عاجل | انتصار إيران الاستراتيجي على العدوان الصهيوأمريكي
عاجل | انتصار إيران الاستراتيجي على العدوان الصهيوأمريكي
يعدّ الاتفاق الإيراني–الأمريكي في جوهره، محطة استراتيجية فارقة في المنطقة والعالم، كشفت نتائج واحدة من أخطر جولات الصراع التي شهدتها غربي آسيا خلال العقود الأخيرة، وأثبتت وجود انحدار واسع في الهيمنة الأمريكية. فبعد أشهر من المواجهة العسكرية والاقتصادية والسياسية، التي خاضها دونالد ترامب بهدف إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران بشكل رئيسي، عبر دفعها لاستسلام موهوم، يمكّنه من الهيمنة على البلاد سياسياً واقتصادياً. انتهت الجولة الراهنة بانتصار الجمهورية الإسلامية وحلفائها رغم التضحيات الكبيرة، عبر الصمود الميداني والقدرة على إنزال أشدّ الخسائر العسكرية والاستراتيجية في معسكر العدوان الصهيوأمريكي، فيما وجد الكيان المؤقت نفسه أمام واقع يناقض تماماً ما صرّحه منذ بداية التصعيد، بأنه القوة العظمى في الإقليم، ليعود الى حجمه الطبيعي كوكيل لأمريكا في المنطقة.
فالاتفاق بين إيران وأمريكا، ينص على وقف شامل للعمليات العسكرية في مختلف ساحات المنطقة، خاصةً في لبنان (ضمن إطار تكريس وحدة الساحات)، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، بعد رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية وتخفيف العقوبات النفطية والإفراج التدريجي عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة. كما يؤسس هذا الاتفاق لمسار تفاوضي يمتد 60 يوماً بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي حول الملف النووي، مع إبعاد قضايا الصواريخ الباليستية والتحالفات الإقليمية الإيرانية خارج إطار التفاوض، وهو ما فرضته إيران بالقوة ومخرجات الميدان. وفي جانب متّصل، تكمن أهمية نتائج هذا الاتفاق، في أنها تعكس فشلاً استراتيجياً واضحاً للأهداف التي سعت واشنطن وتل أبيب إلى فرضها منذ اندلاع الصراع. فالمطلب الإسرائيلي والأمريكي المركزي لم يكن مقتصراً على تقييد البرنامج النووي الإيراني، بل كان يتضمن أيضاً تفكيك القدرات الصاروخية الإيرانية، وإضعاف محور المقاومة، وإنهاء النفوذ الإقليمي لطهران، وفرض ترتيبات أمنية جديدة تضمن حرية العمل العسكري الإسرائيلي في المنطقة، وصولاً الى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية. إلا أن مسار الأحداث ونتائج المواجهات العسكرية، انتهت إلى نتيجة معاكسة تماماً.
فإيران لم تُجبر على التخلي عن برنامجها الصاروخي، ولم توافق على إدراج شبكة تحالفاتها الإقليمية على طاولة التفاوض، كما لم تتعهد بتفكيك قدراتها الدفاعية أو التخلي عن أدوات الردع التي راكمتها خلال العقود الماضية. بل إن الاتفاق المطروح يركز أساساً على الملف النووي والعقوبات الاقتصادية، فيما بقيت الملفات التي تعتبرها طهران جزءاً من سيادتها وأمنها القومي خارج أي نقاش. والأكثر دلالة أن الاتفاق لا يتضمن تصفية أو تفكيكاً للبنية النووية الإيرانية، بل يؤجل البحث التفصيلي في هذا الملف إلى مرحلة لاحقة من المفاوضات.
وهذا ما دفع العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية الإسرائيلية إلى التعبير عن غضبها الشديد من المسار الذي انتهت إليه الأحداث. فعضو مجلس الحرب الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت تحدث عن الفجوة الكبيرة بين وعود "النصر المطلق" التي رُفعت خلال الحرب وبين الواقع الذي أفرزه الاتفاق. مشيراً إلى أن المستوطنين الإسرائيليين كانوا ينتظرون إزالة التهديدات النووية والصاروخية وإنهاء معادلات الردع التي فرضتها إيران وحلفاؤها، لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق.
أما نائب رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق يائير غولان فذهب أبعد من ذلك عندما وصف الاتفاق بأنه جرى "خلف ظهر إسرائيل"، زاعماً أن ما تحقق على المستوى العسكري تم تبديده سياسياً بقرار أمريكي أعاد ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الإيراني، وأبقى البنية النووية الإيرانية قائمة، وتجاهل ملف الصواريخ الباليستية بالكامل. معتبراً أن ما جرى يمثل واحدة من أكبر الهزائم الاستراتيجية التي شهدتها إسرائيل منذ تأسيسها.
ولا يقتصر الرفض على المعارضة الإسرائيلية، بل يشمل أركان الحكومة نفسها. فإيتمار بن غفير صرّح رفضه للاتفاق لأنه لا يتضمن تفكيك حزب الله، فيما اعتبر بتسلئيل سموتريتش أن الاتفاق سيئ لإسرائيل وللغرب عموماً، داعياً إلى مواصلة المواجهة مع إيران وعدم الاكتفاء بالتسوية المطروحة. كما وصف بيني غانتس الاتفاق بأنه فشل استراتيجي سيُلزم إسرائيل بخوض صراعات جديدة في السنوات المقبلة.
ويعكس هذا الإجماع النادر بين أطراف المشهد السياسي الإسرائيلي حجم القلق من النتائج التي أفرزتها الحرب. فالمشكلة بالنسبة لتل أبيب لا تكمن فقط في بقاء البرنامج الصاروخي الإيراني، بل أيضاً في أن رفع الحصار الاقتصادي والإفراج عن الأموال المجمدة سيمنح إيران قدرة أكبر على ترميم اقتصادها وتعزيز موقعها الإقليمي.
في المقابل، تبدو الجمهورية الإسلامية في إيران، أكثر ثقة في إدارة المرحلة المقبلة. فبحسب القراءة التي قدمها الدكتور حسن أحمديان، فإن الاتفاق الجديد يختلف جذرياً عن اتفاق عام 2015. ففي حين كانت إيران قد نفذت التزامات واسعة النطاق قبل التشدّد من تنفيذ الطرف الآخر لتعهداته، تقوم الصيغة الجديدة على مبدأ التدرج والتحقق المتبادل. أي أن كل خطوة إيرانية ستكون مرتبطة بخطوة مقابلة من الجانب الأمريكي، ما يمنع تكرار تجربة الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي عام 2015.
وتعد هذه النقطة من أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب الأخيرة، إذ نجحت إيران في تحويل عناصر الضغط التي امتلكتها خلال المواجهة إلى أوراق تفاوضية فعالة. فإغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من تداعيات اقتصادية عالمية، إلى جانب القدرة على تهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، منح طهران هامشاً تفاوضياً أوسع مما كان متاحاً لها في السابق، بل ومكّنها من فرض معادلة ردع إقليمية، تحمي لبنان وتوفّر مظلة حماية موحّدة ضد الاستفراد بساحات جبهة المقاومة.
ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن القول إن الحرب انتهت من دون أن تحقق إسرائيل أهدافها المعلنة. فلا البرنامج النووي تم تفكيكه، ولا الترسانة الصاروخية الإيرانية أُزيلت، ولا محور المقاومة جرى تفكيكه، ولا النفوذ الإقليمي لطهران تراجع. بل على العكس، انتهت الجولة بعودة إيران إلى الأسواق النفطية تدريجياً، وبإفراج متوقع عن مليارات الدولارات من أموالها المحتجزة، وباعتراف أمريكي عملي بضرورة التفاوض معها باعتبارها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
لقد كشفت هذه الجولة أن الصراع لم يعد يُحسم بالتفوق العسكري وحده، بل بصراع الإرادات والقدرة على الصمود وتحويل عناصر القوة الميدانية إلى مكاسب سياسية. وبينما تتحدث الأوساط الإسرائيلية عن "فشل استراتيجي" و"اتفاق سيئ"، تنظر طهران إلى النتائج باعتبارها دليلاً على نجاحها في منع خصومها من فرض شروطهم، وفي انتزاع تسوية تحفظ خطوطها الحمراء الأساسية.
وبذلك، فإن الاتفاق المرتقب لا يمثل نهاية الصراع بين إيران وأمريكا، لكنه يؤشر بوضوح إلى انتهاء هذه الجولة بنتيجة أقرب إلى الرؤية الإيرانية منها إلى الرؤية الإسرائيلية، وإلى انتأوضح المنطقة إلى مرحلة جديدة عنوانها مكانة الجمهورية الإسلامية المؤثّرة بقوة في المنطقة والعالم، والاعتراف بحدود القوة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، وعجزهما عن فرض الشروط التي دخلوا الحرب من أجل تحقيقها.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




