صحافة

في بلدة إيرانية صغيرة، حوّل هجوم أمريكي حفل زفاف إلى مأساة

بلدة

أعدّت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقاً، ترجمه موقع الخنادق الالكتروني، واعتمدت فيه على تحليل صور ومقاطع فيديو انتشرت في وسائل إعلام ومنصات التواصل الإجتماعي، بما يثبت مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية عن جريمة تحويل حفل زفاف في إحدى بلدات الجمهورية الإسلامية في إيران الى مأساة. ويكشف التحقيق وفقاً لخبير في الأسلحة وتحليل بصري أجرته الصحيفة، أن القنبلة التي أصابت المنطقة السكنية أمريكية الصنع. وقد أسفر الهجوم عن استشهاد 5 أشخاص وإصابة 67 آخرين.

النص المترجم:

بدأ الأمر كأي حفل زفاف تقليدي في جنوب إيران. وصلت النساء وأياديهن مزينة بنقوش الحناء المتقنة. ولعب الأطفال في باحة المنزل، فيما كان يجري الاستعداد لتقديم وجبة احتفالية في غرفة مفروشة بالسجاد والوسائد.

لكن كل شيء انتهى عندما أدت قنبلة إلى انهيار السقف، فتحولت ليلة الاحتفال إلى أكوام من الصنادل المغطاة بالغبار، وأكاليل الزهور الممزقة، والسجاد المشبع بالدماء.

وبحسب شاهد عيان وتقارير نشرتها وسائل إعلام محلية، كان عشرات المدعوين قد وصلوا بالفعل إلى منزل عائلة ملاحي والمباني المحيطة به في مدينة كوهستك جنوب إيران، للاحتفال بزفاف شاب وشابة.

وفي نحو الساعة التاسعة والنصف مساء الثلاثاء، استُهدف حفل الزفاف بقنبلة قالت خبيرة في الأسلحة وتحليل بصري أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” إنها أُلقيت من قبل القوات الأمريكية، خلال تنفيذها هجمات مكثفة في جنوب إيران.

وبحسب جمعية الهلال الأحمر الإيرانية، وهي منظمة للإغاثة الإنسانية، قُتل ما لا يقل عن 5 من ضيوف حفل الزفاف، بينهم طفل يبلغ من العمر 6 سنوات، فيما أصيب ما لا يقل عن 67 شخصاً آخرين.

وكانت بين المدعوين امرأة تدعى مطهرة، تمكنت صحيفة “نيويورك تايمز” من التحقق من هويتها. وفي ليلة الزفاف، نشرت مطهرة صورة شخصية “سيلفي” على تطبيق إنستغرام من حفل الحناء الخاص بالنساء الذي أقيم في الليلة السابقة، حيث ظهرت مبتسمة، بمكياج متقن، ووشاح أرجواني فاتح، وعباءة مزينة بالورود.

وكتبت: “كانت الليلة الماضية هي الليلة الأولى! بالنسبة إلى الليالي المقبلة، هل تريدون مني أن أنشر لكم قصصاً من هذا النوع أيضاً أم ماذا!!!“.

وفي منشورها التالي، الذي حمّلته بعد أقل من ساعة على الهجوم، ظهرت مطهرة بالوشاح الأرجواني الفاتح نفسه، لكن عينيها كانتا مغطاتين بالمكياج الأسود الملطخ، ووجهها مغطى ببقع حمراء.

وكتبت مطهرة: “كان من المفترض أن تكون هذه الليلة ليلة حب وضحك، لكن حفل الزفاف تحول إلى مأتم، وستبقى ليلة جميلة مريرة إلى الأبد“.

ولم تذكر مطهرة اسم عائلتها على حسابها، وقد تم التحقق من هويتها، كما أنها لم ترد على طلبات صحيفة “نيويورك تايمز” لإجراء مقابلة معها.

وأظهر مقطع فيديو التُقط في أعقاب الهجوم مباشرة مشهداً من الفوضى، إذ كان سكان الحي يهرعون بين المباني المتضررة وهم يحملون مصابيح يدوية، بينما كان عمال الطوارئ الطبيون يعملون على إخماد النيران ورش المنطقة بالمياه بواسطة خرطوم.

وتحققت صحيفة “نيويورك تايمز” من الموقع الدقيق الذي صُوّر فيه الفيديو، بعدما أظهرت معالم المشهد تطابقاً مع صور الأقمار الصناعية للمنطقة، كما تأكدت من أن الفيديو يعود إلى مساء الثلاثاء.

تقع كوهستك، وهي مدينة ساحلية، بالقرب من مضيق هرمز الاستراتيجي. وجاء الهجوم في وقت قالت فيه القوات الأمريكية إنها ترد على هجمات إيرانية استهدفت سفناً وقوات أمريكية في المنطقة. وقالت القيادة المركزية الأمريكية إنها استهدفت مواقع للاتصالات، إلى جانب مواقع أخرى قالت إنها تُشغَّل من قبل القوات المسلحة الإيرانية، التي تضم الحرس الثوري الإسلامي.

وأصابت الهجمات على كوهستك برج اتصالات كبيراً بالقرب من ميناء المدينة. وبعد استهداف البرج، انهار وسقط عبر أحد الشوارع باتجاه متجر يقع على ناصية الشارع ومبانٍ سكنية، وفقاً لصور ومقطع فيديو تحققت صحيفة “نيويورك تايمز” من صحتهما.

كما أصاب هجوم آخر مبنى في المنطقة السكنية التي كان يُقام فيها حفل الزفاف، على بُعد نحو 150 ياردة (137.16 متراً)  من برج الاتصالات، وفقاً لروايات عدد من السكان والمسؤولين المحليين، ومقاطع فيديو نشرها شهود وتحققت الصحيفة من صحتها.

في بلدة إيرانية صغيرة، حوّل هجوم أمريكي حفل زفاف إلى مأساة

وجمعت صحيفة “نيويورك تايمز” مقاطع فيديو تظهر بقايا أسلحة صُوّرت بعد الهجمات على كوهستك، وشاركتها مع تريفور بول، وهو خبير سابق في إزالة الذخائر المتفجرة بالجيش الأمريكي ومحلل لدى “خدمات أبحاث التسلح” (خدمات أبحاث التسلح) وحدد بول هذه البقايا على أنها مكونات لقنبلة انزلاقية، وهي نوع من الذخائر تستخدمه القيادة المركزية الأمريكية ولا تستخدمه القوات الإيرانية.

وعندما سُئل متحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، الكابتن تيم هوكينز من البحرية الأمريكية، عن الهجوم على حفل الزفاف والذخائر المستخدمة، قال: “نحن على علم بالتقارير التي مصدرها وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية. الجيش الأمريكي لا يستهدف المدنيين أبداً، خلافاً للحرس الثوري الإيراني“.

ووصف مسؤولون إيرانيون الهجوم بأنه جريمة حرب، فيما قالت جمعية الهلال الأحمر الإيرانية إن رئيسها طلب من المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في الواقعة.

وفي البلدات الصغيرة بجنوب إيران، تُقام حفلات الزفاف تقليدياً في منازل السكان، كما حدث مع عائلة ملاحي. وتتحول حفلات الزفاف إلى مناسبة تجمع سكان الحي، إذ يجتمع الرجال والنساء في منازل منفصلة. ويبدو أن الهجمات أصابت أحد المباني التي كان يُقام فيها حفل الزفاف.

ونشر حميد كسيري، وهو مدرس، وشهود آخرون مقاطع فيديو تظهر فجوة كبيرة في سقف أحد المباني، قال مسؤولون إيرانيون إنه تعرض لضربة أمريكية مباشرة. واخترقت الشظايا جدراناً إسمنتية، وتحطمت الأبواب، وانهارت الأسقف، وتناثرت الأنقاض في أنحاء المنطقة.

وحلل بول بقايا الأسلحة الظاهرة في الصور ومقاطع الفيديو التي التقطها كسيري، المدرس المحلي، ومراسل في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية “إيريب”، في موقع الهجوم. وحدد بول البقايا على أنها أجزاء من قنبلة انزلاقية أمريكية. وقال إن زعنفة ذيلية وغطاءً مميزاً للقنبلة يتطابقان مع خصائص “سلاح المواجهة المشتركة”، المعروف اختصاراً باسم JSOW.

وتتطابق الزعنفة التي عُثر عليها، الظاهرة في الصورة الأولى أدناه، مع زعانف صواريخ JSOW عُثر عليها بعد ضربات في اليمن وفنزويلا، تظهر الأخيرة في الصورة الثانية، وفقاً لـ”بوابة الذخائر مفتوحة المصدر”، وهي قاعدة بيانات لبقايا الأسلحة التي عُثر عليها في مناطق النزاع.

في بلدة إيرانية صغيرة، حوّل هجوم أمريكي حفل زفاف إلى مأساة

كما تتطابق أبعاد هيكل الذخيرة المستعاد والنمط المميز لثقوب البراغي فيه مع تلك الموجودة في صورة مرجعية لقنبلة JSOW على قاعدة بيانات الأسلحة.

في بلدة إيرانية صغيرة، حوّل هجوم أمريكي حفل زفاف إلى مأساة

ويبدو أيضاً أن قنبلة من طراز JSOW كانت محملة أسفل أجنحة مقاتلة أمريكية أقلعت في مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأمريكية يوم الثلاثاء، بالتزامن مع بيان أعلنت فيه تنفيذ ضربات ضد أهداف في إيران.

ويُعد الهجوم على كوهستك رابع واقعة توثقها صحيفة “نيويورك تايمز” تعرضت فيها منشآت لا استخدام عسكرياً لها لضربات، وقُتل فيها مدنيون. ففي 28 شباط/فبراير، وهو اليوم الأول من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، أصاب صاروخ أمريكي من طراز “توماهوك” مدرسة ابتدائية في ميناب بإيران، ما أدى إلى مقتل مدنيين، معظمهم من الأطفال، وفقاً لمسؤولين إيرانيين.

وبعد ساعات، استخدمت الولايات المتحدة عدة صواريخ من طراز برسم لضرب موقع بالقرب من منطقة سكنية في لامِرد بإيران، ما أسفر عن مقتل 21 شخصاً، بحسب مسؤولين إيرانيين. وفي تموز/يوليو، استخدمت الولايات المتحدة قنبلة تزن 2000 رطل (907 كغ تقريباً) لاستهداف منزل في جزيرة قشم، ما أدى إلى مقتل ثلاثة مدنيين، وفقاً لمسؤولين إيرانيين.

وكان أمير محمد كريمي، وهو طفل يبلغ من العمر ست سنوات، من بين الذين قتلوا في هجوم كوهستك. وكان الطفل، الذي وصف بأنه شديد الحماس، يستعد للالتحاق برياض الأطفال، وفقاً لمقابلة أجرتها والدته مع الهلال الأحمر ونشرتها الصفحة الرسمية للجمعية.

وقالت والدته، التي لم ينشر الهلال الأحمر اسمها، إن ابنها كان متحمساً جداً لحضور حفل الزفاف، لدرجة أنه سبقها إلى المكان برفقة شقيقته كيانا، البالغة من العمر 14 عاماً. وعندما سمعت الأم دوي الانفجارات، قالت إنها ركضت إلى الشوارع بحثاً عن طفليها، فوجدتهما مغطَّيين بالغبار والشظايا.

وقال مصور محلي يدعى كيان في مقابلة إنه كان في منزله، على بُعد نحو 500 ياردة (457 متراً تقريباً) من منزل عائلة ملاحي، عندما سمع صوتاً غريباً. وأضاف: “كان أشبه بصافرة، صافرة قادمة من اتجاه البحر”. وعندما سقطت القنبلة، قال: “سمعنا جميعاً الانفجار”.

وانقطعت الكهرباء وخدمات الاتصالات عبر الهواتف المحمولة. وكان الهواء مشبعاً برائحة البارود. وقال كيان إنه كان يسمع صرخات وبكاء وهو يتجه نحو منزل عائلة ملاحي. وتحدث كيان بشرط عدم الكشف عن اسم عائلته خوفاً من انتقام السلطات.

وقال: “كان الناس يحملون أطفالاً صغاراً بين أذرعهم، ويحاولون نقلهم إلى المستشفى في شاحنات صغيرة وأي مركبات تمكنوا من العثور عليها”.

وأضاف كيان أن القنبلة أصابت القسم المخصص للنساء في حفل الزفاف. وقال: “ولهذا السبب فإن معظم المصابين من النساء والأطفال”.

وفي وقت لاحق من تلك الليلة، قال كيان إنه كان برفقة والد وشقيق أحد القتلى، محمد ملاحي، البالغ من العمر 16 عاماً، بينما كانا يكافحان للتعرف على جثمانه. وأوضح أن المراهق كان قد تعرض لتشوهات بالغة، لدرجة أنهما استخدما الهاتف المحمول الذي عُثر عليه بحوزته للتأكد من أنه هو.

وحددت وكالة فارس للأنباء، وهي وسيلة إعلام شبه رسمية مرتبطة بالحرس الثوري، شخصين آخرين من بين القتلى، هما كلثوم ملاحي نجندنيا، 43 عاماً، وزرخاتون طاهري، 50 عاماً.

وقالت مطهرة، ضيفة حفل الزفاف، في منشورها، إن العروس والعريس نجوا من الهجوم.

نُقل ضحايا حفل الزفاف في كوهستك إلى مستشفى حضرة أبو الفضل في ميناب، وهو المركز الطبي نفسه الذي عالج ضحايا الهجوم على مدرسة “شجره طيبه” الابتدائية. وكانت صواريخ كروز أمريكية من طراز “توماهوك” قد دمّرت المدرسة في اليوم الأول من الحرب، فيما قُتل ما لا يقل عن 175 شخصاً، وفقاً للسلطات الإيرانية، وكان معظمهم من تلامذة المدرسة.

وقال أحمد نفيسي، نائب محافظ هرمزغان، حيث تقع كل من ميناب وكوهستك، لوسائل إعلام محلية إن الولايات المتحدة “ارتكبت مرة أخرى جريمة حرب في محافظة هرمزغان”.

وأظهر مقطع فيديو صُوّر وسط حشد فوضوي عند مدخل المستشفى أفراداً من الطواقم الطبية وهم ينتظرون حاملي النقالات، بينما كان ضيوف حفل الزفاف يتوافدون لتلقي العلاج. وفي أحد المقاطع، أحضر بالغون طفلاً صغيراً كان يبكي، وفتاة يسيل الدم من جبهتها.

وقال عادل حق، أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة روتغرز، إن على الجيش الأمريكي أن يوضح ملابسات الهجوم، “لأنه، في ظاهره، يبدو أمراً غير قابل للتفسير ولا يمكن الدفاع عنه”. وأشار إلى عدم وجود أي مؤشر على وجود هدف عسكري بالقرب من المبنى.

وكتبت مطهرة، ضيفة حفل الزفاف، في منشور بعد ساعات من الهجوم: “لم يكونوا يخصبون اليورانيوم في حفل الزفاف، كما أن حفل الزفاف لم يكن قريباً من منطقة عسكرية”.

وأضافت: “اللعنة على الحرب. اللهم ساعدنا“.


wakalanews.com — متابعة الخبر
الكاتب:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى