صحافة

الحصار بالحصار: اليمن ينقل الحرب إلى العمق السعودي

منذ بدء العدوان السعودي على اليمن في آذار 2015، امتدت الهجمات إلى استهداف البنية التحتية والمرافق الحيوية، وفرض القيود على حركة الطيران والمنافذ، بما فاقم معاناة اليمنيين وقيّد وصول المساعدات والاحتياجات الأساسية. وعلى امتداد سنوات الحرب، حظيت السعودية بدعم أميركي عسكري واستخباري وتسليحي، استمر بأشكال مختلفة خلال ولاية الرئيس جو بايدن، رغم إعلانه وقف الدعم الأميركي للعمليات الهجومية في اليمن عام 2021.
تعرض خلالها مطار صنعاء الدولي لشتى وجوه الاستهداف. ووفق الأرقام المتداولة استناداً إلى تقارير أممية، شنّ تحالف العدوان السعودي الإماراتي أكثر من 227 غارة على المطار بين آذار 2015 وشباط 2022. وترتب على هذه الهجمات تقييد حركة السفر ومنع حتى الحالات الإنسانية التي تريد السفر للعلاج، بالإضافة إلى تعقيد وصول المساعدات والإمدادات وأبرز مقومات الحياة من ماء وطعام، وتمعن في عزلة اليمنيين عن العالم.
بلغت القيود على الطيران المدني مستويات أخرى مع منع الرحلات ومحاولات عرقلة كسر الحصار الجوي. وفي هذا السياق، أتت محاولة استهداف الرحلة الإيرانية لكسر الحصار عن اليمن، والتي تمكنت من الهبوط بسلام، وعكست إصرار صنعاء على تحدي القيود المفروضة على المجال الجوي اليمني.
أمام هذا المسار، أعلنت أنصار الله معادلة “الحصار بالحصار”، واضعةً حداً لمحاولة إبقاء كلفة الحرب محصورة باليمن. ومفاد هذه المعادلة أن استمرار العدوان وفرض الحصار على الشعب اليمني لن يبقيا من دون كلفة على السعودية، وأن المنشآت الحيوية والمصالح الاقتصادية التي اعتمدت الرياض على حمايتها ستدخل بدورها في حسابات المواجهة.
وانتقل أنصار الله إلى تنفيذ المعادلة بحزم عبر استهداف مواقع حيوية داخل السعودية، شملت المطارات ومنشآت النفط التابعة لشركة أرامكو، في مسعى إلى نقل الضغط إلى القطاعات التي ترتبط بأمن السعودية واقتصادها وصورتها الخارجية. وتكتسب هذه الأهداف أهميتها من موقع السعودية بوصفها مصدّراً رئيسياً للطاقة، ومن اعتمادها على استمرار عمل بنيتها التحتية وحركة النقل والاستثمار من دون اضطرابات أمنية واسعة.
وتظهر التطورات الأخيرة في المطارات السعودية هذا السياق. بعد توقف حركة الملاحة الجوية في مطار الرياض ومطار الملك فهد الدولي بالدمام وتحويل الرحلات وإلغاء ما يقارب 64% من الرحلات، إلى جانب التحذيرات اليمنية المتكررة من أن المجال الجوي السعودي لم يعد آمناً. 
كذلك، فإن التقارير عن انسحاب مسؤولين تنفيذيين في شركات نفط من مؤتمر البترول العالمي المقرر عقده في الرياض، بسبب المخاوف المرتبطة بالهجمات، تفتح باباً للنقاش حول نجاح الضربات التي تنفذها الحركة والأثر الذي يمكن أن يترك في صورة المملكة بوصفها مركزاً للاستثمار والأعمال.
وتجد السعودية نفسها أمام خيارات صعبة. فالتوسع في العمليات العسكرية داخل اليمن يهدد بإعادة فتح حرب استنزاف طويلة ومكلفة، فيما يحمل إرسال قوات برية بأعداد كبيرة مخاطر إضافية في ظل طبيعة الجغرافيا اليمنية وقدرة أنصار الله على مواصلة القتال والتقدم نحو محاور العدو واستعادة النقاط المحتلة. أما تكثيف الغارات الجوية، فلم يضمن طوال سنوات الحرب إنهاء قدرات الحركة أو منعها من تطوير وسائلها الهجومية.
وقد أشار تحليل نشرته شبكة “سي إن إن” إلى محدودية الخيارات المتاحة أمام القيادة السعودية بعد تصاعد ضربات أنصار الله، وإلى أن البنية التحتية الممتدة على مساحة المملكة تجعل حمايتها تحدياً كبيراً أمام الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، حتى مع امتلاك الرياض منظومات دفاع جوي متطورة. كما تناول حاجة السعودية إلى دعم أميركي أكبر في مجال الاستخبارات والقدرات الجوية.
وتكشف مساعي الرياض للحصول على دعم خارجي إضافي عن جانب آخر من المعادلة. فبعد سنوات من الحرب، لا تزال السعودية تحتاج إلى تعزيز قدرتها على مواجهة تهديدات مصدرها اليمن، فيما لا تضمن العودة إلى التصعيد العسكري تحقيق نتيجة حاسمة. ويضع ذلك القيادة السعودية أمام معضلة.
في المقابل، تراهن أنصار الله على أن نقل المواجهة إلى العمق السعودي سيجعل استمرار العدوان أكثر كلفة على الرياض، ويدفعها إلى إعادة حساباتها. فمعادلة “الحصار بالحصار” تستهدف كسر التفاوت في توزيع أعباء الحرب، بعدما تحمّل اليمنيون القسم الأكبر من الخسائر الإنسانية والاقتصادية على مدى سنوات. بالإضافة إلى قدرة أنصار الله على إبقاء المنشآت الحيوية السعودية ضمن دائرة المخاطر.
بعد أكثر من عقد على بدء العدوان، لم تتمكن الحرب من إنهاء قدرات أنصار الله أو فرض واقع مستقر وفق الشروط السعودية. واليوم، تحاول صنعاء فرض معادلتها حيث لن يكون أمن المنشآت والمصالح السعودية منفصلاً عن مسار الحرب.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى