عاجل | حين تبدأ حرب إيران بتقييد ترامب
عاجل | حين تبدأ حرب إيران بتقييد ترامب
لم يعد السؤال في واشنطن: كيف تضرب أميركا إيران؟ بل أصبح أكثر خطورة: كيف تمنع حرب إيران من استنزاف القدرة الأميركية على خوض الحرب التالية؟
هنا تكمن القصة الحقيقية وراء التحقيقات التي فتحها الرئيس دونالد ترامب في تسريب معلومات حساسة عن مخزونات الذخائر داخل البنتاغون. فالتسريب ليس سوى العرض الظاهر لأزمة أعمق تتشكل داخل المؤسسة العسكرية الأميركية: حرب طويلة تستهلك الذخائر، صناعة دفاعية لا تستطيع زيادة إنتاجها بالسرعة نفسها، وخيارات عسكرية تضيق كلما طال أمد المواجهة.
لذلك فإن غضب ترامب من التسريبات لا يتعلق فقط بسرية المعلومات. فالمعلومة عن المخزون العسكري ليست خبراً عادياً؛ إنها جزء من ميزان الردع نفسه. وكل رقم يتسرب عن صاروخ اعتراضي أو ذخيرة بعيدة المدى قد يتحول في حسابات الخصم إلى مؤشر على حدود القوة الأميركية.
لكن المشكلة التي لا تستطيع التحقيقات إخفاءها هي أن المخزون لا ينخفض بسبب الصحافة.
الولايات المتحدة استنزفت خلال السنوات الماضية كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر في دعم أوكرانيا، وفي العمليات العسكرية بالشرق الأوسط، فيما ظلت مطالبة بالاحتفاظ باحتياطات كافية لمواجهة أزمات محتملة في أوروبا وآسيا. ومع دخول إيران إلى قلب المعادلة، أصبح البنتاغون أمام سؤال صعب: كيف تحافظ أميركا على حربها الحالية من دون أن تستهلك قدرتها على ردع الحروب المقبلة؟
وهنا يتحول ملف الذخائر من قضية لوجستية إلى قضية استراتيجية.
فالولايات المتحدة تستطيع إطلاق صواريخ أكثر مما تستطيع معظم دول العالم إنتاجه، لكنها لا تستطيع إعادة بناء مخزون استراتيجي بين ليلة وضحاها. خطوط الإنتاج تحتاج إلى استثمارات، وسلاسل التوريد تحتاج إلى وقت، والعقود تحتاج إلى تمويل وموافقات، وبعض القدرات الصناعية لا يمكن مضاعفتها بقرار رئاسي.
ولهذا تبدو تحركات ترامب لرفع الإنتاج الدفاعي، وطلب موازنة ضخمة تتضمن عشرات المليارات للذخائر، أكثر من مجرد استعداد لحرب إيران. إنها محاولة لإعادة بناء العمق الصناعي للحرب الأميركية قبل أن يصبح الاستنزاف قيداً على القرار السياسي.
لكن الأخطر أن أزمة المخزون تتقاطع مع أزمة الخيارات.
فالجنرال دان كين، وفق التقارير المتداولة، حذّر من أن استمرار الحرب يمكن أن يستهلك كميات كبيرة من الصواريخ الدفاعية والهجومية، فيما تشير التقارير إلى أنه بحث مع كبار مسؤولي الإدارة ضرورة إيجاد «مخرج» من الحرب.
هذه العبارة ليست تفصيلاً عسكرياً.
لأن الحديث عن مخرج يعني أن واشنطن بدأت تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة: ليس فقط ماذا تستطيع أن تدمر في إيران، بل ماذا تستطيع أن تتحمل إذا استمرت الحرب أشهراً أخرى.
القوة الجوية تستطيع إحداث دمار هائل. لكنها لا تضمن وحدها تحقيق استسلام سياسي. واستهداف المزيد من المنشآت الإيرانية قد لا يؤدي إلى إخضاع طهران، بل قد يدفعها إلى توسيع ساحة المواجهة.
وهنا تصبح الطاقة الخليجية، والقواعد الأميركية في المنطقة، وأوروبا، ومضيق هرمز، حلقات في سلسلة واحدة.
إذا هاجمت إيران منشآت الطاقة في الخليج رداً على ضرب بنيتها التحتية، فإن الحرب لن تبقى إيرانية ــ أميركية. وإذا امتدت التهديدات إلى قواعد أميركية في جنوب شرق أوروبا، فإن واشنطن ستواجه مشكلة توسيع الحرب جغرافياً. وإذا استُهدفت كابلات الألياف الضوئية تحت مياه هرمز، فإن طهران تكون قد انتقلت من استهداف الأهداف العسكرية التقليدية إلى محاولة ضرب البنية التحتية التي تحمل الاقتصاد والاتصال العالميين.
وهذا هو السيناريو الذي لا تريده واشنطن.
فالخطر الحقيقي ليس أن تخسر الولايات المتحدة معركة جوية؛ بل أن تنجح إيران في تحويل التفوق العسكري الأميركي إلى عبء استراتيجي مكلف.
ولهذا يصبح هرمز أكثر من مجرد مضيق.
إنه نقطة الاختبار التي تلتقي عندها الحرب والطاقة والتجارة والردع. وأي محاولة لإغلاقه أو تعطيل بنيته التحتية يمكن أن تدفع واشنطن إلى مواجهة لا تستطيع تجاهلها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تجعلها ذريعة لحرب إقليمية مفتوحة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يصبح الخيار الدبلوماسي، حتى بالنسبة إلى إدارة تتحدث بلغة القوة، جزءاً من الاستراتيجية العسكرية نفسها.
ترامب لا يحتاج بالضرورة إلى احتلال إيران كي يعلن انتصاراً. وقد لا يحتاج حتى إلى مواصلة القصف إلى ما لا نهاية. ما يحتاجه هو مخرج يسمح له بتحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي قبل أن يتحول التفوق نفسه إلى استنزاف.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
كلما طال أمد الحرب، ازدادت قدرة الولايات المتحدة على إلحاق الضرر بإيران، لكن ازدادت في الوقت نفسه كلفة المحافظة على هذا التفوق. وكلما ارتفع مستوى التصعيد، ارتفع احتمال أن تفتح طهران جبهات جديدة. وكلما اتسعت الجبهات، ازدادت الحاجة الأميركية إلى الذخائر والقواعد والاحتياطات.
أي أن الانتصار التكتيكي قد يصبح، إذا طال، مشكلة استراتيجية.
لهذا لا ينبغي قراءة التحقيق في تسريبات البنتاغون بمعزل عن البحث عن مخرج من الحرب.
التحقيق يبحث عن صاحب التسريب، لكن واشنطن تبحث في مكان آخر عن صاحب القرار الذي يستطيع تحديد متى تنتهي الحرب.
ترامب يريد أن يبقى صاحب اليد العليا. والجيش يريد الحفاظ على حرية الحركة. والبنتاغون يريد إعادة بناء المخزونات. والحلفاء يريدون منع انتأوضح النار إلى منشآتهم. وإيران تريد أن تجعل كلفة العودة إلى الحرب أعلى من كلفة التفاوض.
وفي قلب هذه المعادلة كلها تقف الذخائر.
فمن يملك الصاروخ يستطيع أن يبدأ الحرب، لكن من يملك القدرة على تعويضه هو الذي يستطيع إطالتها.
وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي لترامب: ليس هل تستطيع أميركا ضرب إيران، فهذا أمر لا يشكك فيه أحد، بل هل تستطيع أميركا تحمّل حرب طويلة مع إيران من دون أن تستنزف القوة التي تحتاجها لمواجهة العالم كله؟
لأن المعركة المقبلة قد لا تُحسم بعدد الصواريخ التي تطلقها واشنطن. قد تُحسم بعدد الصواريخ التي تستطيع إنتاجها قبل أن يضيق هامش قرارها.
وهذا هو السر الذي تخشاه واشنطن أكثر من التسريب نفسه: أن تتحول الترسانة الأميركية من أداة لفرض نهاية الحرب إلى ساعة تعدّ تنازلياً نحو ضرورة إنهائها.
هذا المأوضح يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





