صحافة

إسقاط F-15SA الأمريكية السعودية: الدفاع الجوي اليمني يفرض معادلة جديدة في سماء المعركة

يمثّل إسقاط القوات المسلحة اليمنية التابعة لحركة “أنصار الله” مقاتلة سعودية من طراز F-15SA تطوراً لافتاً في مسار مواجهة اليمن للعدوان السعودي الأمريكي، نظراً إلى طبيعة الطائرة المستهدفة وما تمثله من مستوى متقدم في تكنولوجيا الطيران القتالي. فالحادثة لا ترتبط بخسارة طائرة حربية فحسب، بل تأتي في سياق مسار طويل من التطور الذي شهدته قدرات الدفاع الجوي اليمنية، من استخدام وسائل رصد كهروبصرية ورادارية وصواريخ جو-جو معدلة (لكي يتم إطلاقها من منصات أرضية)، إلى تطوير منظومات أكثر تعقيداً قادرة على التعامل مع أهداف جوية على مسافات وارتفاعات مختلفة، وصولاً الى اكتساب قدرات على رصد وتعقّب الطائرات المعادية وهي لا تزال خارج أجواء البلاد.

وتكتسب أهمية الإسقاط بعداً إضافياً بالنظر إلى مواصفات الطائرة المستهدفة. فطائرة F-15SA هي النسخة الخاصة بالقوات الجوية السعودية من عائلة “إف-15” الأمريكية وتحديداً الإصدار “F-15X”، وتضم تجهيزات متقدمة تشمل راداراً من نوع AESA، وأنظمة للحرب الإلكترونية والإنذار والحماية، إضافة إلى نظام الرصد الحراري السلبي IRST ونظام تحكم رقمي بالطيران. ووفق المعلومات المتداولة، تبلغ كلفة الطائرة الواحدة نحو 110 ملايين دولار، ما يجعل إسقاطها خسارة مادية وعسكرية كبيرة.

لكن الأهم من قيمة الطائرة نفسها هو ما تكشفه الحادثة عن طبيعة التطور الذي طرأ على الدفاع الجوي اليمني. فمنذ السنوات الأولى للحرب، اتجهت القوات المسلحة اليمنية إلى البحث عن وسائل للتعامل مع التفوق الجوي الذي امتلكه تحالف العدوان السعودي، مستفيدة من المخزون العسكري اليمني، ومن إعادة توظيف بعض الأسلحة الموجودة أصلاً، ومن تطوير وسائل رصد وتتبع جديدة.

وفي هذا السياق، شكّل استخدام صواريخ جو-جو بعد تعديلها للعمل من الأرض إحدى أبرز الأفكار التي اعتمدتها القوات اليمنية. مثل صاروخ R-27 الروسي، المخصص أصلاً للقتال جو-جو والموجه حرارياً، الذي جرى تحويله إلى منظومة أرض-جو، وأطلق عليه لاحقاً اسم “ثاقب-2″، فيما أدى هذا المسار إلى تطوير سلسلة من الصواريخ المخصصة للدفاع الجوي.

وبالتوازي، تطورت وسائل الرصد مع تطوير الصواريخ. فقد اعتمدت القوات اليمنية على أبراج استشعار مزودة بكاميرات نهارية وحرارية، قبل أن تظهر في المشاهد الأخيرة مؤشرات على استخدام منظومات كهروبصرية وحرارية أكثر تطوراً، بينها منظومة يرجّح بأنها منظومة “سداد-103” الإيرانية (المعروفة في دول أخرى بمنظومة رقيب). ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن الاعتماد على وسائل رصد سلبية لا تبث إشارات رادارية يمكن أن يوفر للقوة المدافعة هامشاً أكبر لتجنب اكتشافها من الطائرات المعادية. وتظهر أهمية هذا التطور بصورة أوضح عند النظر إلى منظومة الحماية التي تمتلكها طائرة F-15SA. فهذه المقاتلة مجهزة بأنظمة إنذار وتحذير قادرة على رصد مصادر التهديد، إلى جانب أنظمة للحرب الإلكترونية ووسائل خداع تشمل الرقائق المعدنية والوسائل الحرارية. ويشير التحليل الذي أُجراه بعض الخبراء والمتخصصين على مشاهد العملية إلى أن الطيار نفذ مناورة حادة ثم استخدم وسائل خداع، في وقت أظهر فيه مسار الصاروخ وسلوك الطائرة مؤشرات استُخدمت لترجيح طبيعة منظومة الاعتراض. ومع ذلك، يبقى تحديد نوع الصاروخ المستخدم في العملية بصورة نهائية غير محسوم وفق المعلومات المتاحة، إذ يرجح تحليل الخبراء الى استخدام أحد صواريخ “برق-1” أو “برق-2″، مع إبقاء احتمال استخدام “ثاقب-2” قائماً.

ومن هنا، فإن القيمة العسكرية للحادثة لا تكمن فقط في إسقاط مقاتلة متطورة، وإنما في إظهار قدرة منظومة دفاع جوي أقل كلفة على تهديد طائرة تنتمي إلى فئة متقدمة من الطائرات القتالية. وهذه المعادلة تعكس أحد أهم أوجه الحروب الحديثة، حيث لا يقاس التفوق العسكري دائماً بمستوى المنصة وحدها، بل بقدرة الطرف المقابل على اكتشافها وتعطيل مهمتها وفرض قيود على حركتها.

وتأتي حادثة إسقاط F-15SA أيضاً ضمن مسار أوسع من تطوير الدفاعات الجوية اليمنية. فالقوات المسلحة اليمنية نجحت نجاحاً كبيراً، في إسقاط طائرات مسيرة سعودية وأمريكية، بينها طائرات MQ-9 Reaperالأمريكية وطائرات مسيرة صينية وتركية، كما توثق انتقالها من استخدام وسائل قديمة نسبياً إلى تطوير صواريخ ومنظومات رصد أكثر تقدماً، ومعظمها بصناعة محلية.

وبذلك، يمكن وصف عملية إسقاط F-15SA بأنها حلقة متقدمة في مسار تطوير سلاح الدفاع الجوي اليمني عبر صناعة صواريخ دفاع جوي محلية وتوسيع قدرات الرصد والتتبع عبر منظومات وتطبيقات محلية وربما بعضها خارجي والمزج بين جميعها، من أجل تهديد الطائرات الحربية المتقدمة، وإفهام الجهات المعادية، أنه مهما بلغ حجم عدم التماثل بالقدرات المالية والتكنولوجية، فإن الإرادة والإبداع اليمنيين قادرين على خلق بيئة جوية أكثر تعقيداً مما كانت عليه في مراحل سابقة من الحرب.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى