زيارة الشرع إلى الرياض: هل يريد بن سلمان جرّ سوريا إلى العدوان على اليمن؟

لا يمكن عزل زيارة الرئيس المؤقت أحمد الشرع إلى العاصمة السعودية الرياض في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عن حساسية توقيتها وسياقها الإقليمي. فعلى الرغم من أن البيان الرسمي للرئاسة السورية قدّمها في إطار بحث العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي والاستثماري وتبادل وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية، فإن انعقادها بالتزامن مع تصاعد العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، وسعي حكام السعودية الى تفعيل آليات الردع الجماعي ونشر قوات عسكرية في المملكة (أي إغراق غيرهم من الدول الإقليمية في مستنقع الحرب العبثية الذي أوقعوا أنفسهم فيه)، يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز العناوين الدبلوماسية المعلنة.
فالمسألة الأبرز التي تفرض نفسها هنا هي: لماذا تحتاج السعودية، التي أنفقت مئات مليارات الدولارات على شراء الأسلحة وبناء واحد من أكثر الجيوش تسليحاً في المنطقة، إلى البحث عن أدوار عسكرية وأمنية لدى دول أخرى؟ ولماذا تأتي سوريا تحديداً في دائرة الاهتمام السعودي في هذه اللحظة؟
المعطيات التي رافقت الزيارة تشير إلى أن الرياض تنظر إلى دمشق الجديدة بوصفها تمتلك خبرة ميدانية وأمنية يمكن توظيفها في مواجهة حكومة صنعاء وقواتها المسلحة، بعد أن عجز وكلائها المحليين عن فعل ذلك. ومن هنا، لا تبدو فرضية سعي السعودية إلى دفع الشرع نحو تقديم دعم عسكري أو أمني في اليمن بعيدة عن طبيعة الاتصالات التي تجري في المنطقة، حتى وإن لم تعلن الرياض أو دمشق رسمياً عن اتفاق لإرسال قوات سورية.
والأهم أن توقيت الزيارة يأتي بعد اجتماعات شهدته السعودية من أجل تفعيل اتفاق “حلف مكة”، وما تخلله من حديث عن وضع آلية للردع الجماعي ونشر قوات عسكرية في السعودية. وفي ظل استمرار العمليات العسكرية في اليمن، تصبح زيارة الشرع جزءاً من مشهد أوسع تسعى فيه الرياض إلى توسيع دائرة الدول والقوى التي يمكن أن تساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مساعدتها عسكرياً في عدوانها على اليمن.
وهنا تبرز أيضاً، واحدةً من المفارقات الأساسية في السياسة السعودية: فالدولة التي تمتلك إمكانات مالية وعسكرية هائلة، والتي أنفقت طوال العقود الماضية مبالغ ضخمة على منظومات الطيران والدفاع الجوي والصواريخ والأسلحة الأمريكية والغربية بل حتى على الصينية والتركية وغيرهم، تبدو في كل مرة تواجه فيها تحدياً أمنياً كبيراً أكثر ميلاً إلى البحث عن قوات ودول أخرى تتحمل معها أعباء المواجهة.
إنها، في جوهرها، سياسة تقوم على حشد الآخرين عندما يتعلق الأمر بالمصالح السعودية. فالرياض لا تتردد في استخدام ثقلها المالي والسياسي والعلاقات التي بنتها مع دول المنطقة للضغط عليها أو استقطابها إلى اصطفافات تخدم أجندتها. وفي الحالة السورية تحديداً، يمكن أن تدخل الاستثمارات وإعادة الإعمار والمساعدات الاقتصادية والعلاقات السياسية في إطار أدوات الضغط الناعمة التي تستطيع السعودية استخدامها لدفع القيادة السورية نحو مواقف أكثر انسجاماً مع أولوياتها الإقليمية.
وبذلك، قد لا يكون المطلوب من دمشق بالضرورة إعلان دخول مباشر في الحرب اليمنية منذ اللحظة الأولى؛ فقد يبدأ الأمر بتنسيق أمني، أو تبادل معلومات، أو تقديم خبرات، أو دعم لوجستي، قبل أن يتطور، إذا نجحت الضغوط السعودية، إلى أدوار عسكرية أكثر مباشرة. ومن هنا تكتسب زيارة الشرع أهميتها، لأن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما أُعلن خلالها، بل بما إذا كانت الرياض تحاول نقل العلاقة مع دمشق من التعاون السياسي والاقتصادي إلى الشراكة الأمنية والعسكرية.
لكن المفارقة الكبرى تظهر عند مقارنة هذا الحشد السعودي في الملفات التي تخدم مصالح المملكة، بموقفها من القضايا العربية والإسلامية الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين. فعندما يتعلق الأمر بحماية المصالح السعودية ومواجهة خصومها، تستطيع الرياض أن تتحرك دبلوماسياً ومالياً وأن تستدعي دولاً وتطلب قوات وتبني تحالفات، ويقوم ولي عهدها الذي “يُزار ولا يزور” بسفرات خارجية لطلب المساعدة من مصر وغيرها، أما عندما يتعلق الأمر بدعم الشعب الفلسطيني ومقاومته ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فتبدو الأولوية مختلفة تماماً، إذ تتقدم الحسابات السياسية والمصالح والعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والحرص على عدم إغضاب إسرائيل على أي موقف عملي يمكن أن يغيّر موازين القوة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا يُطلب من الدول العربية أن تحشد قواتها عندما يتعلق الأمر بأمن السعودية، بينما لا يُطلب منها الحشد نفسه عندما تكون فلسطين في قلب العدوان والاحتلال؟
وهنا يبرز التحدي أمام سلطة دمشق الجديدة ما إذا كانت ستقبل بهذا المسار، وتحوّل قدراتها البشرية والعسكرية إلى أداة في حرب تخدم حسابات السعودية، أم ستدرك أن الدخول في حرب اليمن قد يفتح عليها جبهة جديدة ويضعها في مواجهة شعب عربي آخر، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى تثبيت أمنها وسيادتها ومعالجة أزماتها الداخلية!!
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




