«القصف الإعلامي» المركّز: حين تصبح الرواية جزءاً من ميزان القوة
القصف
لم يعد الإعلام في الحروب الحديثة مجرّد وسيلة لنقل ما يجري في الميدان، بل أصبح جزءاً من الميدان نفسه؛ فمن ينجح في تحديد القضايا المؤثرة والأسئلة التي يناقشها الجمهور، وتثبيت المفاهيم التي تُقرأ من خلالها الأحداث، وفرض روايته على الخصم، يستطيع أن يحقق الأثر الذي يتجاوز أحياناً ما تحققه الأدوات العسكرية التقليدية.
المشكلة اليوم في الإعلام المقاوم ليست في امتلاك عدد كبير من المنصات، ولا في ضخ آلاف الأخبار يومياً. المشكلة في كيفية استخدام هذا الكم الهائل من القوة الإعلامية. فهناك فرق بين إعلام كثير وإعلام مؤثر، وبين عشرات المنصات التي تعمل كل منها منفردة، ومنظومة إعلامية تعرف متى ترفع صوتها، وعلى أي قضية، ولمدة كم من الوقت، وما هي القوالب المؤثرة. من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من الإعلام المتفرق العشوائي إلى الإعلام المركّز، ومن ردّ الفعل إلى الفعل والمبادرة، ومن الدفاع والتبرير المستمر إلى القدرة على فرض الأجندة على الخصوم والأعداء.
القصف الإعلامي المركّز… تحويل الكثرة إلى قوة
عندما تبرز قضية سياسية أو أمنية معينة إلى الواجهة قد تنشرها عشرات المؤسسات مرة واحدة، ثم تنتقل في اليوم التالي إلى قضية أخرى. لكن ما هي النتيجة؟ ضجيج كبير، أثر محدود، لأن الرسالة لم تحصل على الوقت الكافي لكي تستقر في وعي الجمهور.
في المقابل، يمكن لمجموعة من المؤسسات والمنصات أن تتعامل مع القضية نفسها باعتبارها معركة إعلامية مشتركة ومحددة، فتقوم بتقديم القضية من زوايا مختلفة خلال فترة زمنية محددة يشارك فيها الجميع. هذا هو ما يمكن تسميته مجازاً “القصف الإعلامي المركّز” على عكس “القصف الإعلامي العشوائي” أو غير المركز، وهذا لا يعني تكراراً آلياً للمعلومة، وإنما تكرار للفكرة المركزية عبر قوالب وأدلة وزوايا مختلفة.
بعبارة ثانية، إن الضخ المتكرر للفكرة ضروري ومهم لكن بقوالب مختلفة وبزمن محدد وشرط ألا يتحول إلى إغراق ممل أو دعائي. فقد أظهرت دراسات في علم الاتصال أن تكرار الرسائل يمكن أن يزيد الإحساس بصدقها ومصداقيتها، بينما يؤدي الإفراط غير المدروس في التكرار إلى نتيجة عكسية ويجعل الجمهور يشعر بأنه أمام محاولة إقناع مباشرة، وهذا يعني أن القوة ليست في التكرار وحده (الإغراق)، بل في التكرار الذكي.
وتؤكد دراسة حديثة في مجال نظريات الاتصال أن التعرض المتكرر للرسائل يمثل عنصراً أساسياً في نظريات مثل وضع الأجندة والتأطير والإقناع، وأن الآثار الإعلامية طويلة المدى ترتبط غالباً بالتعرض المتكرر لرسائل متشابهة عبر الزمن.
إذن، المطلوب ليس أن تقول المنصة الشيء نفسه عشرات المرات، بل أن تجعل الجمهور يلتقي بالفكرة نفسها عشرات مرات من خلال عشرات الطرق، والقوالب المختلفة، والمنصات المتنوعة.
من أهم ما قدمته دراسات الإعلام الحديثة مفهوم وضع الأجندة؛ أي أن الإعلام لا يخبر الجمهور فقط بما يفكر فيه، وإنما يؤثر في القضايا التي يراها الجمهور جديرة بالتفكير والنقاش. وهنا تكمن المشكلة في جزء من الإعلام المقاوم فكثيراً ما يتحول إلى إعلام ردّ فعل ينتظر تصريح الخصم، ثم يرد عليه. ينتظر رواية إسرائيلية أو أميركية، ثم يبدأ بتفنيدها. ينتظر اتهاماً، ثم يبدأ بالدفاع والتبرير. بهذا الأسلوب تصبح أجندة الخصم هي التي تحدد أجندتنا.
أما الإعلام الفاعل، فهو يختار القضية أولاً، يضع الأسئلة، يقدم الوثائق، يحدد زاوية النقاش، ثم يجبر الخصم على الرد.
من الدفاع إلى المبادرة والهجوم
الانتقال من الإعلام الدفاعي إلى الإعلام الهجومي لا يعني الكذب أو التضخيم أو التخلي عن المهنية. بالعكس، الهجوم الإعلامي الأكثر فاعلية هو الذي يستند إلى الحقيقة والوثيقة والدليل.
المقصود بالهجوم هنا هو أن ينتقل الإعلام من موقع المتهم الذي يشرح نفسه باستمرار إلى موقع السائل الذي يطالب الخصم بالإجابة. إذا كان لدى الخصم أزمة سياسية، فلماذا لا تصبح هذه الأزمة موضوعاً رئيسياً في إعلامنا؟
إذا كانت لديه تناقضات، لماذا لا تُجمع في ملف متكامل؟
إذا كان يطرح رواية ضعيفة ومفبركة، لماذا لا نبحث عن الثغرات في روايته بدلاً من الاكتفاء بنفيها؟
هذه هي المبادرة الإعلامية وما يسمى في الاتصال الاستراتيجي المزامنة بين الرسالة والفعل حيث تؤكد الدراسات العسكرية الأميركية أن الاتصال الاستراتيجي يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عندما لا يفهم الجمهور العلاقة بين الكلمات والأفعال، أي أنه لا يكفي أن نقول إننا أقوياء؛ بل يجب أن تكون الرسالة متسقة مع الوقائع التي يراها الجمهور.
الدعوة الى السلام ووقف الحرب ليس ضعفاً!
هنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الخطاب السياسي والإعلامي في محور المقاومة، فالدعوة إلى وقف الحرب أو منع توسعها هو لا شك موقف عقلاني ومسؤول، خصوصاً عندما يكون الهدف حماية المنطقة وشعوبها من حرب واسعة لا تُبقي ولا تذر وهذا ما يريده العدو الأمريكي والاسرائيلي. لكن المشكلة تبدأ عندما ينجح الخصم في إعادة تأطير هذا الموقف وتحويله من “مسعى لمنع الحرب” إلى “خوف من الحرب” وهنا تصبح المعركة إعلامية بامتياز. فالمطلوب ليس التخلي عن خطاب التهدئة أو الدبلوماسية، بل إعادة تعريفه فنحن ندعو إلى السلام لا لأننا نخاف المواجهة، بل لتكون المواجهة بتوقيتنا لا بتوقيت العدو؛ وندعو إلى وقف الحرب لا لأننا عاجزون عن الرد، بل لأننا نرفض أن يحدد الخصم وحده قواعدها. من هنا يرى البعض ان واشنطن وتل أبيب قرأتا دعوات إيران وحلفائها لعدم توسعة الحرب أو وقف الحرب في كافة الجبهات لا سيما لبنان الذي جاء في البند الأول من مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية على انه ضعف وترديد من قبل إيران والمحور، او هكذا أراد العدو ان يفسرها ويقنع الرأي العام فيها.
من هنا، تبرز أهمية وضرورة المبادرة والهجوم السياسي والإعلامي كما في القوة العسكرية حيث أعلنت إيران أنها انتقلت من العقيدة الدفاعية الى العقيدة الهجومية، هذا ينطبق على الاقتصاد أيضأ.
الإعلام المقاوم يحتاج إلى غرفة قيادة للرواية
إن التحديات الكبرى التي تواجه منطقتنا والمرحلة المقبلة وخطورتها تحتاج إلى منظومة إعلامية أكثر تنظيماً، مؤسسات تحتفظ بالسياسات التحريرية الخاصة بها، لكنها تتعاون على القضايا الكبرى؛ تحدد موضوعات مركزية؛ تمنح كل قضية فترة زمنية كافية؛ وتنتقل من ردود الفعل اليومية إلى الفعل وإلى بناء ملفات وروايات طويلة النفس. نعم ليس المطلوب إلغاء التعددية والخصوصية لكل مؤسسة، بل تنظيم القوة الموجودة أصلاً. فالإعلام المتعدد الأصوات يمكن أن يكون أكثر قوة عندما تتعدد القوالب، لا عندما تتبعثر الأولويات. وهكذا تكون المعادلة واضحة: قضية واحدة، أدلة متعددة، منصات متعددة، قوالب متعددة، توقيت مدروس، وضخ متكرر. هذا هو الإعلام الذي يراكم الأثر.
أما الإعلام العشوائي الذي ينشر كل شيء في الوقت نفسه، ثم ينسى كل شيء في اليوم التالي، فهو يشبه إطلاق النار العشوائي في كل الاتجاهات ومجرد صوت مرتفع، لكن أثره محدود.
من هنا، فإن تطوير الإعلام المقاوم لا يعني أن يصبح أكثر صخباً، بل أن يصبح أكثر علماً وتنظيماً ومبادرةً وتركيزاً؛ أن ينتقل من الدفاع عن الرواية إلى صناعة الرواية، ومن انتظار أسئلة الخصم إلى طرح الأسئلة عليه، ومن الإعلام المتفرق إلى الإعلام المركّز الذي يعرف متى يتكلم، وماذا يقول، ولماذا يقول، ومتى يكرر، ومتى ينتقل إلى قضية جديدة.
وعندما يصل الإعلام إلى هذه المرحلة، يصبح جزءاً حقيقياً من ميزان القوة والميدان؛ لأنه يجعل الطرف الآخر مضطراً إلى الاستماع والرد.
دبلوماسية الإعلام: المنصات في غرفة المفاوضات
الإعلام لم يعد منفصلاً عن الدبلوماسية. في الدراسات الأكاديمية، يُستخدم مفهوم «الدبلوماسية الإعلامية» لوصف توظيف وسائل الإعلام في العلاقات الدولية والتفاوض وإدارة النزاعات. ويقدم الباحث إيتان غلبوع ثلاثة نماذج مترابطة: الدبلوماسية العامة للتأثير في الجمهور الخارجي، والدبلوماسية الإعلامية للتواصل مع الأطراف، وتعزيز تسوية النزاعات، وحتى قيام الصحافة أحياناً بأدوار وسيطة في العمليات الدبلوماسية. وهذا يقود إلى قاعدة شديدة الأهمية حيث يتحول الإعلام المؤثر إلى ورقة سياسية. فعندما تصبح حملة إعلامية قادرة على صناعة نقاش عام، وإنتاج كلفة سياسية، وإجبار الخصم على الرد، فإنها تدخل حكماً في حسابات صانع القرار. أما الإعلام الذي لا يترك أثراً، مهما كان حجمه، فلا يمكن ان يتحول إلى ورقة تفاوض. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه ليس: كم مادة نشرنا اليوم؟ بل ما الذي تغيّر بسبب ما نشرناه؟ نعم إن المحتوى الجيد، وحجم الانتشار والوصول للجمهور هما ركنان أساسيان في عمل أي مؤسسة إعلامية لكن الأهم ما هو الأثر والتغيير الذي أحدثه في الجمهور المستهدف.
تنويه من موقع “wakalanews“:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews“، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





