صحافة

إيران تستنزف الجيش الأميركي: ماذا كشفت الحرب عن حدود القوة؟

ليست الحروب اختبارًا للعدو فقط؛ إنها مرآة للذات. وتقرير المفتش العام للبنتاغون حول الحرب الأخيرة مع إيران ليست فقط حصيلة خسائر، بل وثيقة كاشفة عن حدود القوة الأميركية عندما تُوضع في مواجهة استنزاف طويل ومتعدد الجبهات. فالمفارقة الكبرى أن واشنطن لم تخسر الحرب بالمعنى التقليدي، لكنها اكتشفت أنها لا تستطيع خوض حربين في الوقت نفسه: حربًا ضد إيران في الشرق الأوسط، وحربًا صناعية داخل قواعدها الإنتاجية، وحربًا ثالثة للحفاظ على تفوقها أمام الصين وروسيا.

من “التفوق” إلى “النقص الاستراتيجي”

أهم ما في التقرير أنه لم يعد وثيقة سرية أو تسريبات متفرقة، بل تجميع رقابي مشترك لمعلومات وزارة الدفاع والخارجية والوكالات الأميركية، قُدم إلى الكونغرس. وهو يعترف صراحة بحدوث “نقص استراتيجي في مخزونات الذخائر”، وباختناقات في القاعدة الصناعية الدفاعية، وبأن توسيع خطوط الإنتاج يحتاج “وقتًا كبيرًا” حتى مع تسريع المشتريات والاستثمار في الطاقة الإنتاجية.

المشكلات ليست هامشية. فهي تتركز في محركات الصواريخ ذات الوقود الصلب، والمتفجرات والمواد الدافعة عالية الجودة، والقدرة على استقطاب العمالة الصناعية الماهرة. هذه ليست تفاصيل فنية، بل قلب آلة الحرب الأميركية. وحين تعترف البنتاغون بذلك، فمعنى ذلك أن الحرب كشفت هشاشة العمق الصناعي الذي تقوم عليه الردع الأميركي.

جغرافيا الضرر… ثماني دول ومئات المنشآت

التقرير يسجل أن إيران نجحت في إصابة أو تدمير مئات المباني والمنشآت داخل قواعد أميركية في ثماني دول: الكويت، البحرين، قطر، الإمارات، السعودية، العراق، عُمان، والأردن. هذا ليس ضررًا محدودًا في قاعدة واحدة، بل شبكة انتشار كاملة تعرضت للاستهداف.

والأخطر أن الضرر لم يكن ماديًا فقط. البحرين، التي كانت المركز اللوجستي الرئيسي للقوات البحرية الأميركية في الخليج، تعرضت لضربات مسيّرات وصواريخ باليستية، ما اضطر CENTCOM إلى تحويل الإمداد إلى مراكز بديلة أبعد. وهنا يظهر الاعتراف النادر للقائم بأعمال وزير البحرية الأميركية، هونغ كاو، في مقابلة مع “إيبوك تايمز”: “لقد دمروا القواعد في البحرين تدميرًا كاملًا”.

وتُعد قاعدة البحرين موطن الأسطول الخامس الأميركي والقيادة المركزية البحرية. وبحسب تقارير، تعرض مركز القيادة وما لا يقل عن 12 مبنى آخر للقصف وأضرار جسيمة. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن القوات المسلحة الإيرانية “دمّرت بالفعل مقر الأسطول الخامس في البحرين تدميرًا كاملًا”. ولم يقتصر الأمر على البحرين؛ فقد أكد الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس أن عددًا من القواعد والمنشآت الأميركية في الشرق الأوسط “لم تعد صالحة للاستخدام”، وأن قائد سنتكوم لم يعد يدير العمليات من قاعدة العديد الجوية خارج الدوحة، لأن الموقع لم يعد صالحًا. وقال إن “نصف هذه المنشآت مدمرة على الأرض”، وإن منشآت بمئة مليون دولار بناها القطريون “يبدو الآن أن هناك بعض الثقوب في سقفها”.

البديل كان دييغو غارسيا، لكن المسافة رفعت دورة الإمداد البحري إلى 14–18 يومًا. وهذا يفسر رسميًا لماذا أصبح الضرر في البحرين مشكلة تتعلق باستدامة العمليات البحرية، وليس مجرد كلفة إصلاح قاعدة.

خسائر الطيران… تكشف هشاشة الحماية

قائمة خسائر الطيران من أهم ما أخرجه التقرير إلى العلن:

– أربع مقاتلات F-15E دُمّرت، ثلاث منها بنيران صديقة وواحدة بنيران معادية.

– F-35A واحدة تضررت بنيران معادية فوق إيران.

– A-10 واحدة فُقدت بعد تعرضها لأضرار أثناء عودتها من مهمة إنقاذ قتالي.

– سبع طائرات KC-135 للتزود بالوقود تضررت أو دُمّرت؛ اثنتان في حادث تصادم فوق العراق، وخمس أثناء وجودها على الأرض في السعودية نتيجة ذخائر إيرانية.

– طائرة E-3 للإنذار المبكر تضررت على الأرض في السعودية بضربة إيرانية.

– فقدان أو تضرر منصات أخرى: HH-60W خلال عمليات إنقاذ قتالي، وتحطم MQ-4C، وتدمير القوات الأميركية أربع مروحيات AH-6 بعدما أصبحت غير قابلة للاستعادة، وإسقاط AH-64 فوق هرمز، وتحطم MH-60 في بحر العرب.

– الرقم الأبرز: ما يصل إلى 30 طائرة MQ-9 Reaper دُمّرت في ظروف مختلفة.

هذه الأرقام لا تعني بالضرورة خسارة جوية شاملة، لكنها تعني أن القواعد والمنصات الحساسة لم تعد محصنة، وأن الحرب الاستنزافية تفرض على الأميركيين دفع ثمن باهظ حتى في المجالات التي يفترضون أنهم يتفوقون فيها.

اقتصاد الحرب… ذخائر تستهلك أسرع من الإنتاج

حجم استهلاك الذخائر وحده لافت؛ 22.3 مليار دولار خلال الأشهر الأولى للحرب، أي نحو ثلثي الكلفة المباشرة التي احتسبها البنتاغون حتى ذلك التاريخ. ولهذا طلب البيت الأبيض في يونيو تمويلًا طارئًا بقيمة 87.6 مليار دولار، منها 67.1 مليارًا للبنتاغون، ويخصص 21 مليار دولار منها للذخائر وحدها.

لكن المشكلة ليست في المال فقط. فالمال يمكن أن يُطبع أو يُقترض، أما خطوط الإنتاج فلا تُخلق بقرار. التقرير يقول إن الحرب أدت إلى “نقص استراتيجي في المخزون” وكشفت اختناقات في القاعدة الصناعية لإعادة إمداد الذخائر. وهنا يظهر السؤال المركزي: كيف تريد واشنطن أن تردع الصين في تايوان، أو روسيا في أوروبا، إذا كانت مخزوناتها في أوروبا قد نزلت بالفعل دون مستويات حرجة؟

الدفاع الجوي… معادلة الاستنزاف المقلقة

أحد أخطر ما ورد في تقارير “وول ستريت جورنال” هو أن ما كانت الولايات المتحدة تستهلكه في أسبوع من الحرب استهلكته في التصدي لهجوم إيراني واحد على الأردن. فقد أُطلقت 60–70 صاروخ باتريوت وأكثر من 12 صاروخ ثاد لمواجهة هجوم يتكون من حوالي 20 صاروخًا باليستيًا.

أحد المسؤولين قال إن كمية الصواريخ الاعتراضية التي أُطلقت خلال هذه المواجهة الواحدة تعادل تقريبًا ما كانت الولايات المتحدة تستهلكه خلال أسبوع كامل في مراحل أخرى من الحرب. والسبب أن إيران استخدمت رؤوسًا حربية تنفصل إلى عدد أكبر من المقذوفات أثناء اقترابها من الهدف، ما اضطر منظومات الدفاع إلى التعامل مع عدد أكبر من الأهداف في المرحلة النهائية.

مسؤولون تحدثوا للصحيفة يقولون إن الهجمات الإيرانية أصبحت أكثر تعقيدًا خلال الحرب عبر تغيير أنواع الصواريخ، ومسارات الطيران، والمناورات، وأنواع الرؤوس الحربية، في محاولة لاختبار الدفاعات الأميركية والعثور على وسائل لتجاوزها. ويقول فابيان هينز من “Conflict Armament Research” إن الإيرانيين يواصلون التعلم والتجربة وتعديل التكتيكات بناءً على ما ينجح وما يفشل.

وتقول التقارير إن الصواريخ الإيرانية تمكنت من إصابة مقاتلات وطائرات أخرى في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن. وفي يوليو، نجحت إيران في قتل ثلاثة عسكريين أميركيين في هجوم آخر على القاعدة، وقال مسؤولون أميركيون إن طهران حصلت قبل ذلك على صور أقمار صناعية عالية الدقة للقاعدة من جهات صينية.

وبحلول منتصف يوليو، كانت الولايات المتحدة قد استخدمت نحو 1,700 صاروخ باتريوت اعتراضي وأكثر من 200 صاروخ ثاد منذ بداية الحرب، إلى جانب نحو 150 صاروخ Standard Missile أطلقتها السفن الحربية الأميركية. كما أن مخزونات PAC-3 Patriot وصواريخ ATACMS لدى القوات الأميركية في أوروبا أصبحت، في تقييم بعض المسؤولين، دون مستويات حرجة بالفعل، وأن إعادة بناء المخزونات قد تستغرق سنوات.

الاستخبارات والاستهداف… كسر حاجز التفوق التقني

في تطور بالغ الدلالة، أقر مسؤولون أميركيون بتطور ملحوظ في القدرات الاستخباراتية والعسكرية الإيرانية، مؤكدين نجاح طهران في تطوير عمليات رصد وتحديد الأهداف العسكرية التابعة لواشنطن في المنطقة بدقة متزايدة. ونقلت “وول ستريت جورنال” عن هؤلاء المسؤولين أن “إيران حصلت على صور أقمار صناعية عالية الدقة لقاعدة موفق السلطي قبيل تنفيذ الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين”، مشيرين إلى أن هذه البيانات جاءت عبر جهات صينية ساهمت في تعزيز دقة الضربات.

هذا الاعتراف يحمل إقرارًا ضمنيًا بأن العقوبات التقليدية لم تعد كافية لتعطيل المسار التكنولوجي الإيراني. فالقدرة على الحصول على صور أقمار صناعية عالية الدقة لموقع عسكري بعينه، وتحليلها وترجمتها إلى ضربة دقيقة، تمثل قفزة نوعية في منظومة الاستهداف الإيرانية. ولم يعد الأمر مقتصرًا على القواعد الثابتة، بل امتد إلى “القدرة الإيرانية على استهداف القطع البحرية والسفن المتحركة”، التي شهدت تحسنًا واضحًا خلال الفترة الأخيرة.

والأمر الأكثر إثارة للقلق في الدوائر العسكرية الأميركية ليس فقط نجاح طهران في توجيه صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات أميركية وسفن حربية أخرى، بل “صعوبة تعطيل هذا التطور التكنولوجي المستمر عبر العقوبات التقليدية”. وهنا يتكشف جوهر المعضلة: كيف يمكن ردع دولة تطور قدراتها الاستخباراتية والصاروخية بوتيرة متسارعة، في وقت تتراجع فيه فعالية أدوات الضغط الاقتصادي التقليدية؟

الدبلوماسية واللوجستيات… أوروبا عمق الحرب

التقرير يكشف كذلك أن أوروبا تحولت عمليًا إلى عمق لوجستي للحرب؛ فالقيادة الأوروبية الأميركية كانت منصة إطلاق وإسناد ونقل للذخائر والطائرات والوقود والمعدات والأفراد إلى CENTCOM، مع استخدام قواعد وشبكات نقل أوروبية للحفاظ على العمليات.

أما الأضرار الدبلوماسية فبلغت نحو 184 مليون دولار، لكن توزيعها شديد التركيز؛ 157.35 مليونًا في العراق، و14.75 مليونًا في الكويت، و11.5 مليونًا في السعودية، و125 ألف دولار فقط في الإمارات.

في السعودية، يقول التقرير إن مسيّرتين إيرانيتين هجوميتين أحاديتَي الاتجاه أصابتا السفارة الأميركية في الرياض وتسببتا بأضرار مادية، وأعقب ذلك تعليمات لموظفين في الرياض وجدة والظهران بالاحتماء وتحذيرات للأميركيين من الاقتراب من المنشآت الدبلوماسية.

وبحلول نهاية يونيو، كان نحو 3,500 موظف دبلوماسي أميركي وأفراد أسرهم في الشرق الأوسط إما في مغادرة مأذون بها أو مغادرة إلزامية أو خارج مواقعهم، وهو مؤشر رسمي على اتساع التأثير التشغيلي للحرب على الوجود الأميركي المدني في المنطقة.

سوق السلاح… موجة صفقات وقلق خليجي

الحرب أطلقت أيضًا موجة ضخمة من صفقات التسليح الإقليمية. التقرير يسجل 44.51 مليار دولار من المبيعات العسكرية الطارئة وغير الطارئة بين يناير ويونيو. منها 25.32 مليارًا بقرارات طوارئ تجاوزت المراجعة الاعتيادية للكونغرس، و19.19 مليارًا مبيعات غير طارئة.

السعودية كانت أكبر متلقٍ منفرد بقيمة 12 مليار دولار؛ 9 مليارات لصواريخ Patriot PAC-3 MSE و3 مليارات لدعم F-15. تلتها الكويت بـ10.74 مليارات، ثم الإمارات 8.61، “إسرائيل” 7.81، قطر 5 مليارات، والأردن 350 مليونًا.

لكن هذه الصفقات ليست مؤشر قوة فقط، بل مؤشر قلق. فدول الخليج نفسها استهلكت كميات كبيرة من مخزوناتها الدفاعية خلال أكثر من ستة أشهر من الهجمات الإيرانية، ما يجعل المنافسة على صواريخ الاعتراض قضية إقليمية وليست أميركية فقط.

ماذا كشفت الحرب؟

كشفت الحرب أن حدود القوة الأميركية ليست في عدد الحاملات أو المقاتلات، بل في القدرة على الاستدامة. إيران لم تكن بحاجة إلى “هزيمة” الجيش الأميركي بالمعنى الكلاسيكي؛ كانت بحاجة إلى استنزافه. أن ترفع كلفة الاعتراض، وتستهلك مخزوناته، وتجبره على تغيير خطوط إمداده، وتضرب قواعده في ثماني دول، وتقتل جنوده، وتجعل قواعده الرئيسية غير صالحة للاستخدام. هذا ليس انتصارًا ساحقًا، لكنه تحويل للصراع من معادلة “من يملك القوة” إلى معادلة “من يستطيع الصمود أطول”.

التقرير يضع واشنطن أمام حقيقة قاسية: لا يمكن أن تكون قوة عظمى بلا قاعدة صناعية مرنة، ولا يمكن أن تردع الصين وروسيا إذا كانت مخزوناتها قد استُهلكت في الشرق الأوسط. وحين يصبح مخزون الصواريخ الاعتراضية قضية استراتيجية، وحين تتحول البحرين إلى نقطة ضعف لوجستية، وحين تصبح صور الأقمار الصناعية الصينية جزءًا من معادلة الاستهداف الإيرانية، فإن الحديث عن “التفوق” لم يعد كافيًا.

ما كشفته الحرب ليس سقوط القوة الأميركية، بل اكتشافها لحدودها. وهذه الحدود ليست جغرافية فقط، بل صناعية واستخباراتية ولوجستية. وإيران، بلا حاجة إلى مواجهة مباشرة شاملة، نجحت في تحويل الحرب إلى اختبار استنزاف طويل، أربك واشنطن، وأربك حلفاءها، وأعاد تعريف قواعد الاشتباك في المنطقة.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى