دمشق المهيّأة: تفكيك الجيش بين واشنطن وإسرائيل

دمشق المهيأة
لم تعد المعركة حول سوريا محصورة في سؤال من يحكم دمشق، بل في سؤال أكثر خطورة: هل يجري إعداد دمشق لمرحلة يكون فيها تغيير السلطة نتيجة لإعادة هندسة القوة داخلها؟ فإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية لا تبدو، وفق المعطيات المطروحة، مجرد عملية تنظيمية، بل مساراً قد يعيد تعريف موازين القوة، ويحدد من يملك القرار عندما تصل سوريا إلى لحظة الاختبار.
منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة، برزت معادلة تقوم على إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية تحت مركزية القرار الجديد. لكن هذه العملية تطرح سؤالاً استراتيجياً يتجاوز الداخل السوري: هل تسبق واشنطن إسرائيل في فرض شكل التغيير المقبل، أم أن إسرائيل، بعد طول انتظار، قد تذهب إلى فرض وقائعها منفردة؟
الفرضية الأكثر خطورة أن المسارين قد لا يكونان متناقضين في النتيجة، بل مختلفين في الأدوات والتوقيت. واشنطن قد تفضّل تغييراً منظماً يحافظ على الحد الأدنى من بنية الدولة، فيما قد ترى إسرائيل أن استمرار الانتظار يفاقم المخاطر على أمنها، فتتحرك لفرض واقع ميداني جديد. وفي الحالتين، تصبح الأشهر المقبلة مرحلة حاسمة في تحديد شكل سوريا المقبلة.
المفارقة أن بعض إجراءات السلطة السورية يمكن، وفق هذه القراءة، أن تجعل أي تحرك خارجي أقل كلفة. فإعادة توزيع الوحدات، وتفكيك تشكيلات عسكرية ذات جذور محلية، وسحب قوى من الجنوب وريف دمشق، وإعادة تركيب الجيش ضمن خمسة فيالق، كلها خطوات يمكن تفسيرها باعتبارها محاولة لتوحيد القرار العسكري. لكنها قد تنتج، في المقابل، مؤسسة أكثر مركزية وأقل تماسكاً اجتماعياً وميدانياً.
وتزداد حساسية المسألة مع اتساع حضور كوادر هيئة تحرير الشام في مفاصل القيادة العسكرية. فاستبدال شبكة الولاءات القديمة بشبكة ولاء جديدة لا يعني بالضرورة بناء جيش وطني؛ بل قد ينقل الأزمة من جيش تحكمه اعتبارات النظام السابق إلى جيش تحكمه اعتبارات السلطة الجديدة. والمشكلة هنا ليست هوية القادة وحدها، وإنما قدرة المؤسسة على اكتساب شرعية وطنية تتجاوز التنظيم والمناطق والعشائر.
فالجيوش لا تُبنى بالمراسيم وحدها. وفي مجتمع شديد التشابك جغرافياً وعشائرياً، فإن تفكيك الروابط المحلية قبل بناء هوية عسكرية وطنية جامعة قد يحوّل عملية الدمج إلى عامل تفكيك. ابن حمص لا يتحول تلقائياً إلى قوة دفاع عن دير الزور، وابن درعا لا يفقد ارتباطه بأرضه بمجرد نقله أو استبعاده من موقعه العسكري.
وهنا تظهر أخطر النتائج المحتملة: جيش يجري توحيد قيادته بينما تتآكل قاعدته الاجتماعية. فإذا ترافق ذلك مع إقصاء ضباط وقادة سابقين واحتقان داخل الوحدات، فإن الخطر لا يعود أمنياً فقط، بل يصبح أزمة شرعية داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون عنواناً لوحدة الدولة.
أما الجنوب، فيتحول في هذه المعادلة إلى نقطة اختبار. فكلما تراجعت القدرة العسكرية السورية المباشرة هناك، اتسعت مساحة الحركة أمام إسرائيل، وأصبح أي تدخل محتمل أقل كلفة من الناحية الميدانية. وعندها لا تعود القضية مجرد «دخول إسرائيلي إلى دمشق»، بل تصبح دمشق نفسها أكثر هشاشة أمام إعادة رسم حدود النفوذ حولها.
لذلك، فإن السؤال الذي يواجه الشرع ليس كيف يحمي موقعه داخل السلطة، بل كيف يمنع اختزال الدولة في سلطة، والجيش في تنظيم، والمرحلة الانتقالية في مشروع إقصاء. فالبديل عن بناء مؤسسة عسكرية وطنية جامعة قد يكون ترك سوريا مكشوفة أمام مسارين خارجيين يتنافسان على توقيت التغيير وأدواته.
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة المقبلة على دمشق من يبدأها، بل من يجد دمشق مهيّأة لها أولاً.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




