عاجل عاجل | القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة
صحافة

كيف تتآكل ركائز استقرار كيان الاحتلال من الداخل؟

يقف كيان الاحتلال في الوقت الراهن أمام مفترق طرق يُعيد تشكيل مشهده الداخلي من جذوره، حيث يعيش الكيان على وقع تحولات عميقة تمتد لتصيب البنية الاجتماعية والاقتصادية. وتتجسد هذه التحولات في ظاهرتين متزامنتين تعكسان حجم المشكلة، الأولى هي تصاعد موجات الهجرة العكسية لشرائح حيوية من المجتمع، والثانية هي الانقسام غير المسبوق داخل المجتمع الحريدي والتصدع المتزايد في تحالفاته السياسية التقليدية.

تنم هذه التطورات عن تآكل الركائز الكبرى التي قامت عليها اللعبة السياسية والمعادلة المجتمعية في إسرائيل لسنوات طويلة. حيث أفضت الاستقطابات الحادة، والمحاولات المتكررة لإعادة هيكلة الجهاز القضائي، وتفاقم التهديدات الأمنية والضغوط الاقتصادية، إلى اهتزاز مفهوم “الوطن الآمن” الذي شكل جوهر المشروع الصهيوني. وتحول إلى حالة من فقدان الثقة الشاملة في مؤسسات الكيان والقيادات الحاكمة.

تشير المعطيات والبيانات الرسمية إلى أن التفكير في المغادرة تحول إلى سلوك عملي تتسع رقعته باستمرار. إن وصول نسبة من فكروا في الرحيل إلى نحو خمس السكان يُعد مؤشراً خطيراً على عمق الأزمة النفسية والسياسية. وما يزيد من تعقيد المشهد أن هذه الهجرة تستهدف الفئات المحركة للاقتصاد، إذ تُظهر الأرقام مغادرة كفاءات عالية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والطب، إلى جانب أصحاب الأجور المرتفعة ورجال الأعمال.

يترتب على هذا النزيف البشري خسائر مالية ضخمة تُقدر بمليارات الشواكل سنوياً في صورة إيرادات ضريبية مفقودة، وهو ما يلقي بظلال قاتلة على الميزانية العامة ويحذر من تراجعات هيكلية في القدرة التنافسية للاقتصاد الإسرائيلي. كما أن ربط نسبة كبيرة من المستوطنين قرار بقائهم بالنتائج الانتخابية المقبلة أو بشخص رئيس الوزراء يعكس حالة فرز قطبي غير مسبوقة، حيث باتت السياسة الحاكمة سبباً مباشراً في تدفق الهجرة نحو الخارج بدلاً من استقطاب الكفاءات من دول العالم.

من ناحية أخرى، يأتي الملف الحريدي ليمثل البعد الثاني لهذا التحول العميق، فلأول مرة منذ عقود، يواجه التكتل الحريدي هزات داخلية تتجاوز مجرد المناكفات الحزبية إلى التمرد على السلطة الدينية والسياسية المتمثلة في قيادات شاس ويهودات هتوراه. وتتمركز هذه الأزمة حول قانون التجنيد الإجباري، إذ أدى فشل القيادات التقليدية في استصدار إعفاء شامل لطلاب المدارس الدينية، وتعرّض الشبان لأوامر التجنيد والملاحقات، إلى شعور عام بجدوى الولاء السياسي المستمر لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

في حين فتحت هذه الفجوة الباب أمام ظهور حركات ومبادرات جديدة تُعبر عن شرائح جديدة من الحريديم، مثل الأكاديميين والمندمجين في سوق العمل، الذين يطالبون بإعادة توزيع النفوذ السياسي وصياغة تمثيل يتماشى مع تطلعاتهم. هذا التمرد امتد إلى النخبة الحاخامية التي بدأت تناقش بشكل جدي إزاحة وجوه تاريخية كشفت الأزمةُ عجزَها عن صياغة حلول تناسبهم.

إن النتيجة المباشرة لهذه التطورات هي تصدع الكتلة الصلبة التي اعتمد عليها نتنياهو لسنوات طويلة للحفاظ على السلطة. فلأول مرة، تتحدث قيادات دين وسياسة داخل المجتمع الحريدي بلهجة انفتاح على خيارات بديلة في المعارضة، مما يعني أن المنظومة السياسية تتجه نحو مرحلة جديدة كلياً تتسم بعدم اليقين وإعادة تشكيل التحالفات على أسس مختلفة تماماً عما كانت عليه.

إن قراءة هذين المسارين تظهر أن إسرائيل تتعامل مع معادلة جديدة، من جهة أزمة انتماء تدفع الكفاءات العلمانية والليبرالية إلى مغادرة الكيان، وأزمة تمثيل وإعادة تعريف للهوية تدفع المجتمع المحافظ إلى التفكك والتعديل من الداخل. وبين خروج العقول وتصدع التحالفات العقائدية، تتكشف مرحلة جديدة تُعيد رسم ملامح المستقبل السياسي والاجتماعي، وتضع النظام بأكمله أمام اختبار استمرارية هو الأصعب منذ عقود. وعلى الرغم من أن هذه الارقام تتبدل باستمرار وسط جهود باستقطاب مزيد من اليهود إلى إسرائيل اضافة للامتيازات المالية والمادية والدعم المتعدد الذي تتلقاه لضمان هذه الاستمرارية، بل والتفوق على سواها ضمن الاقليم، إلا أن التغيير الكبير الذي يعصف بالمنطقة، يرخي بظلاله على مختلف الأطراف ولن يكون الكيان بمنأى.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى