التحتية الإقليمية للطاقة محصّنة نسبياً من التداعيات. وقد جادل محللو هذا البرنامج، في الواقع، بأنه لا يمكن تحديد السلام أو الحرب في المنطقة من دون أخذ إيران في الحسبان. وبعبارة أخرى، لا تسعى إيران فقط إلى معاقبة الهجمات التي تستهدفها، بل تحاول جعل أمن المنطقة الأوسع وازدهارها مرتبطين بالمشاركة الإيرانية، وبالتالي إعادة تشكيل النظام الإقليمي بطرق تكرّس نفوذ إيران ومصالحها الأمنية.
ويقع مضيق هرمز في صميم هذه الرؤية الناشئة. فقد وصف وزير الخارجية عباس عراقجي المضيق بأنه “واحد من أهم” أدوات الردع الإيرانية، وقاومت طهران العودة إلى نظام العبور الذي كان قائماً قبل الحرب. والهدف، على الأقل علناً، ليس الإغلاق الدائم أو السيطرة الحصرية، وإنما إضفاء الطابع المؤسسي على النفوذ الذي اكتسبته إيران خلال الحرب. ويمكن أن يوفر استمرار النفوذ على هرمز كلاً من الردع في مواجهة الإكراه الأميركي المتجدد، والتأمين الاستراتيجي في حال تخلت واشنطن مرة أخرى عن اتفاق أو عكست مسار تخفيف العقوبات، بما يربط فعلياً أمن تدفقات الطاقة في الخليج الفارسي بأمن إيران نفسها وبالتزام الولايات المتحدة بأي تسوية.
ومع ذلك، يقر المسؤولون والمحللون الإيرانيون بأن الاضطراب المطول قد يسرّع الجهود الرامية إلى تجاوز المضيق. وخلال الحرب، وسّعت السعودية استخدام خط أنابيبها شرق-غرب، بينما اعتمدت الإمارات العربية المتحدة على خط أنابيبها إلى الفجيرة. وعلى الرغم من أن هذه البدائل ستحتاج إلى سنوات لتقليل الاعتماد على هرمز بصورة كبيرة، فإن الاستثمار المستدام فيها يمكن أن يؤدي تدريجياً إلى تآكل النفوذ الإيراني. غير أن الاستراتيجيين الإيرانيين يؤكدون أن هذه البدائل لن تلغي نقاط الضعف. فخطوط الأنابيب تعتمد على محطات ضخ ثابتة وشبكات كهرباء وموانئ، بما يستبدل مجموعة من نقاط الاختناق الاستراتيجية بمجموعة أخرى. ومع ذلك، يبقى هرمز أعظم مصدر نفوذ لإيران على تدفقات الطاقة الإقليمية، ما يمنح طهران حافزاً للحفاظ على هذه الميزة بدلاً من استنفادها. ومن ثم، يتمثل التحدي في استخدام نفوذها من دون تقويض الاعتماد الذي يجعل المضيق ذا قيمة كبيرة، وإضفاء طابع مؤسسي على دور مستدام في إدارة العبور، مع تقليص الحوافز لتطوير بدائل.
وتحاول طهران توسيع هذا المبدأ إلى ما يتجاوز هرمز، من خلال إدماج أمن شركائها الإقليميين في المفاوضات المتعلقة بإنهاء الحرب، بما في ذلك المطالبة بانسحاب إسرائيلي من لبنان، وإنهاء القتال في كل من لبنان وغزة، وفق تصريحات محسن رضائي. ويعكس ذلك درساً مركزياً استخلصته طهران من مرحلة ما قبل الحرب: إن إضعاف حزب الله وحماس وخسارة سوريا لم يؤدِّ إلى عزل إيران عن الصراع، بل أدى بدلاً من ذلك إلى تقويض طبقات من العمق الاستراتيجي ودفع المواجهة إلى الاقتراب من الأراضي الإيرانية. وقد وصفت التعليقات الاستراتيجية الإيرانية هذه التحالفات، تبعاً لذلك، بأنها “أدوات قوة إيران”، وجادلت بأنها ساعدت على إبقاء خطر الحرب بعيداً عن إيران لعقود. ومن ثم، فإن إعادة بناء الردع لا تنطوي فقط على تعزيز إيران نفسها، بل أيضاً على منع تفكيك موقعها الإقليمي مرة أخرى على نحو تدريجي، وضمان أن تحمي أي تسوية نهائية أمن شركائها وموقعهم السياسي.
لكن النظام الذي تسعى إليه طهران ليس عسكرياً فحسب. فقد اقترنت المواقف الإيرانية بشأن التسوية الدبلوماسية بصورة متكررة بالمطالب المتعلقة بالأمن الإقليمي، ورفع العقوبات، والوصول إلى الأصول المجمدة، وإعادة الإعمار أو التعويض، وإعادة الاندماج الاقتصادي. ويبدو أن الهدف على المدى الطويل يتمثل في إقامة توازن تستطيع إيران فيه الاستفادة اقتصادياً من الاستقرار الإقليمي، مع الاحتفاظ بنفوذ قسري كافٍ لجعل العزلة أو الهجوم المتجددين مكلفين للجميع. ولذلك، لا تسعى طهران إلى تصعيد لا نهاية له. بل تحاول إقامة أساس أكثر ملاءمة لإنهائه في نهاية المطاف: نظام إقليمي يصبح فيه أمن إيران وتطبيعها الاقتصادي واستقرار الخليج الفارسي عناصر مترابطة، بدلاً من أن تكون منفصلة على حسابها.
الجدل النووي: مسألة الردع غير المحسومة
تتمثل المسألة غير المحسومة والأكثر أهمية في عقيدة إيران الناشئة في ما إذا كانت بنية الردع الموصوفة أعلاه كافية من دون أسلحة نووية. فقد عززت حروب عامي 2025 و2026 الحجج داخل إيران بأن البقاء دون العتبة النووية ترك البلاد عرضة تحديداً لنوع الهجوم الذي كان موقف الردع الأوسع يهدف إلى منعه. فقد صمدت صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة أمام هجمات مستمرة، ووسّع شركاؤها الإقليميون ساحة المعركة، وفرض نفوذها على مضيق هرمز تكاليف تجاوزت الأراضي الإيرانية بكثير. ومع ذلك، لم يمنع أي من هذه العوامل الهجمات الأميركية-الإسرائيلية الأولية. وقد أقرت التعليقات الاستراتيجية الإيرانية مباشرة بهذا التمييز بين المعاقبة والمنع. ومع انتقال إحدى مراحل حرب عام 2026 إلى المرحلة التالية، أقر محلل إيراني بأن “الإجابة التي قدمناها لا يبدو أنها أوجدت ردعاً”، بينما جادل آخر بأن على إيران مواصلة فرض التكاليف إلى أن تصبح حرب أخرى إما “غير موجودة” أو إلى أن يخلص خصومها إلى أن القوة العسكرية لا يمكنها تحقيق أهدافهم ضد إيران.
وقد أعطت فجوة الردع المتصورة هذه زخماً جديداً لمسألة كانت محصورة إلى حد كبير في هامش الخطاب الرسمي: هل تستطيع إيران تحقيق ردع مستدام من دون امتلاك قدرة على إنتاج الأسلحة النووية؟ ويرى بعض المعلقين الإيرانيين بصورة متزايدة أن الردع النووي يمثل طبقة إضافية من الحماية، تكمل صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة وتحالفاتها الإقليمية ونفوذها على مضيق هرمز، بدلاً من أن تحل محلها. فعلى سبيل المثال، جادل أحد المشاركين في نقاش عبر وسائل إعلام حكومية بصورة صريحة بأن المضيق لا ينبغي النظر إليه على أنه بديل عن القدرة النووية، معتبراً أن “امتلاك إيران للردع النووي إضافة إلى مضيق هرمز” يمكن أن يغير موقع البلاد الإقليمي بصورة جوهرية.
ومع ذلك، لم يؤدِّ الجدل إلى توافق على أن امتلاك الأسلحة النووية سيحل مشكلة الردع الإيرانية. بل بات يتمحور بصورة متزايدة حول ما يمكن للأسلحة النووية أن تردعه فعلياً. وفي نقاش تلفزيوني آخر للمحللين، حذّر أحد المشاركين من أن من يقول إن إيران تستطيع ببساطة أن “تصنعها ولن تكون هناك حرب أخرى” هو مخطئ. وأشار إلى روسيا، “أكبر دولة تمتلك الأسلحة النووية”، والتي واجهت رغم ذلك هجمات أوكرانية على أهداف شديدة الحساسية، وإلى الهند وباكستان، اللتين خاضتا حروباً رغم امتلاك كل منهما ترسانة نووية. والدرس، وفقاً لهذا الرأي، ليس أن الأسلحة النووية تفتقر إلى قيمة ردعية، وإنما أنها تقيد بصورة أساسية التصعيد النووي أو الوجودي أو التصعيد الشديد للغاية، بدلاً من أن تلغي الصراع التقليدي. وقد تظل إيران المسلحة نووياً عرضة لضربات محدودة واغتيالات وهجمات على البنية التحتية وإكراه اقتصادي ومحاولات لاختبار استعدادها للتصعيد.
وقد أدت الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية منذ حزيران/يونيو 2025 إلى زيادة حدة الجدل، من خلال إضعاف حجة أخرى كانت تدعم ضبط النفس، وهي أن البقاء ضمن نظام عدم الانتشار النووي الدولي والخضوع لمراقبة واسعة يوفران لإيران بعض الحماية من الهجوم العسكري. وشدد محللون إيرانيون على أن المنشآت النووية التابعة لدولة عضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، أو “إن بي تي”، والتي تعمل في ظل “أشد نظام تفتيش للوكالة صرامة”، تعرضت مع ذلك للقصف. وأثار أحد النقاشات احتمال أن تستنتج طهران من ذلك: “على الأقل… أنا خارج معاهدة عدم الانتشار النووي”، بينما تساءل معلقون آخرون بصورة أكثر مباشرة عن سبب عدم توجه إيران نحو ردع نووي خاص بها بعد تعرض منشآتها للهجوم. ولا تثبت هذه التصريحات أن إيران قررت تسليح برنامجها النووي. لكنها توضح، مع ذلك، كيف أدت الحروب إلى تآكل الافتراضات التي كانت تدعم في السابق بقاء إيران دون العتبة النووية.
ولا يزال الخطاب الرسمي أكثر حذراً، إذ يشدد على فعالية القدرات الإيرانية الحالية بدلاً من الحاجة إلى ردع نووي. وقد جادل وزير الخارجية عراقجي بأن إيران لم يعد بإمكانها الاعتماد على الضمانات الخارجية، بما في ذلك ضمانات مجلس الأمن الدولي، وعليها بدلاً من ذلك الاعتماد على قدرتها الذاتية على ردع الهجمات المتجددة والدفاع عن نفسها في مواجهتها. وحافظ على أن الرد العسكري الإيراني وقدرتها على توسيع تكاليف الحرب عززا الردع في مواجهة هجوم آخر. كما أصبحت المسألة النووية غير منفصلة عن مسألة تسلسل إنهاء الحرب. فقد شددت النقاشات الإيرانية على أن طهران لا ينبغي أن تقدم تنازلات نووية وهي تتعرض للهجوم، ولا سيما بعد أن أعقبت مفاوضات سابقة ضربات عسكرية. وعكس مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران/يونيو هذا المنطق، من خلال جعل استئناف المفاوضات النووية مشروطاً بتنفيذ الأحكام السابقة للاتفاق. ولم تُنفذ تلك الأحكام بصورة كاملة قط؛
ثم انهارت مذكرة التفاهم لاحقاً، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت تسوية متجددة قادرة على تهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات النووية.
ومن ثم، باتت المسألة النووية مندمجة بصورة متزايدة ضمن التحول العقائدي الأوسع لإيران، بدلاً من أن تكون منفصلة عنه. وحتى مؤيدو ردع نووي أقوى لا يمكنهم افتراض أنه سيحل محل القوات الصاروخية والمسيّرة، والعمق الاستراتيجي الإقليمي، والقدرة على تهديد القواعد الأميركية والبنية التحتية الحيوية، أو النفوذ على مضيق هرمز. وبدلاً من ذلك، ستشكل القدرة النووية طبقة أخرى، وربما حاسمة، ضمن موقف ردع متعدد الأبعاد بصورة متزايدة. وبالتالي، ينتقل الجدل المركزي من السؤال حول ما إذا كانت إيران تحتاج إلى قوة ردع أكبر، والذي يبدو أن هناك اتفاقاً متزايداً بشأنه، إلى مدى ما يتعين عليها الذهاب إليه للحصول عليها، وما إذا كان عبور العتبة النووية سيجعل إيران في نهاية المطاف أكثر أمناً.
وإذا خلصت طهران إلى أن بنية الردع الحالية لديها تستطيع معاقبة الهجمات لكنها لا تستطيع منعها بصورة موثوقة، ولا سيما عند مستويات أعلى من التصعيد، مثل حملة مستمرة ضد البنية التحتية المدنية، فمن المرجح أن تزداد قوة الحجة المؤيدة للأسلحة النووية باعتبارها طبقة أخيرة من التأمين الاستراتيجي.
الخلاصة
يمثل تحول إيران من “الصبر الاستراتيجي” إلى “التصعيد المضاد المستمر” تغييراً خطيراً في البيئة الاستراتيجية للمنطقة. إن الدرس الذي استخلصته طهران من السنوات القليلة الماضية لا يقتصر على حاجتها إلى قوة عسكرية أكبر فحسب، بل يدرك أيضاً أن ضبط النفس بحد ذاته قد يكون خطيراً عندما يفسره الخصوم على أنه عدم رغبة في الرد. وتُعد الأحداث التي شهدتها منطقة مضيق هرمز في أواخر أغسطس 2026 تجسيداً لهذه الديناميكية الناشئة؛ فبعد أن شنت الولايات المتحدة ما وصفته بضربات “محدودة ودقيقة” على جزيرة “لارك” بهدف منع إيران من تهديد حركة الملاحة البحرية، ردت طهران بشن هجمات على قواعد أمريكية في الأردن والإمارات وإسقاط طائرة أمريكية مسيرة من طراز “MQ-9” فوق مضيق هرمز، مع مواصلة حملتها ضد السفن التي تستخدم مسارات عبور ترفضها إيران.
وفي أعقاب ذلك، هدد ترامب بشن المزيد من الضربات، مما وضع واشنطن مرة أخرى أمام خيارين: إما تصعيد الموقف بشكل أكبر أو استيعاب الرد الإيراني. وتجسد هذه الواقعة منطق “التصعيد المضاد المستمر”؛ إذ إن الجهود الأمريكية الرامية إلى تقييد أحد مصادر النفوذ الإيراني قد تؤدي إلى ردود فعل انتقامية تستهدف مجموعة أوسع من نقاط الضعف العسكرية والاقتصادية والجغرافية. ولذا، تسعى إيران لجعل أي تصعيد مستقبلي أسرع وأكثر تلقائية وأعلى تكلفة، مع توسيع نطاق الأصول والدول المعرضة لخطر الانتقام.
قد يعزز هذا الاستراتيجية الإيرانية للردع، لكنه يفتح أيضاً مسارات جديدة نحو حرب أوسع نطاقاً بكثير؛ إذ يمكن لضربة داخل إيران أن تؤدي الآن إلى هجمات على قواعد أمريكية، أو بنية تحتية في الخليج الفارسي، أو منشآت طاقة، أو حركة الملاحة البحرية؛ كما أن الهجمات على البنية التحتية الإيرانية قد تستجلب رداً يستهدف مواقع ذات أهمية اقتصادية في أماكن أخرى؛ فضلاً عن أن الضغوط الممارسة على طهران يمكن أن تنتقل عبر مضيق هرمز لتؤثر على الاقتصاد العالمي. وهكذا، فإن العقيدة التي تهدف إلى منع الحرب من خلال إظهار العزم قد تجعل احتواء الأزمات المستقبلية أكثر صعوبة، وتقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرار، وتزيد الضغوط الداعية للرد، وتحول المواجهات المحدودة نسبياً إلى صراعات حول البنية التحتية الإقليمية والاستقرار الاقتصادي. ويزيد الجدل المتنامي في إيران حول الأسلحة النووية من حدة المخاطر؛
فإذا خلصت طهران إلى أن هذه المنظومة الموسعة قادرة على معاقبة المعتدين ولكنها عاجزة عن منع الهجمات – لا سيما عند مستويات التصعيد العليا – فمن المرجح أن تزداد قوة الحجج المؤيدة لامتلاك رادع نووي.
وهذا يضع واشنطن أمام معضلة لا يمكن للتفوق العسكري وحده حلها. لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قدرة هائلة على إلحاق الضرر بإيران، لكن السؤال المحوري هو ما إذا كان استغلال هذه الميزة يُحسّن الردع أم يُعزز قناعة طهران بأن امتلاك قدرات أكبر لمواجهة التصعيد هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن. إن حلقة الإكراه المتبادلة المتزايدة تُنذر بخطر إنتاج النتيجة التي يدّعي كلا الجانبين رغبتهما في تجنبها: منطقة يعتقد فيها كل طرف أن التهديدات الأكبر والقدرة التدميرية الأكبر ضرورية لردع الآخر.
لذا، ينبغي أن تُركز السياسة الأمريكية ليس فقط على فرض تكاليف باهظة على إيران، بل على كسر هذه الديناميكية. ويتطلب ذلك وجود مخارج فعّالة، وضبط النفس تجاه البنية التحتية المدنية والطاقة، ومفاوضات واسعة النطاق بما يكفي لمعالجة القضايا التي تربطها طهران بأمنها، بما في ذلك تخفيف العقوبات، وممر هرمز، والترتيبات العسكرية الإقليمية، والحماية من أي هجوم مُتجدد. ليس على واشنطن قبول النظام الإقليمي الذي تُفضّله طهران. لكن استراتيجية تقوم على إجبار إيران على العودة إلى وضعها قبل الحرب تُخاطر بتأكيد الدرس الأساسي الذي يُحرك تحوّلها العقائدي: أن ضبط النفس يُؤدي إلى الضغط، بينما القدرة المُثبتة على جعل التصعيد خطيرًا على الجميع هي وحدها الكفيلة بحماية إيران.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




