صحافة

الانخراط الخليجي في الحرب على إيران: من محاولة النأي إلى الانخراط الأمني المباشر

شكّل اندلاع العدوان الأمريكي – الصهيوني على إيران في 28 شباط اختبارًا استراتيجيًا معقّدًا لدول مجلس التعاون الخليجي، إذ وجدت نفسها بين التزاماتها الأمنية والعسكرية تجاه الولايات المتحدة، وما يترتب عليها من استضافة قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية ذات أهمية عملياتية، وبين مسار موازٍ سعت خلال السنوات السابقة إلى ترسيخه عبر خفض التوتر مع الجمهورية الإسلامية وتوسيع قنوات الاتصال معها؛ فقد أعادت السعودية في آذار 2023 علاقاتها الدبلوماسية مع طهران بوساطة صينية، فيما حافظت الإمارات وقطر وعُمان على قنوات للحوار في محاولة للحد من احتمالات التصعيد. غير أن اندلاع الحرب كشف أن ارتباط دول الخليج العسكري بواشنطن، ووجود قوات ومنشآت أمريكية على أراضيها، حدّا من قدرتها على الفصل بين الشراكة الأمنية وتداعيات الصراع، إذ تحوّل الوجود العسكري الأمريكي، الذي طالما شكّل أحد مرتكزات الردع والحماية الخليجية، إلى عامل يزيد من تعرّض هذه الدول لمخاطر الاستهداف.

اتسم الموقف الخليجي منذ اللحظة الأولى بالجمع بين إتاحة استخدام الأراضي والقواعد والأجواء في العمليات العسكرية الأمريكية من جهة، والسعي إلى تجنّب الانخراط المباشر في المواجهة من جهة أخرى، من دون أن تتخذ دول المجلس موقفًا موحّدًا من حدود هذا الاستخدام، فقد أتاح بعضها لواشنطن ترتيبات وصول وتمركز وتحليق ودعم عملياتي بدرجات متفاوتة، فيما وضعت دول أخرى قيودًا على استخدام أراضيها في العمليات الهجومية. غير أن هذا الفصل بين توفير المجال للعمليات الأمريكية وتجنّب كلفة الحرب أثبت محدوديته عمليًا، إذ إن فتح القواعد والأجواء أمام النشاط العسكري الأمريكي جعل هذه الدول جزءًا من البيئة العملياتية للمواجهة، وعرّضها بالتالي لاستهداف إيراني بوصفها مواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي. ومع امتداد الهجمات إلى القواعد والمنشآت في البحرين والكويت وقطر وغيرها، بات الوجود العسكري الأمريكي عاملًا يربط أمن هذه الدول مباشرة بمسار المواجهة، ويحد من قدرتها على عزل أراضيها ومصالحها عن نتائجها.

شكّل الرد الإيراني على دول الخليج نقطة التحوّل الأساسية في الخطاب والقرار الخليجيين. ففي 2 آذار، أصدرت الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن بيانًا مشتركًا أدان الهجمات الإيرانية على أراضٍ سيادية لم تكن منخرطة في الأعمال القتالية، وأعاد تأكيد الحق في الدفاع عن النفس. وتكرّس هذا الإطار في البيان الخليجي – العربي الصادر في 25 آذار، الذي وصف الهجمات الإيرانية بأنها انتهاك للسيادة وسلامة الأراضي، مستندًا إلى الحق “الكامل والأصيل” في الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وبهذا، انتقلت الحرب في الخطاب الرسمي الخليجي من كونها مواجهة أمريكية – إيرانية بحتة إلى قضية سيادة وأمن إقليمي، لتجد دول الخليج نفسها أمام انخراط أمني ودفاعي نتج عن التفاعل بين تحالفها العسكري مع واشنطن والرد الإيراني على هذا الوجود، لا عن خيار مستقل اتخذته هذه الدول بمعزل عن التزاماتها تجاه الولايات المتحدة.

ويمكن ملاحظة خمسة مستويات مترابطة شكّلت التبرير السياسي الخليجي لهذا الانخراط: الدفاع عن السيادة، كما ظهر في الموقف الكويتي الذي وصف الهجمات بأنها انتهاك لسيادة الكويت ودول المجلس، والاحتكام إلى القانون الدولي عبر المادة 51 وقرار مجلس الأمن 2817 الذي أدان الهجمات الإيرانية، وتوسيع مفهوم الأمن الجماعي ليشمل التهديدات غير المباشرة الصادرة عن جماعات مرتبطة بإيران، وحماية المصالح الوطنية المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة في مضيق هرمز، وأخيرًا ارتفاع الكلفة المباشرة للحرب مع تضرر البنية التحتية للطاقة ومراكز النقل والمنشآت العسكرية في عدد من دول المجلس. وقد ترافقت هذه المسارات مع سلسلة من الحوادث الميدانية، من اعتراض السعودية صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت قاعدة الأمير سلطان وحقل الشيبة، إلى إعلان قطر والإمارات والبحرين تصديها لهجمات مماثلة، وصولًا إلى ما كشفته تقارير صحفية عن مشاركة طائرات بحرينية وكويتية في ضربات داخل الأراضي الإيرانية، في مؤشر على تصاعد تدريجي في طبيعة الانخراط الخليجي تجاوز حدود الدفاع السلبي.

غير أن هذا المسار يكشف في جوهره قصورًا في التقدير الأمني والاستراتيجي الخليجي، تمثّل أولًا في الافتراض الخاطئ بإمكان الفصل بين استضافة القوات الأمريكية والحفاظ على مسافة عملياتية عن الحرب، إذ أظهرت المواجهة أن وجود هذه المنشآت يجعل الدول المضيفة جزءًا من البيئة العملياتية بصرف النظر عن موقفها السياسي المعلن. وثانيًا، في المبالغة في تقدير قدرة المظلة الأمنية الأمريكية على منع انتقال الحرب إلى الخليج، بينما أظهرت الوقائع أن كثافة الاعتماد العملياتي على القواعد الأمريكية زادت من قيمتها كأهداف للخصم بدل أن تحصّنها. وثالثًا، في اتساع نطاق التهديد ليشمل قطاعات الطاقة والملاحة والبنية التحتية، بما تجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة. ورابعًا، في محدودية القدرة على احتواء مسار التصعيد وكلفته، إذ إن امتلاك قدرات دفاعية متقدمة لم يمنح دول الخليج القدرة على التحكم في حلقات الفعل ورد الفعل المتتالية.

ويمكن ردّ هذا القصور جزئيًا إلى مجموعة من التحيزات المعرفية التي أثّرت في صياغة القرار، من دون أن تكون تفسيرًا وحيدًا له، إذ تتداخل معها اعتبارات المصالح وبنى التحالفات والمعلومات الاستخبارية. فتحيّز التفاؤل دفع إلى المبالغة في احتمال بقاء الحرب محدودة الأثر؛ وتحيّز التأكيد جعل كل هجوم إيراني على القواعد الأمريكية دليلًا إضافيًا على اتساع التهديد، من دون اختبار فرضية أن التموضع العسكري الأمريكي نفسه هو ما يرفع منسوب الانكشاف الخليجي؛ وتحيّز الإسناد اختزل التصعيد في سلوك إيراني منفرد متجاهلًا السياق العملياتي الذي يربط استهداف القواعد الأمريكية بالرد على العمليات الموجهة ضد طهران؛ ووهم السيطرة أوهم صناع القرار بأن امتلاك أدوات الردع والاعتراض يكفي لضبط مسار التصعيد؛ فيما رسّخ تحيّز الإتاحة تركيز الانتباه على الأضرار المباشرة والظاهرة على حساب المخاطر الاستراتيجية الأبعد أمدًا، كتآكل الردع وتعمّق الاعتماد على طرف خارجي.

في المحصلة، يُظهر الانخراط الخليجي في هذه الحرب أن الارتباط العسكري بالولايات المتحدة لم يكن قابلًا للفصل عن تداعيات المواجهة؛ فإتاحة القواعد والأجواء للعمليات الأمريكية جعلت المجال الخليجي جزءًا من بيئة الحرب العملياتية، قبل أن يعيد انتقال الهجمات إلى الأراضي الخليجية تعريف المواجهة بوصفها قضية سيادة وأمن ومصالح وطنية. وفي حين أظهرت القدرات الدفاعية الخليجية فاعلية نسبية في الحد من الأضرار، فإنها لم تمنح هذه الدول القدرة على منع انتقال الحرب إليها أو التحكم الكامل بكلفتها. ويبقى جوهر المعضلة الاستراتيجية الخليجية قائمًا في إعادة تقييم العلاقة بين التحالف العسكري ودرجة الانكشاف الأمني الناتجة عنه، وفي مدى إمكان تحييد المجال الخليجي فعليًا عن تداعيات أي مواجهة إقليمية مقبلة تتجاوز حدود الدولتين المتحاربتين.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى