صحافة

الثورة اليمنية المباركة ’21 سبتمبر’: من بزوغ الفجر إلى فضاء السيادة والاستقلال

الثورة

محطات فارقة في مسيرة التحول اليمني من كسر الوصاية إلى صناعة معادلات الردع والسيادة

في أسرار السجل التاريخي ليمن الإيمان والحكمة، وفي ملحمة الوجود اليمني، ثمة محطات فارقة لا تُقاس بالتقويم اليومي، بل بقدرتها على إحداث الزلازل الاستراتيجية وإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة.

وتقف ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر كواحدة من أكثر العناوين الاستراتيجية تجليًا في تاريخ اليمن الحديث؛ إذ لم تكن مجرد ثورة شعبية أو حراك جماهيري سياقي عابر، بل كانت، وفق الرؤية التي يتبناها أنصارها، ولادة لإرادة شعب قرر استعادة ذاته الحضارية، وكسر أغلال التبعية المقيتة، وبناء معادلات ردع استراتيجية فرضت حضور يمن الأحرار كرقم صعب في المعادلة الإقليمية والدولية.

أولًا: طرد سفارات النفوذ وقطع أيدي الوصاية الخارجية

على مدى عقود طوال، رزح اليمن تحت ثقل وصاية مريرة صادرت قرار السيادة والكرامة؛ حيث كانت التوجيهات المفصلية والمناصب السيادية تُدار، بحسب هذا الطرح، من كواليس ومذكرات السفراء الأجانب في صنعاء، حتى غدا القرار الوطني رهينة لأجندات العواصم الإقليمية والدولية.

وجاءت ثورة 21 سبتمبر لتقتلع جذور تلك المنظومة المتهالكة، وتضع حدًا حاسمًا لحقبة الارتهان والتبعية، عبر مسارات مفصلية، أبرزها:

تفكيك دوائر الهيمنة: إغلاق مكاتب الإشراف الأجنبي وإنهاء الدور المباشر للسفارات النافذة في إدارة الملفات السياسية والأمنية.

استعادة البوصلة الوطنية: تعزيز القرار السيادي المستقل وتأسيسه على مقتضيات المصلحة الوطنية العليا، بعيدًا عن الإملاءات والضغوط.

تحرير الإرادة الاقتصادية: إجهاض الاشتراطات والسياسات الدولية التي كرست ارتهان الثروات اليمنية واستنزافها.

ثانيًا: الملحمة الدفاعية ومواجهة قوى العدوان السعودي والأمريكي والصهيوني

لم يرق لأرباب الوصاية أن يشاهدوا شعبًا يستعيد حريته وقراره، فشنوا عدوانًا شاملًا وحصارًا خانقًا؛ غير أن تلك التحديات تحولت إلى براكين ثائرة في الوجدان اليمني، وإلى وقود للإرادة الصلبة في التصدي والثبات، ومحركات تشغيلية للتصنيع العسكري وبناء قوة الردع الاستراتيجي والميداني.

وقد تجلت هذه المحطة الفارقة في ثلاث استراتيجيات رئيسية:

1- كسر العدوان السعودي وحلفائه وترسيخ معادلة الردع

خاض الجيش اليمني والقوات المسلحة ملحمة دفاعية استثنائية ضد التحالف الإقليمي، حيث استطاعت القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر فرض معادلة «توازن الردع» من خلال:

استهداف شرايين القوة الاقتصادية: دك المنشآت الاقتصادية ومرافق أرامكو في العمق السعودي، ومنها بقيق وخريص ورأس تنورة.

فرض معادلة التهدئة: دفع دول التحالف إلى إيقاف العمليات المباشرة والانخراط في مسارات التهدئة والمفاوضات.

2-المواجهة المباشرة مع التحالف الأمريكي–البريطاني

ومع انتقال الصراع إلى الصدام المباشر مع القوى الغربية الكبرى، التي حاولت حماية المصالح الإسرائيلية وفرض الهيمنة على الملاحة البحرية، برزت محطة جديدة في المواجهة تمثلت في:

تهشيم هيبة الأسطول الأمريكي: التصدي للغارات واستهداف القطع البحرية وحاملات الطائرات والبارجات في البحر الأحمر وباب المندب.

فرض الحضور في المسرح البحري: إثبات أن الجغرافيا اليمنية وممراتها البحرية ليست ساحة مستباحة للأساطيل الأجنبية، وأن الموقع الجغرافي يمكن أن يتحول إلى ورقة قوة في معادلات الصراع.

3- مقارعة العدوان الصهيوني ونصرة فلسطين

وتجلت القيمة العروبية والإسلامية للثورة، وفق خطابها السياسي، في الدخول المباشر على خط المواجهة مع الكيان الصهيوني دعمًا للقضية الفلسطينية ونصرة لغزة، عبر:

اختراق التفوق الإسرائيلي: استهداف مواقع استراتيجية في عمق الكيان، ولا سيما أم الرشراش/إيلات ويافا المحتلة، بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

الحصار البحري: فرض قيود واسعة على الملاحة المرتبطة بالموانئ الإسرائيلية عبر البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي، وما ترتب على ذلك من تداعيات على حركة الملاحة وميناء إيلات.

ثالثًا: من الفاعلية المحلية إلى الريادة الاستراتيجية

تتجسد إحدى أبرز نتائج ثورة 21 سبتمبر، وفق الرؤية التي يقدمها هذا المقال، في تحويل اليمن من دولة هامشية مسلوبة الإرادة إلى لاعب جيوسياسي محوري يمتلك أوراق ضغط في واحدة من أهم مناطق الممرات المائية في العالم.

السيادة على المعابر البحرية: توظيف الموقع الجغرافي اليمني والمياه الإقليمية ومضيق باب المندب باعتبارها عناصر قوة استراتيجية، وتحويلها إلى حائط صد لحماية الأمن القومي.

تجسيد التوجه المبدئي: ربط الأمن القومي اليمني بقضايا الأمة المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ليصبح اليمن، في هذا التصور، صاحب خيار وموقف لا يمكن تجاوز أصداء صوته.

ختامًا

إن ثورة 21 سبتمبر لم تكن، في الوعي السياسي لأنصارها، مجرد صفحة مطوية في التاريخ اليمني، بل هي صيرورة تحول استراتيجي أعادت صياغة مفهوم السيادة والكرامة واستقلال القرار.

لقد أثبتت المحطات الدفاعية الممتدة في مواجهة العدوان السعودي والأمريكي والإسرائيلي، بحسب هذا الخطاب، أن الشعوب التي تعتمد على هويتها، وتصنع قدراتها بيدها، وتمتلك إرادة الصمود، قادرة على صناعة التاريخ وفرض حضورها في معادلات الإقليم، والدفاع عن سيادتها الوطنية في مواجهة الضغوط والتحديات.

وهكذا تظل ثورة 21 سبتمبر، في سرديتها السياسية، محطة فارقة انتقل فيها اليمن من موقع التأثر بالأحداث إلى محاولة صناعة أثرها، ومن انتظار القرار الخارجي إلى التأكيد على حقه في امتلاك قراره، ومن هامش الجغرافيا إلى قلب معادلاتها الاستراتيجية.


المصدر الأصلي: www.alalam.net

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى