صحافة

حين تبدأ الذخائر بالكلام… من يملك زمام الحرب؟

حين

في الحروب، أخطر التسريبات ليست دائماً تلك التي تكشف مواقع الصواريخ أو خطط العمليات. أحياناً تكون المعلومة الأكثر خطورة هي تلك التي تكشف كم تبقى من الصواريخ أصلاً.

وهنا تحديداً تكمن دلالة التحقيق غير المسبوق داخل البنتاغون، والذي شمل نحو 50 عسكرياً وموظفاً في هيئة الأركان باختبارات كشف الكذب، على خلفية تسريبات تتعلق بالحرب على إيران وبمستويات الذخائر الأميركية.

ظاهرياً، تبدو القضية أمنية: من سرّب؟ ولماذا؟

لكن استراتيجياً، السؤال أخطر بكثير: لماذا أصبحت أرقام المخزون العسكري تستدعي كل هذا الذعر؟

لأن المشكلة ليست في تسريب رقم، بل في أن الرقم يمكن أن يتحول إلى معلومة استراتيجية يقرأها الخصم قبل أن يقرأها الرأي العام.

التقارير الأميركية تحدثت عن استنزاف حاد في بعض الصواريخ بعيدة المدى، فيما أشارت تقديرات أخرى إلى تراجع كبير في مخزونات صواريخ الاعتراض Patriot وTHAAD. كما حذرت تقارير عسكرية من أن نقل الذخائر إلى الشرق الأوسط بدأ يضغط على قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع تهديدات محتملة من روسيا والصين.

وهنا ينقلب معنى الحرب.

القوة الأميركية لم تعد تُقاس فقط بما تستطيع إطلاقه، بل بما تستطيع الاحتفاظ به لحرب ثانية.

وهذه هي النقطة التي تجعل استنزاف الذخائر أكثر خطورة من مجرد مشكلة لوجستية. فالولايات المتحدة لا تدير جبهة واحدة في فراغ استراتيجي؛ لديها التزامات في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وكل صاروخ يُستهلك في جبهة يخرج، ولو مؤقتاً، من معادلة الردع في جبهة أخرى.

بعبارة أكثر قسوة:

كلما طال أمد الحرب مع إيران، ارتفع السؤال في موسكو وبكين قبل طهران: ماذا بقي في المستودعات الأميركية؟

ومن هنا نفهم سبب حساسية البنتاغون تجاه التسريبات. فالمعلومة عن نقص الذخائر لا تضعف صورة الإدارة أمام الجمهور الأميركي فقط؛ إنها قد تؤثر في حسابات الخصوم والحلفاء معاً. ولهذا تحاول الإدارة ضبط الرواية، فيما يؤكد الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك كميات هائلة من الذخائر وتواصل رفع الإنتاج.

لكن الحرب لا تُدار بالتصريحات وحدها.

فإذا كانت واشنطن تستطيع تعويض جزء من المخزون عبر زيادة الإنتاج، فإن الزمن الصناعي ليس هو الزمن العسكري. إعادة بناء بعض المخزونات قد تستغرق سنوات، بينما القرارات الاستراتيجية تُتخذ خلال ساعات.

وهنا تحديداً تصبح إيران أكثر من مجرد هدف عسكري.

طهران تستطيع أن تراهن على معادلة مختلفة: ليس مطلوباً منها أن تتفوق على الولايات المتحدة في التكنولوجيا أو القوة النارية؛ يكفي أن تجعل استمرار الحرب مكلفاً بما يكفي لكي يبدأ التفوق الأميركي نفسه في إنتاج مشكلة سياسية.

ومضيق هرمز هو الاختبار الأوضح لهذه المعادلة.

فحركة السفن عبر المضيق تراجعت إلى مستويات هي الأدنى منذ أشهر، فيما تحولت الملاحة إلى جزء مباشر من الصراع العسكري والاقتصادي. وفي الوقت نفسه، تشير التطورات الأخيرة إلى أن قدرة إيران على استخدام هرمز كورقة ضغط ليست بلا حدود، إذ بدأت الضغوط الاقتصادية والعسكرية تقلص هامش المناورة لديها أيضاً.

أي أن المعركة الحقيقية ليست: من يملك الصاروخ الأقوى؟

بل: من يستطيع دفع كلفة الحرب لفترة أطول من خصمه؟

وهذه معادلة لا تنتصر فيها القوة النارية وحدها.

فالولايات المتحدة تواجه اختبار القدرة على الاستمرار من دون استنزاف الردع العالمي، بينما تواجه إيران اختبار القدرة على الصمود من دون تحويل الضغط الاقتصادي إلى أزمة داخلية.

ولهذا فإن مطاردة «المسرّبين» قد تكون أقل أهمية من المعلومة التي يحاول الجميع السيطرة عليها: كم تستطيع واشنطن أن تقاتل، وكم تستطيع طهران أن تصمد؟

في النهاية، الحروب الطويلة لا تسقط دائماً بسبب نقص السلاح.

أحياناً تسقط لأن الخصم يكتشف أن سعر الانتصار أصبح أعلى من القدرة على دفعه.

وهنا، تبدأ الذخائر بالكلام.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى