صحافة

كذبة استهداف مكة المكرمة: ورقة سعودية مستهلكة لتغطية فشلها العسكري والسياسي

تعود ماكينة الإعلام التابعة لتحالف العدوان على اليمن، بين حين وآخر، إلى استحضار ورقة قديمة استُهلكت مرارًا خلال سنوات الحرب: اتهام القوات المسلحة اليمنية بمحاولة استهداف مكة المكرمة. وهي ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها هذه المزاعم، بل تتكرر كلما ضاقت الخيارات أمام الرياض، وكلما عجزت عن تسويق روايتها حول تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فتلجأ إلى ما تعتبره “الملاذ الأخير”: استدرار العاطفة الدينية لدى الشعوب العربية والإسلامية.

سياق متكرر منذ سنوات العدوان

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُستحضر فيها هذا الاتهام. فمنذ السنوات الأولى للعدوان على اليمن عام 2015، دأبت وسائل إعلام موالية للتحالف السعودي-الإماراتي على ترويج روايات مشابهة كلما تعرضت قوات التحالف لضربات نوعية داخل الأراضي السعودية، أو كلما أخفقت في تحقيق تقدم ميداني يُذكر. وقد رافقت هذه الحملات، في أكثر من محطة، عمليات صواريخ وطائرات مسيّرة يمنية استهدفت منشآت نفطية ومطارات عسكرية داخل العمق السعودي، فكان الرد الإعلامي في كل مرة هو محاولة ربط هذه العمليات، ولو من بعيد، بتهديد “المقدسات”، رغم أن الوقائع الميدانية لم تسجل يومًا استهدافًا فعليًا لمكة المكرمة أو المدينة المنورة. هذا التكرار المنهجي يكشف أن الأمر لا يتعلق بحادثة عابرة، بل بأداة دعائية جاهزة يُعاد إخراجها كلما استدعت الحاجة السياسية ذلك.

في كلمة له أمس، تناول قائد حركة أنصار الله، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، هذا الملف بشكل مباشر، مؤكدًا أن الشعب اليمني شعب متجذر الانتماء الإيماني، وأن توظيف قدسية مكة المكرمة في اتهامات ضده يمثل، محاولة خداع وافتراء لا تحترم مكانة البيت الحرام لا لدى اليمنيين وحدهم، بل لدى جميع المسلمين. ودعا السيد عبد الملك الحوثي الأمة الإسلامية إلى مواجهة ما اعتبره “بهتانًا” يخدم استمرار العدوان على شعب مسلم يتعرض للحصار والاستهداف، مشددًا على أن اليمنيين هم من أكثر الشعوب استعدادًا للتضحية في سبيل حماية المقدسات الإسلامية، لا تهديدها.

كما وصف الخطاب السعودي في هذا الملف بأنه بلغ درجة من “الدناءة والانحطاط” تجعله يفتقر للمصداقية أمام الرأي العام، معتبرًا ما يُروَّج بشأن استهداف مكة “كذبة كبرى” لا تصمد أمام الوقائع، وأن القوات المسلحة اليمنية ظلت طوال سنوات العدوان تُركّز عملياتها الردعية على أهداف عسكرية واقتصادية داخل العمق السعودي، بعيدًا كل البعد عن أي مساس بالأماكن المقدسة.

الأهداف من وراء الحملة

يمكن قراءة توقيت إحياء هذه الورقة في ضوء عدة عوامل متداخلة:

أولًا، تعثر الرواية السعودية بشأن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، والتي لم تفلح في حشد تأييد إقليمي واسع، لا سيما من دول مثل مصر التي تربطها مصالح مباشرة بأمن الملاحة عبر قناة السويس.

ثانيًا، محاولة صرف الأنظار عن تقارير كشفت عن طلب الرياض دعمًا استخباراتيًا من جهات غربية وإسرائيلية عبر القيادة المركزية الأمريكية، وهو ما يضع النظام السعودي، بحسب هذا الطرح، في موقع حرج أمام الرأي العام الإسلامي الذي يرفض أي تطبيع أو تنسيق مع كيان الاحتلال في ظل استمرار العدوان على غزة.

ثالثًا، وربما الأهم، محاولة إعادة توجيه النقاش من سياقه الميداني والعسكري، حيث تراكمت الإخفاقات العسكرية السعودية إلى مساحة عاطفية دينية يسهل من خلالها استدرار تعاطف شعبي عابر للحدود، بمعزل عن الوقائع الميدانية.

إن تكرار هذا النمط من الاتهامات، دون أي دليل ميداني يسنده، يضعه في خانة الأدوات الدعائية المصاحبة تقليديًا لمراحل التعثر العسكري والسياسي، لا في خانة القلق الفعلي على أمن المقدسات. فبينما تتوالى التقارير عن تفاهمات أمنية واستخباراتية تجمع الرياض بأطراف إقليمية ودولية في ملفات حساسة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا هو: من يملك فعليًا المصداقية للحديث باسم حماية الحرمين الشريفين؟ والإجابة، بحسب ما يطرحه الخطاب اليمني الرسمي، لا تُقاس بالشعارات، بل بالسلوك الفعلي على الأرض طوال سنوات المواجهة.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى