مكة في معركة الرواية: كيف حوّلت الرياض مسيّرة إلى قضية إسلامية؟
مع اشتداد المواجهات بين أنصار الله من جهة، والحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية من جهة أخرى، وبعد التقدّم السريع باتجاه باب المندب، وجد الفريق السعودي نفسه متراجعًا سياسيًا وعسكريًا ومعنويًا وإعلاميًا، إذ كان يقدّم للرأي العام صورة تناقض الوقائع الميدانية. وجاءت الصدمة من اتجاهين: تفوّق أنصار الله في الميدان، وتخلّي العالم العربي وغيره عن تقديم أي دعم، رغم الحملة الإعلامية السعودية التي سعت إلى التحشيد والاستنهاض. أمام هذين الضغطين، بحثت الرياض عن فكرة يمكن استثمارها لطلب المؤازرة، فوجدتها في “استهداف مكة”، وهي فكرة قادرة على تحصيل قدر من الدعم المعنوي يخفّف الإحساس بالخسارة والهزيمة.
من الإعلان إلى الإدانات: صناعة الحدث
في فجر الأربعاء 16/9/2026 أعلن المتحدث باسم التحالف تركي المالكي أن المملكة دمّرت مسيّرة “أطلقها الحوثيون” مساء الثلاثاء قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة المقدسة، ووصف ما جرى بأنه عمل مشين يستهدف “مهبط الوحي وأرض الرسالة” ويروّع ضيوف بيت الله الحرام. ولا يخفى هنا أن اللغة اختيرت بعناية، فمصطلحات مثل “مهبط الوحي” و”بيت الله الحرام” تشحن الخبر بدلالات روحية تتجاوز حدث اعتراض مسيّرة. ويحق للمتابع أن يتساءل: أين كانت هذه الحمية الدينية حين كانت الحفلات الاستعراضية تُقام على مدى أسابيع وأشهر بإشراف الهيئة العامة للترفيه؟ ولماذا فارت هذه الغيرة تحديدًا بعد ما يسمّونه “التقدّم الحوثي”؟
تكشف الحملة عن نمط واضح في الاشتغال: تضخيم الخبر والمبالغة في دلالاته الروحية، واستثماره سياسيًا وإعلاميًا ودينيًا، وفرضه على الأتباع في الإعلام والسياسة، وتوظيفه لاستعادة دعم متراجع، ثم تعبئة الجمهور عبر الإيعاز لخطباء الجمعة بالحديث عن محاولة استهداف مكة، بما يعني، بحسب الخطاب المروَّج، استهداف كل مسلم في العالم. وقد استُخدمت الرواية أيضًا لإعادة فرز الحلفاء والتابعين، ولتجديد شيطنة الشعب اليمني الذي تحاصره السعودية وتقصفه منذ سنوات، وإثارة النقمة عليه في العالم الإسلامي.
جاءت الاستجابة أشبه بتنفيذ “أمر اليوم”. فلم تبقَ جهة قريبة من الرياض إلا وأعربت عن شجبها واستنكارها. أدانت مصر وتركيا والأردن والسودان “هجوم المسيّرة”، ووصفه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بـ”الهجوم الجبان”، وحذت حذوهم رابطة العالم الإسلامي والأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي، ثم رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام والخارجيتان اللبنانية والبحرينية، بعبارات تتحدث عن “انتهاك صارخ لحرمة المقدسات” و”تصعيد خطير ومدان”. وانتقلت موجة الغضب إلى منصات التواصل والصحافة السعودية، حيث استحضر أحد الكتّاب قصة أبرهة والفيل ليقيم تماثلًا تاريخيًا بين الأمس واليوم.
والمستغرب أن هذه الإدانات صدرت في وقت نفى فيه أنصار الله الرواية من أساسها ووصفوها بالكذبة. وبذلك حققت الرياض الجزء الأول من هدفها، أي الدعم الكلامي والمعنوي، وبقي الجزء الأهم: التحرك الميداني. فالسعودية، كما قال إعلامها، تريد “أشياء أخرى غير البيانات”، وتطمح إلى أن تتحرك “ولو قطعة عسكرية واحدة من مئات القطع المنتشرة في البحر الأحمر”.
ما وراء الرواية: الغايات السعودية من ورقة مكة
يكشف تحليل الخطاب الإعلامي لهذه الحملة ست غايات متداخلة.
أولًا، نقل الحرب من نزاع سعودي–حوثي إلى قضية للعالم الإسلامي: فالبيان السعودي لم يكتفِ بلغة الأمن الوطني، بل استعان بعبارات مثل “البلد الحرام وقبلة المسلمين”، ليحوّل الاعتداء المزعوم من مساس بجغرافيا دولة إلى مساس بالمقدّس والرمز الديني العالمي.
ثانيًا، تحصيل شرعية سياسية وعاطفية لأي رد عسكري: فمع تمدّد أنصار الله في مديريات ومحافظات يمنية إضافية، طلبت الرياض مساعدة دفاعية من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر، بحسب وكالة أسوشيتد برس. وفي هذا السياق تكتسب رواية استهداف مكة قيمة استراتيجية، لأنها تجعل أي رد لاحق دفاعًا عن الحرمين الشريفين لا مجرد تصعيد في حرب اليمن، وهو ما ينسجم مع صياغة التحالف عن “أمن الحرمين خط أحمر” والتلويح بإجراءات الردع.
ثالثًا، توسيع دائرة التعاطف والضغط: فإدخال مكة في الخطاب يوسّع دائرة المتأثرين بالحدث من الخليج إلى العالمين العربي والإسلامي، وينتج ضغطًا دبلوماسيًا أوسع على أنصار الله، وقد أثبتت الإدانات الصادرة أن هذه الغاية ليست افتراضًا نظريًا.
رابعًا، إعادة تعريف “الحوثي” في الوعي العام: فأنصار الله يقدّمون عملياتهم بوصفها موجّهة ضد القواعد العسكرية والمنشآت النفطية والأهداف المرتبطة بالحرب، أما الرواية السعودية فتنقلهم من طرف مقاتل في نزاع سياسي وعسكري إلى طرف يهدّد المقدسات. وهو تغيير جوهري في التأطير الإعلامي، وقد أدرك أنصار الله خطورته فركّزوا ردهم على النفي وعلى التأكيد أن أهدافهم بعيدة عن المواقع المقدسة.
خامسًا، رفع كلفة أي هجوم مقبل: فإعلان أن أي هجوم يصل إلى منطقة مكة سيُعدّ تجاوزًا لخط أحمر يؤسس لقاعدة اشتباك سياسية جديدة، ويبعث رسالة غير مباشرة إلى أنصار الله وإيران، وإلى أي دولة قد تدعمهم كالعراق، بأن ثمة مستوى من التصعيد سيقابَل برد مختلف نوعيًا.
سادسًا، التوقيت: فالرواية جاءت والسعودية تحت ضغط عسكري متزايد وفي ظل تراجع الدعم الأمريكي المباشر، فباتت بحاجة إلى سند من أطراف أخرى. وإدخال الحرمين في المعادلة يرفع كلفة الامتناع عن مساعدتها، لأن الرسالة الموجّهة إلى الحلفاء لم تعد “ساعدونا في حرب ضد الحوثيين”، بل “ساعدونا في رفع تهديد يمسّ أمن المقدسات”.
أطّرت السعودية حادثة المسيّرة بوصفها محاولة لاستهداف مكة، فيما نفى أنصار الله هذه النية من أساسها. وبمنظار الحرب الإدراكية، سارت العملية الاتصالية السعودية في خطوات متتابعة: ادّعاء هجوم على المملكة، ثم اعتراض مسيّرة قرب مكة، ثم اعتبارها محاولة لاستهداف المقدّس، ثم استحضار حرمة الحرمين ومشاعر المسلمين، وصولًا إلى تحصيل الغطاء لرد عسكري وطلب الدعم الدولي. وهكذا لا تكون “مكة” في هذه الرواية هدفًا عسكريًا محتملًا، بل أداة لإعادة تأطير الحرب نفسها، ووسيلة للتعبئة النفسية على المستويات السياسية والعسكرية والإدراكية.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




