باكستان واليمن: بين الالتزام بأمن السعودية وخيار التسوية السياسية
مع تصاعد العمليات على الجبهة اليمنية واتساع تداعياتها الإقليمية، يعود بقوة السؤال عن موقف باكستان وحدود انخراطها المحتمل، ولا سيما في ضوء علاقتها الاستراتيجية بالسعودية وما أضافه اتفاق مكة للدفاع المشترك من أبعاد جديدة إليها.
وتكشف متابعة مواقف الخارجية وكبار المسؤولين الباكستانيين خلال الأشهر الأخيرة عن معادلة مركبة: التزام واضح بأمن السعودية وسيادتها، يقابله حرص على تجنب الانخراط المباشر في حرب داخل اليمن، مع استمرار التأكيد على وحدة اليمن والحوار والتسوية السياسية.
وليست هذه المعادلة جديدة، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً مع التطورات الأخيرة؛ فإلى جانب العلاقات الباكستانية–السعودية العميقة في المجالات الدفاعية والاقتصادية والدينية، تواجه إسلام آباد تحديات داخلية وتحرص على توازن علاقاتها الإقليمية، بما يجعل الانخراط في حرب خارجية أكثر تعقيداً من مجرد الوفاء بالتزاماتها تجاه الرياض.
ثوابت الموقف الباكستاني
قبل التصعيد الأخير، كانت البيانات الباكستانية بشأن اليمن تركز بوضوح على ثلاثة مبادئ: دعم أمن السعودية، والمحافظة على وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، والدعوة إلى تسوية سياسية شاملة.
ففي 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية دعمها للجهود الدبلوماسية السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في اليمن، بحسب وصفها، لكنها شددت بالتوازي على ضرورة الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، ودعت الأطراف اليمنية إلى التوصل إلى حل سياسي شامل وتفاوضي.
ومع تصاعد التوتر في جنوب اليمن أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، على خلفية تمدد المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة وما رافقه من توتر سعودي–إماراتي، أكدت الخارجية الباكستانية في 31 ديسمبر تضامنها مع السعودية والتزامها بأمن المملكة، لكنها شددت في الوقت نفسه على رفض الخطوات الأحادية من أي طرف يمني التي من شأنها زيادة التصعيد وتقويض جهود السلام، وأعادت التأكيد على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، وعلى الحوار والدبلوماسية والتسوية الشاملة طريقاً لإنهاء الأزمة.
وفي الثاني من يناير/كانون الثاني 2026، ذهبت إسلام آباد خطوة أخرى حين أعلنت استعدادها للقيام بـ«دور إيجابي» من أجل السلام والاستقرار الإقليميين. ثم رحبت في اليوم التالي بالدعوة إلى حوار يمني شامل، وحثت الأطراف اليمنية على الانخراط بحسن نية في عملية سياسية تفاوضية.
كان واضحاً، إذاً، أن الموقف الباكستاني لا ينطلق من التعامل مع اليمن باعتباره مجرد امتداد للعلاقة مع الرياض. فالسعودية شريك استراتيجي رئيسي، لكن إسلام آباد ظلت في الوقت نفسه تؤكد وجود قضية يمنية مستقلة ينبغي أن تنتهي من خلال تسوية سياسية تحافظ على وحدة البلاد.
البحر الأحمر وتحول الخطاب الباكستاني
بدأ الموقف الباكستاني يكتسب بعداً أمنياً أوضح مع اتساع العمليات اليمنية في البحر الأحمر وباب المندب، التي جاءت في سياق إسناد غزة والضغط على “إسرائيل” وطرق إمدادها، وما رافقها من توتر متزايد حول أمن الملاحة الدولية.
وفي يوليو/تموز 2026، أدانت الخارجية الباكستانية التهديدات الموجهة إلى السعودية والملاحة التجارية، وحذرت من أن استهداف السفن التي تحمل العلم الباكستاني أو المصالح البحرية للبلاد سيُعد تهديداً خطيراً للأمن القومي، مع احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس. ورأت صحيفة «Dawn» أن البيان مثّل أقوى تحذير علني باكستاني لحكومة صنعاء منذ بدء أزمة البحر الأحمر عام 2023.
وازدادت حساسية الملف في أغسطس/آب، عندما أعلنت الخارجية مقتل ثلاثة باكستانيين وإصابة رابع إثر هجوم على سفينة تجارية في البحر الأحمر. وبذلك أضيف إلى حسابات إسلام آباد بعد أمني وطني مباشر يتعلق بمواطنيها ومصالحها البحرية.
ومع ذلك، استمر الخطاب الباكستاني في الجمع بين دعم أمن السعودية والدعوة إلى خفض التصعيد؛ إذ أعاد ممثل باكستان في مجلس الأمن التأكيد على سيادة اليمن ووحدته وسلامة أراضيه وضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
اتفاق مكة وتغير البيئة الاستراتيجية
جاء توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين باكستان والسعودية وتركيا في 7 أغسطس/آب 2026 ليضيف بعداً جديداً إلى الموقف الباكستاني.
ينص الاتفاق على اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، ويرمي إلى تعزيز التعاون والردع الدفاعي المشترك. وبذلك أصبح أي تصعيد عسكري كبير ضد الأراضي السعودية يثير بصورة تلقائية سؤالاً حول طبيعة الالتزامات التي تقع على باكستان بموجب الاتفاق.
ظهر ذلك بوضوح في تصريحات وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف في الثامن من سبتمبر/أيلول، عندما أكد أن الاعتداء على إحدى دول اتفاق مكة يعد اعتداءً على الأطراف الثلاثة، وأن استمرار الهجمات على السعودية يمكن أن يؤدي إلى تفعيل الاتفاق.
غير أن لغة وزارة الخارجية بقيت أكثر حذراً. فعندما سُئل المتحدث باسمها في العاشر من سبتمبر بصورة مباشرة عن احتمال تحرك باكستان عسكرياً ضد أنصار الله بموجب اتفاق مكة، شدد على الطبيعة الدفاعية للاتفاق، وأعاد التأكيد أن باكستان تريد السلام والاستقرار في اليمن، وأن الحوار والدبلوماسية يمثلان الطريق المستدام لتحقيق السلام.
وهذا التمايز مهم لفهم السياسة الباكستانية: الالتزام بالدفاع عن السعودية لا يعني، حتى الآن، إعلان الاستعداد لخوض حرب داخل الأراضي اليمنية.
الدفاع عن السعودية لا يعني الحرب في اليمن
تدعم هذه القراءة أيضاً معلومات نشرتها وكالة «رويترز» في التاسع من سبتمبر، استناداً إلى مصادر باكستانية وسعودية وإيرانية وإقليمية. فقد أفادت بأن إسلام آباد نقلت إلى طهران رسالة مرتبطة بوقف الهجمات على السعودية، لكنها نقلت كذلك عن مصادر باكستانية أن أي دور عسكري محتمل لباكستان سيكون دفاعياً ومحصوراً في حماية الأراضي السعودية، وأنه لم يصدر قرار بالمشاركة في ضربات أو أعمال عسكرية داخل اليمن.
كما أشار التقرير إلى تفاهم، وفق مصادره، على عدم دخول قوات الدول المعنية(باكستان – تركيا) إلى الأراضي اليمنية.
ورغم أن هذه المعلومات لا تمثل موقفاً رسمياً معلناً ويمكن أن تتغير بتغير التطورات، فإنها تتقاطع مع النبرة التي ظهرت في تصريحات الخارجية الباكستانية: التمييز بين الدفاع عن السعودية وبين الدخول في مواجهة عسكرية داخل اليمن.
وفي 11 سبتمبر، كرر مندوب باكستان لدى الأمم المتحدة عاصم افتخار أحمد هذا التوازن. فقد وصف التطورات بأنها دخلت مرحلة شديدة الخطورة، وأدان الهجمات على الملاحة والأهداف المدنية والاقتصادية السعودية وأكد حق المملكة في الدفاع عن نفسها، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة منع المزيد من التصعيد والمحافظة على مساحة للدبلوماسية، وأكد دعم بلاده لخفض التصعيد والحوار والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة في اليمن.
رواية استهداف مكة وتحول نبرة الخطاب الباكستاني
بلغ الخطاب الباكستاني مستوى أكثر حدة في منتصف سبتمبر، عقب إعلان السعودية اعتراض طائرة مسيّرة قالت إنها كانت تستهدف مكة المكرمة، وهي رواية نفتها صنعاء.
وتفاعلت إسلام آباد مع الرواية السعودية بصورة سريعة؛ إذ أدان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار ما وصفه بمحاولة استهداف مكة، واعتبرها انتهاكاً للسيادة السعودية وتهديداً للأمن الإقليمي وإساءة خطيرة للمشاعر الدينية للمسلمين. كما صدرت مواقف مماثلة عن رئيس الوزراء ووزير الدفاع وعدد من الشخصيات السياسية والدينية الباكستانية.
وتكتسب القضية حساسية استثنائية في المجتمع الباكستاني، نظراً إلى المكانة الدينية للحرمين الشريفين. ولذلك فإن ترسخ رواية استهداف مكة في الرأي العام الباكستاني، بصرف النظر عن الخلاف حول حقيقة الواقعة والمسؤولية عنها، يمكن أن يترك أثراً بالغاً في صورة صنعاء ويضيّق المساحة السياسية والإعلامية المتاحة أمامها في باكستان.
التزام دفاعي مع استمرار خيار الحوار
بحلول 17 سبتمبر أصبحت الخارجية الباكستانية أكثر وضوحاً في تأكيد الالتزامات الناشئة عن اتفاق مكة. فقد أعلنت أن باكستان ملتزمة بتنفيذ تعهداتها الدفاعية، ورفضت الخوض في تفاصيل تتعلق بزمان أو مكان أو كيفية استخدام القوة، معتبرة إياها مسائل عملياتية.
لكن الخارجية نفسها أكدت أن هدف باكستان فيما يتعلق باليمن هو الوصول إلى السلام والأمن والمصالحة ومنع انتشار الأزمة إلى بقية المنطقة.
ولخصت صحيفة «دون» هذا الاتجاه في اليوم التالي بقولها إن باكستان «تفضل الحوار على الإكراه» في معالجة التهديد الحوثي.
ومن هنا تبدو السياسة الباكستانية أكثر تعقيداً من اختزالها في الاصطفاف مع أحد طرفي الصراع. إسلام آباد مرتبطة بعلاقة استراتيجية عميقة مع الرياض، وأصبحت لديها التزامات دفاعية إضافية بعد اتفاق مكة، لكنها لا ترى بالضرورة أن مصلحتها تكمن في الدخول في حرب يمنية جديدة.
أين تقف باكستان اليوم؟
يمكن، في ضوء المواقف الرسمية المتراكمة، تحديد ثلاثة مستويات في السياسة الباكستانية تجاه اليمن.
المستوى الأول يتعلق بخطوط يصعب تصور التراجع عنها: أمن الأراضي السعودية، وحماية الحرمين، وأمن المواطنين والمصالح والملاحة الباكستانية. وكل تصعيد يمس هذه الملفات سيؤدي بالضرورة إلى تضييق مساحة الحياد أو الوساطة الباكستانية.
أما المستوى الثاني فيتمثل في الالتزام الدفاعي تجاه السعودية، وهو التزام أصبح أكثر مؤسسية بعد اتفاق مكة، ولم يعد مقتصراً على بيانات التضامن السياسي التقليدية.
لكن هناك مستوى ثالث لا يقل أهمية: باكستان لا تزال تتمسك بوحدة اليمن وسيادته، وتكرر دعوتها إلى الحوار والمصالحة والتسوية السياسية الشاملة، ولم تعلن حتى الآن رغبتها في الانتقال من الدفاع عن السعودية إلى خوض حرب داخل الأراضي اليمنية.
وهذه المساحة قد تكون الأكثر أهمية بالنسبة إلى مستقبل العلاقة بين صنعاء وإسلام آباد.
خلاصة القول
رغم التصعيد، ما زالت في الموقف الباكستاني عناصر يمكن البناء عليها دبلوماسياً: التمسك بوحدة اليمن وسيادته، ورفض توسع الحرب، والدعوة المتكررة إلى الحوار والمصالحة، والاستعداد المعلن للقيام بدور إيجابي من أجل السلام. ويضاف إلى ذلك أن اتفاق مكة، على الرغم من الزخم السياسي والإعلامي الذي رافقه وما يرتبه من التزامات دفاعية بحسب الخطاب الرسمي، لم يُعرض حتى الآن على البرلمان الباكستاني للنقاش أو المصادقة، فيما لا تزال آليات تطبيقه وحدوده العملية موضع نقاش، وقد أكدت الخارجية نفسها حاجة الاتفاق إلى استكمال أطره وآلياته المؤسسية.
ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن الظروف الداخلية لباكستان. فالبلاد تواجه منذ سنوات ضغوطاً اقتصادية واستقطاباً سياسياً داخلياً وتحديات أمنية متصاعدة، إلى جانب حاجتها إلى توجيه مواردها نحو الاستقرار والتنمية. وهي اعتبارات تجعل الانخراط في مواجهة إقليمية مفتوحة خياراً مرتفع الكلفة، ولا سيما في نزاع أثبتت تجربة السنوات الماضية صعوبة حسمه بالقوة. وقد انعكست هذه المخاوف في النقاش الداخلي الباكستاني، حيث حذرت أصوات صحفية من الانجرار إلى مستنقع مفتوح في اليمن، فيما أكد مسؤولون باكستانيون أن اتفاق مكة ذو طبيعة دفاعية وردعية وليس إطاراً لمغامرات عسكرية إقليمية.
وتحمل باكستان، فوق ذلك، ذاكرة ثقيلة من أثمان انخراطها في صراعات إقليمية ودولية ارتبطت، في مراحل سابقة، بالاستراتيجيات الأميركية في المنطقة، من الحرب الأفغانية إلى مرحلة «الحرب على الإرهاب». ومن ثم تبدو مساحة القبول الداخلي بتورط عسكري جديد خارج الحدود أضيق من السابق، ولا سيما إذا لم يكن مرتبطاً بصورة مباشرة بالأمن القومي الباكستاني. وهذا لا يلغي عمق العلاقة مع السعودية أو الالتزامات الدفاعية تجاهها، لكنه يجعل الانتقال من الدفاع عن الأراضي السعودية إلى المشاركة في حرب داخل اليمن خطوة مختلفة سياسياً وعسكرياً وأكثر تعقيداً.
ويعزز هذا الاتجاه أيضاً تحول أوسع في البيئة الاستراتيجية الباكستانية، ولا سيما تعمق الشراكة مع الصين التي باتت أحد المرتكزات الرئيسية للسياسة الخارجية والاقتصادية لإسلام آباد. فالممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، والاستثمارات ومشروعات الربط والتجارة، جعلت الاستقرار الإقليمي وأمن طرق التجارة والطاقة أكثر حضوراً في حسابات الأمن القومي الباكستاني. كما أن التنسيق المتزايد مع بكين، التي تميل في أزمات المنطقة إلى أولوية خفض التصعيد والحلول السياسية، يوفر لإسلام آباد سياقاً دولياً مختلفاً عن ذلك الذي حكم كثيراً من خياراتها خلال عقود الارتباط الوثيق بالاستراتيجيات الأميركية. ولا يعني ذلك انتقال باكستان من محور إلى آخر بقدر ما يعكس اتساع هامشها للموازنة بين القوى والمصالح، وازدياد كلفة الانخراط في حروب لا تخدم بصورة مباشرة أولوياتها الوطنية.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للسياسة الباكستانية في المرحلة المقبلة لن يكون في قدرتها على إعلان التضامن مع حليفها السعودي، فهذا أمر راسخ منذ عقود، وإنما في قدرتها على التمييز بين حماية أمن السعودية وبين الانخراط في حرب يمنية مفتوحة، وعلى استخدام وزنها وعلاقاتها مع الرياض وطهران وأنقرة وبكين للمساهمة في منع توسع المواجهة وفتح الطريق أمام مخرج سياسي. وفي هذا السياق، قد تكون قيمة باكستان للسعودية وللمنطقة أكبر بوصفها قوة قادرة على التواصل والوساطة وخفض التصعيد، منها بوصفها طرفاً إضافياً في الحرب.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




