نقاط التحوّل العالمية تقود العالم إلى الفوضى
يشير مؤسس موقع ” Forum Geopolitica”، بيتر هانسلر، في هذا المقال الذي ترجمه موقع الخنادق الالكتروني، إلا أن العالم حالياً لا يشهد نقطة تحوّل واحدة، بل نقاط تحوّل عديدة تحدث في آنٍ واحد. مضيفاً بأن العالم يعيش حالة من الانتروبيا (التشوّش/الفوضى). مقدّماً تحليلاً لوضع وصفه بأنه “لم يعد من الممكن فيه إجراء تنبؤات”. إلّا أنه يشدّد بأن زمام السلطة لا ينتقل داخل الغرب، بل هناك تحوّل في موازين القوة باتجاه الشرق و”الجنوب العالمي”.
النص المترجم:
شهد التاريخ العديد من نقاط التحوّل؛ ولذكر بضعة أمثلة:
_صلح وستفاليا عام 1648.
_الثورة الفرنسية عام 1789.
_مؤتمر فيينا عام 1815.
_الحرب العالمية الأولى عام 1918.
_الحرب العالمية الثانية عام 1945.
أدت العديد من نقاط التحوّل هذه إلى تغيّرات في موازين القوى في أوروبا. وكانت هذه في الأساس عمليات انتقال للسلطة داخل العالم الذي نطلق عليه اليوم اسم “الغرب الجماعي”. ومن الأمثلة على ذلك انهيار الإمبراطورية الألمانية، والإمبراطورية النمساوية المجرية، والإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية القيصرية الروسية في نهاية الحرب العالمية الأولى.
كانت هذه التحولات في موازين القوى مهمة، لكن ما يحدث الآن لا يمكن مقارنته بنقاط التحوّل السابقة، لأنها تشمل العالم بأسره. فزمام السلطة لا ينتقل داخل الغرب، بل هناك تحوّل في موازين القوة باتجاه الشرق و”الجنوب العالمي”.
من نقطة التحوّل إلى الانتروبيا (التشوّش/الفوضى)
إن حجم الأزمات الجيوسياسية الحالية، وعدد الدول المشاركة فيها، ونطاقها الجغرافي، والسرعة التي تتطور بها، أمور مذهلة حقًا.
أوكرانيا كساحة حرب للولايات المتحدة وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي وروسيا
روسيا ستنتصر عسكريًا
عند النظر إلى التقارير العسكرية الواردة من الخطوط الأمامية، يصبح من الواضح، لأي مراقب أن روسيا ستحقق أهدافها العسكرية. ولو تم التوصل إلى اتفاق سلام بنجاح في ربيع عام 2022، لربما تخلّت روسيا عن دونباس وخيرسون وزابوريجيا. إلا أن مثل هذا الاتفاق غير واقعي في الظروف الحالية، لأن دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون أصبحت أجزاءً من الاتحاد الروسي منذ أيلول/ سبتمبر 2022.
ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيصل التقدم العسكري الروسي. وقد تناولتُ هذا الأمر في مقالي “مات سلام الصيف”، وأحيل القارئ إليه. أما بالنسبة إلى الوضع على الخطوط الأمامية، فأحيل مرة أخرى إلى قناة Military Summary ؛ فقد تابعت هذه القناة لما يقرب من 5 سنوات، وهي، بحسب رأيي، تقدم تقارير موضوعية.
وضع التعبئة الكارثي في أوكرانيا
هناك آلاف المقاطع المصورة التي تُظهر، شبانًا تتم ملاحقتهم في الشوارع في أنحاء أوكرانيا، كما لو كانوا حيوانات، بهدف تجنيدهم قسرًا. ومؤخرًا، انتشرت أيضًا مقاطع تُظهر بعض الذين جرى تجنيدهم قسرًا وهم يُنقلون إلى الخطوط الأمامية من دون زي عسكري، بل وحتى وهم مكبّلون بالأصفاد مثل المجرمين، لمنعهم من الهرب.
وأترك للقراء التفكير في مدى الفعالية القتالية التي يمكن أن يتمتع بها هؤلاء الرجال في مواجهة جنود روس اكتسبوا خبرة طويلة في القتال ويتمتعون بالدافع.
Armed guards transport mobilized Ukrainian men to frontline in order to prevent them from deserting. This is described as normal by the Ukrainian officer. Videos also show them in handcuffs. Zelensky & Western politicians call this freedom & democracy. https://t.co/f6AGyuMpRX
— Ivan Katchanovski (@I_Katchanovski) September 22, 2026
أما أحدث خطوة اتخذتها القيادة العسكرية الأوكرانية، فهي التجنيد الإجباري للنساء. وفي ظل هذا الوضع، ليس من المستغرب، أن يكون سكوت ريتر قد صرّح بأن الأوكرانيين يخسرون جنودًا بمعدل يفوق الخسائر الروسية بـ 30 مرة. والغرب لا يسمع شيئًا عن هذه المعاملة “اللاإنسانية” للجنود الأوكرانيين من جانب بلدهم.
ويُقال إن متطوعين أوكرانيين، اختفوا لاحقًا من دون أثر، استخدموا الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي لإحصاء عدد قبور الجنود في أنحاء أوكرانيا. وقد أحصوا، 2,000,054 قبرًا. ويُضاف إلى ذلك القتلى الذين دفنهم ذووهم في مقابر جماعية، فضلًا عن الجرحى؛ وبالتالي، فإن خسائر أوكرانيا تبدو بالفعل فلكية.
ومع ذلك، يزعم زيلينسكي أن 50 ألف جندي أوكراني فقط قُتلوا. قبل بضعة أسابيع، حضرتُ جنازة في روسيا. ويمكن بسهولة تمييز قبور الجنود من خلال العلم الروسي وعلم الوحدة التي كان الجندي القتيل ينتمي إليها. كانت هناك قبور لجنود، لكن لم يكن هناك بحر من الأعلام كما هو الحال في أوكرانيا.
Ukrainian volunteers, who later disappeared without a trace, reportedly used drones and artificial intelligence to count military graves across Ukraine. Their estimate was 2,000,054 graves. Yet Zelensky claims that only 50,000 Ukrainian soldiers have been killed. Does that mean https://t.co/LeplE4H3n6
— Patricia (@Patriciagouree) September 1, 2026
الانتصار العسكري لا يحل المشكلة الجيوسياسية لروسيا
مهما كان ما تحتاج روسيا إلى تحقيقه عسكريًا، فإنها ستحققه؛ لكن ذلك لا يحل مشكلتها الجيوسياسية على حدودها الغربية، لأن الهدف ليس الحصول على أراضٍ جديدة، بل تحقيق السلام في الغرب؛ وهو هدف تسعى إليه روسيا حرفيًا منذ قرون ولم تتمكن من تحقيقه قط.
مرارًا وتكرارًا، تعرضت روسيا لهجمات من الغرب، ودَفعت بانتظام ثمنًا باهظًا من الدماء والمال والقدرة الصناعية؛ إذ جرى توجيه هذه الموارد إلى الإنفاق العسكري بدلًا من الأغراض المدنية. ونتيجة لذلك، تراجع التطور الاجتماعي في روسيا مرارًا.
إذا أرادت روسيا أن تواكب القوى الكبرى بصورة مستدامة من حيث اقتصادها المدني، فإن تأمين حدودها الغربية بصورة موثوقة يُعد شرطًا أساسيًا. وعلى الرغم من أن روسيا هي الدولة الصناعية الوحيدة في العالم المكتفية ذاتيًا، وبالتالي القادرة على خوض حرب تستمر لعقود، فإن مثل هذه المواجهة ستعيق بشدة تحقيق البلاد لأهدافها التنموية الفعلية.
افتقار الولايات المتحدة إلى المصداقية في المفاوضات مع روسيا
إن افتقار الولايات المتحدة إلى المصداقية في نظر روسيا متعدد الجوانب. ففي 15 سبتمبر/أيلول، قال وزير الخارجية سيرغي لافروف، حرفيًا:
“لو لم يتراجع الأمريكيون عن اتفاقات أنكوريغ، ولو لم تسحبهم أوروبا بعيدًا عن تلك الاتفاقات، لكنا نعيش من دون حرب منذ عام الآن”.
سيرغي لافروف، 15 أيلول/سبتمبر 2026
وبموجب هذا الاتفاق، كانت روسيا ستقدم تنازلات كبيرة. وكانت ستحتفظ بدونباس، وتجمّد الصراع في زابوريجيا وخيرسون، وتتخلى عن أراضٍ إضافية.
ومن الناحية الموضوعية، كان ذلك اتفاقًا سيئًا بالنسبة إلى روسيا، لكنه أظهر استعداد الروس لتقديم تنازلات كبيرة. فقد افترض الروس أن هذا الاتفاق الشفهي ملزم باعتباره “اتفاق شرف”. غير أن اتفاقات الشرف لا تُعقد إلا مع “النبلاء” أو أصحاب المروءة، وقد أثبت الأمريكيون للروس عكس ذلك.
يشعر الروس بالاستياء إزاء هذه الواقعة، واضطروا للإقرار بأنه لا يمكن إبرام أي اتفاقات مع الحكومة الأمريكية. وشخصياً، يثير استغرابي أن هذا الإدراك جاء متأخراً للغاية؛ فحتى الاتفاقيات المكتوبة مع الحكومة الأمريكية لا يمكن الوثوق بها، وهو ما تجلى بوضوح في نقض مذكرة التفاهم التي وقعها الأمريكيون مع إيران في شهر حزيران/يونيو. وعليه، لا بد من استنتاج مفاده أن هذا الصراع -أو أي صراع تشارك فيه الولايات المتحدة بشكل مباشر أو غير مباشر- يجب أن يُخاض حتى النهاية المريرة؛ إنه درس قاسٍ لكل طرف يتعاقد مع الولايات المتحدة.
خطر التصعيد كبير
تحاول أوكرانيا بشدة جرّ حلف الناتو رسميًا إلى هذا الصراع العسكري. ومن المذهل أن الدول الأوروبية — وعلى رأسها ألمانيا والمملكة المتحدة — لا تكتفي بإبداء استعدادها لذلك، بل تقوم فعليًا بكل ما في وسعها لإعداد شعوبها لحرب مع روسيا.
وبدلًا من ذكر العديد من الأشخاص، سنستخدم السير جاكوب ريس-موغ — الوزير السابق في الحكومة وعضو البرلمان عن شمال شرق سومرست — مثالًا على ذلك. ففي هذا المقتطف من مقابلة، يقارن الوضع مع روسيا — من دون أن يسميها — بالأوضاع التي سادت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية:
European leaders are currently pivoting from “this is not our war” to “it’s your duty to die in a war with Russia.” https://t.co/h2M0CBpk0g
— Glenn Diesen (@Glenn_Diesen) September 21, 2026
وهكذا، يجري استدعاء الشباب إلى الخدمة العسكرية والاستعداد للحرب ضد روسيا. وفي ألمانيا، فشلت هذه الجهود فشلًا ذريعًا. فمن بين أكثر من 300 ألف شاب ألماني شملهم الاستطلاع، تطوع 0.17% فقط للخدمة في الجيش الألماني (البوندسفير). وعلاوة على ذلك، تبيّن قبل بضعة أيام أن الجيش الألماني نفسه لم يتمكن حتى من العثور على 5,000 متطوع لكتيبة في لاتفيا.
من غير المفهوم ما الذي تفعله هذه الدول الأوروبية، بخلاف نشر الدعاية. وحتى مجتمعةً، لا تمتلك الدول الأوروبية قوات عسكرية تمنحها أدنى فرصة لمواجهة القوات المسلحة الروسية. والروس ليسوا منبهرين على الإطلاق بهذه المهزلة في أوروبا، بل يشعرون بالاشمئزاز منها. وأفترض أن هذه الدعاية الحربية في أوروبا لا تخدم سوى إدامة الرواية المعادية لروسيا.
لقد أكد كل من الرئيس بوتين ووزير الخارجية لافروف مرارًا أنهما لا يهتمان بمهاجمة أهداف تابعة لحلف الناتو خارج أوكرانيا. لكن إذا كانت الدول الأوروبية من الحماقة بحيث ترسل حتى وحدات عسكرية أوروبية صغيرة إلى أوكرانيا، فقد يتغير الوضع بصورة مفاجئة.
أكبر خطر للتصعيد في الوقت الراهن هو أن الأوروبيين، على الأرجح بالتعاون مع الأمريكيين، يخططون لهجوم راية كاذبة في أوروبا بهدف إثارة المادة الخامسة من ميثاق الناتو بطريقة ما. ووفقًا للمحلل الجيوسياسي وارن ثورنتون، فإن الاستعدادات لهجمات الراية الكاذبة تجري على قدم وساق. وهو يكتب على منصة:
THE FALSE FLAG These are the areas that are the targets. The Mallorca airport in Spain. The Sorrento Continental Hotel in Italy. The Promenade De Anglais, Nice. The area to be launched from west of Sardinia. The agencies involved CIA, French Naval Intelligence Services and the Ukrainian SBU. The method 3 Gerbera Drones recovered from Russian attacks. To kill civilians and trigger European entry into the war. Further details on our news show now. We have five independent sources. Two French Naval Intelligence staff. Two Spanish Embassy staff. One Ukrainian SBU member. We stand by our story 100%. #USA #CIA #SBU #FNI #France #Spain #Italy #drones #FalseFlag #news #newsupdate #newsupdates
— WARRENTHORNTON.COM (@WARRENTSHOW) September 24, 2026
لا أستطيع القول ما إذا كانت هذه النظرية صحيحة، لكن من غير المستبعد إطلاقًا، أن يحاول الأوروبيون القيام بشيء فاضح إلى هذا الحد.
الحملات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ عام 2001
عند النظر إلى السنوات الـ 25 الماضية، سعت الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقًا لعقيدة وولفويتز منذ عام 2001. ولم تنجح أي من الحروب التي شنتها الولايات المتحدة خلال هذه الفترة — أفغانستان، العراق، ليبيا، سوريا، اليمن، الصومال، وغيرها. بل كان واضحًا منذ ذلك الوقت أن القوة المهيمنة تفتقر إلى الموارد والاستراتيجية العسكرية والقوة والمصداقية اللازمة للتحرك بنجاح.
لكن إذا كان الرأي هو أن الهدف الحقيقي كان زعزعة الاستقرار وإحداث الفوضى، فإنها نجحت نجاحًا هائلًا. ومع ذلك، عادت الولايات المتحدة إلى الخطة بالتعاون مع إسرائيل، على ما يبدو بعد أن نجحت إسرائيل في تقويض السياسة الأمريكية بالكامل.
إسرائيل: الإبادة الجماعية و”إسرائيل الكبرى”
أُعطيت إشارة الانطلاق الفورية لمشروعي “الإبادة الجماعية” و”إسرائيل الكبرى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما جرى تحويل عملية عسكرية نفذتها حماس إلى هجوم راية كاذبة لتبرير الإبادة الجماعية ضد النساء والأطفال وغيرهم من المدنيين في غزة، ولاحقًا في الضفة الغربية ولبنان.
وقد شكّل ذلك بدوره إشارة الانطلاق لاستمرار مشروع إسرائيل الكبرى؛ إذ تعرضت سوريا ولبنان في البداية للهجوم. ورغم أن الإعلام الغربي لا يكتفي بالتقليل من شأن ممارسات إسرائيل الإمبريالية وتلك التي تنطوي على إبادة جماعية، بل يدعمها ويؤججها بالكامل -بما في ذلك عبر وسائل إعلام سويسرا التي تتظاهر بالحياد- إلا أن إسرائيل باتت تواجه انتقادات متزايدة من الرأي العام في العالم الغربي. فوفقاً لمركز “بيو” للأبحاث، ينظر 60% من الأمريكيين إلى إسرائيل نظرة سلبية؛ وبذلك، فإن ما تنقله وسائل الإعلام الغربية يعكس صورةً لا تجد لها صدىً لدى عامة الناس.
وعندما اعتلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنصة لإلقاء كلمته أمام الجلسة العامة يوم الخميس، غادر مندوبو الجمعية العامة للأمم المتحدة القاعة بأعداد كبيرة.
NEW ???? UN General Assembly delegates stage a mass walkout as Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu takes the podium to address the hall https://t.co/EcTpBBvjjM
— Voice of Rabbis (@voiceofrabbis) September 24, 2026
ووصف نتنياهو هذه الوفود بأنها “جبناء أخلاقيًا” — أي إن الإبادة الجماعية تحتاج إلى الشجاعة — ولا أجد كلمات للتعليق على ذلك.
وتُظهر إحدى الصور المثيرة للاهتمام قاعة الجلسة العامة أثناء خطابي نتنياهو وبيزشكيان.
Humanity stands with Iran. https://t.co/duiokZWBoP
— Jackson Hinkle ???????? (@jacksonhinkle) September 25, 2026
من المهم بالنسبة إليّ أن أذكّر قرائي الغربيين باستمرار بما يحدث فعلًا في غزة أمام أعيننا مباشرة — أعين يختار كثيرون أن يغلقوها.
تصعيد كبير في الشرق الأوسط — فقدان السيطرة
ابتداءً من شباط/فبراير 2026، بدأت الأحداث تتسارع أكثر فأكثر. ومنذ ذلك الحين، سارت الأمور، على نحو سيئ للغرب وإسرائيل في الشرق الأوسط. لقد انتزع الجنوب العالمي المبادرة من الغرب بالفعل. وفي حين اقتصرت إيران في البداية على الرد على العدوان الأمريكي-الإسرائيلي، أصبح الإيرانيون وحركة أنصار الله اليمنية الآن هم الذين يحددون وتيرة الأحداث.
تمكنت أنصار الله من بسط سيطرتها على الساحل الغربي بأكمله لليمن خلال فترة قصيرة جدًا، وبالتالي باتت تسيطر ليس فقط على مضيق باب المندب، بل أيضًا على جزيرة بريم (ميون) قبالة الساحل. ومع غياب أي تغطية تقريبًا من وسائل الإعلام الغربية، يستمر التقدم، ومن المحتمل جدًا، أن يتم الاستيلاء على عدن قريبًا.
علاوة على ذلك، تعطّل خط الأنابيب السعودي الذي يربط الشرق بالغرب، وتعرضت أهداف بالقرب من الرياض لهجمات. وحتى الآن، لم يتمكن السعوديون من شن رد عسكري جاد على هذا الهجوم واسع النطاق، إذ يبدو أنهم غير قادرين على القيام بذلك بمفردهم، كما أن مناشداتهم المتكررة لترامب وآخرين لتقديم المساعدة باءت بالفشل.
ويبدو أن تحالف مكة، الذي يجمع باكستان والسعودية وتركيا في تحالف عسكري، أصبح أيضًا شيئًا من الماضي، إذ رفض حتى هؤلاء “الأصدقاء” تقديم المساعدة.
لن يُغيّر إعلان الرئيس ماكرون الكبير عن عزمه إرسال قوات إلى المملكة العربية السعودية شيئاً من هذا الواقع؛ فالمملكة تحمل اسم “السعودية” لأنها خاضعة لحكم عائلة — أو بالأحرى قبيلة — هي آل سعود، وهي قبيلة تحظى بالحماية الأمريكية. ومع ذلك، توجد في المملكة قرابة 100 قبيلة أخرى، ومن الوارد جداً أن تتحالف هذه القبائل مع حركة “أنصار الله” وتُطيح بحكم آل سعود. لقد نضبت موارد آل سعود المالية، وبدا أنهم عاجزون عن مواصلة سياسة شراء الولاءات — التي انتهجوها حتى الآن — تجاه كل من قد يشكل تهديداً لهم. ثمة احتمال لانهيار “بيت آل سعود” الهش كبيت من ورق، وإذا ما حدث ذلك، فلن أراهن ولو بفلس واحد على بقاء دول الخليج الأخرى.
وأشار أليستر كروك أيضاً في مناسبات عدة إلى أن هذه الديناميكية قد تمتد لتشمل العراق، تلك الحضارة الضاربة في القدم -مثل إيران- والتي تعود لآلاف السنين. وإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن تسقط الكويت أيضاً. كما يمكن رصد صراع آخر يختمر في الأردن؛ لذا فمن الوارد جداً أن تنهار البنية الكاملة للشرق الأوسط -التي أرسى البريطانيون دعائمها قبل نحو قرن من الزمان- في غضون بضعة أشهر، ودون أن يتمكن الأمريكيون بأي حال من الأحوال من إيقاف هذا “التسونامي”. ستؤول الجزيرة العربية للعرب، وبلاد فارس للفرس، وسيخرج الأمريكيون منها نهائياً. وفي حال حدوث ذلك، ستتحول إسرائيل من طرفٍ مُعتدٍ إلى هدف؛ إذ لا يمكن بأي حال اعتبارها ضحية في هذا السياق. أما كيفية تعامل القوى العظمى الصاعدة في الشرق الأوسط مع الصهاينة مرتكبي الإبادة الجماعية، فينبغي أن تُترك لأولئك الذين تكبدوا أفدح الخسائر، فالفلسطينيون عرب.
أوروبا
تطل الفوضى مرة أخرى برأسها في أوروبا. وألمانيا هي الدولة الأولى — التي كانت في السابق أكبر دولة مصدرة في العالم والقوة الكبرى في الاتحاد الأوروبي — المهددة بأن تصبح غير قابلة للحكم سياسيًا.
حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، الذي تصفه الأحزاب التي كانت مهيمنة سابقًا بأنه حزب من اليمين المتطرف وشبيه بهتلر، والذي جرى استبعاده من المشاركة في الحكومة عبر ما يسمى “جدار الحماية (Firewall) “، لم يفز فقط بانتصارات ساحقة في انتخابين على مستوى الولايات في شرق ألمانيا، بل يتقدم أيضًا بفارق واضح على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) في استطلاعات الرأي الوطنية (30% مقابل 20%).
وتبلغ نسبة تأييد المستشار ميرتس 10% — وهو مؤشر، يكشف عن استياء الشعب، وكان سيدفع أي مستشار ديمقراطي حقًا إلى الاستقالة.
ويبقى من غير المؤكد ما إذا كان الألمان، في ضوء هذا الوضع السياسي، سيقبضون أيديهم ولا يفعلون شيئًا، كما فعلوا في الماضي.
إن سقوط المستشار سيكون أمراً جيداً لألمانيا؛ فحزب “البديل من أجل ألمانيا” هو الحزب الرئيسي الوحيد الذي يسعى للحوار والسلام مع روسيا، وهو أمر لا تشتد حاجة هذه الدولة الصناعية—التي كانت مزدهرة يوماً ما—إليه فحسب، بل يُعد أيضاً شرطاً مسبقاً لا يمكنها البقاء اقتصادياً بدونه. إن البديل عن تغيير سياسي حقيقي وجذري في ألمانيا هو الحرب ضد روسيا التي يسعى إليها المستشار ميرز والنخب السياسية الحاكمة. وفي المرة الأخيرة التي خاضت فيها ألمانيا حرباً ضد روسيا عام 1941، أرسل أدولف هتلر 3.7 مليون جندي نحو الشرق وفشل، رغم السلوك الإبادي الذي مارسه الألمان والذي أودى بحياة ما يقرب من 17 مليون مدني. وكما أُوضِح سابقاً، تجد جمهورية ألمانيا الاتحادية نفسها اليوم عاجزة عن تشكيل لواء يضم 5000 جندي متطوع لإرسالهم إلى دول البلطيق. ولا يبدو أن هذا الأمر يثير قلق المستشار، مما يعد علامة واضحة على حالة الجنون التي تسيطر عليه؛ وهذا دليل قوي على أنه يعمل لصالح قوة تقع خارج ألمانيا. وسيكون المرء ساذجاً إن اعتقد أن لهذا الأمر أي علاقة بماضيه في شركة “بلاك روك” (BlackRock)؛ إذ يمكن لأولئك الذين نجحوا في تنصيبه مستشاراً أن يهنئوا أنفسهم، فقد ظفروا بدمية طيعة بتكلفة زهيدة لا تتعدى بضعة ملايين. يُظهر المقطع التالي كيف تقدم القيادة الجديدة في برلين نفسها؛ فقد تولى حزب اليسار زمام الأمور. لا حاجة للكلمات:
THIS is the party that won in Berlin: DIE LINKE. The capital of Germany is dominated by perverts and ANTIFA. https://t.co/upRU5bPNIZ
— Naomi Seibt (@NaomiSeibt) September 21, 2026
الوضع في بقية أوروبا
الوضع في بقية أوروبا ليس أكثر تشجيعًا. ستُجرى الانتخابات الرئاسية في فرنسا في نيسان/ أبريل 2027. لم يعد ماكرون مؤهلًا للترشح، ومارين لوبان تتقدم بفارق كبير على المرشحين الآخرين. وبالتالي، فإن الوضع مشابه لما هو عليه في ألمانيا: حزب يُوصم من قبل الأحزاب الموجودة حاليًا في السلطة بأنه من اليمين المتطرف، ومع ذلك فهو الأكثر شعبية بين الشعب.
موقف لوبان من السلام مع روسيا غير واضح — فهي تبدو وكأنها تتحدث بلسانين: فمن ناحية، تريد سلامًا يتم التفاوض عليه، ولكنها في الوقت نفسه تؤيد تدريب القوات الأوكرانية. إنها سياسية مخضرمة تضع نفسها في موقع يمكنها من الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصوات.
الوضع المالي في فرنسا قاتم، ولا توجد بارقة أمل في الأفق. وكان ارتفاع سعر الفائدة على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات خلال الأشهر الاثني عشر الماضية أكثر حدة من أي دولة أوروبية أخرى.
ترامب
تبدو سياسات الرئيس ترامب صعبة الفهم فقط للوهلة الأولى. إن تغييره المستمر لمواقفه بشأن أوكرانيا وإيران وإسرائيل يأتي بنتائج عكسية ويضر بسمعة الولايات المتحدة على الساحة العالمية.
السبب وراء تحركات ترامب الحالية هو انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر. ويكافح ترامب مع ارتفاع أسعار النفط الذي تسبب فيه بنفسه، والذي يمكنه منع خروجه عن السيطرة من خلال التلاعب بأسواق العقود الآجلة. ومع ذلك، فإن أسعار السوق الفعلية أعلى بنسبة تتراوح بين 30% و50% من أسعار العقود الآجلة المتلاعب بها والوهمية.
والحقيقة أن أسعار العقود الآجلة يجري التلاعب بها بالفعل واضحة، على سبيل المثال، من أسعار الديزل في محطات الوقود، التي تتحرك في اتجاه واحد فقط وبلغت مستويات غير مسبوقة في جميع أنحاء العالم.
الديزل هو شريان الحياة للاقتصاد الأمريكي، والأسعار المرتفعة هي أحد أكبر محركات التضخم، لأن جميع السلع تقريبًا تُنقل بالشاحنات، والزراعة تعتمد عليه، وأجزاء كبيرة من الصناعة تعتمد على الديزل.
أحدث مهزلة لترامب: إنه يلقي اللوم على زيلينسكي في ارتفاع أسعار الديزل لأن أوكرانيا تهاجم مصافي النفط الروسية؛ وهو يفعل ذلك فقط لصرف الانتباه عن أكبر محركات ارتفاع الأسعار — حصارا هرمز وباب المندب.
بطريقة ما، يريد ترامب قلب الأمور، لكن يبدو أنه سيخسر انتخابات التجديد النصفي المقبلة بعد نحو ستة أسابيع.
ووفقًا لـ Polymarket ، وهي سوق تنبؤات أمريكية عبر الإنترنت يراهن فيها المستخدمون على نتائج الأحداث المستقبلية — حيث تعكس أسعار السوق تقديرات جماعية للاحتمالات — تبلغ احتمالية أن يخسر الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب ومجلس الشيوخ 66%.
إذا حدث ذلك، فمن المرجح أن يواجه ترامب إجراءات لعزله. وعندها يخاطر بالانتقال من “بطة عرجاء” إلى “بطة ميتة”، وأن يحل محله نائبه الذي انقلب عليه، فانس — وهي ليست آفاقًا واعدة للولايات المتحدة.
كان ظهور ترامب الأخير هذا الأسبوع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة شهادة على طبيعته السيكوباتية: فقد أعلن — أنه بعد الانتخابات—إما سيجعل إيران دولة غنية أو سيدمرها بالكامل.
ترامب سيئ تمامًا مثل أدولف هتلر. ففي خطابه في قصر الرياضة في برلين في 4 سبتمبر/أيلول 1940، قال هتلر: “سوف نمحو مدنهم”.
يريد ترامب محو حضارة عمرها 5,000 عام — من دون أي أساس قانوني، بالطبع — ويتصرف مثل إله. وبذلك، يدعو ترامب علنًا إلى إبادة حضارة بأكملها.
قد يتساءل المرء عما إذا كان مكانه في السجن أم في مستشفى للأمراض النفسية، لكن حقيقة أنه يستطيع الإدلاء بمثل هذه التصريحات أمام جمهور عالمي دون عقاب تُظهر إلى أي أعماق انحدرت الحضارة الغربية.
وأشير إلى خطاب ألقيته في سويسرا في 3 سبتمبر/أيلول.
الأسواق المالية
لقد أدليت بالعديد من التعليقات حول عدم استقرار الأسواق المالية. والآن يبدو أن توقعاتي القاتمة بدأت تتحقق.
إضافة إلى التقييمات المرتفعة في أسواق الأسهم، أشرت مرارًا إلى الوضع غير المستدام في أسواق السندات. وبين المشاركين الأكثر فطنة في السوق، بدأ الخوف يتسلل.
لقد فقد السيد بيسنت السيطرة على أسعار الفائدة.
في 28 آب/أغسطس 2026، نظرتُ في متوسط سعر الفائدة الذي كان يتعين على الولايات المتحدة دفعه على ديونها؛ وكان يبلغ في ذلك الوقت 3.35% (مايو/أيار)، ما أدى إلى عبء فوائد سنوي قدره 1,340 مليارًا.
واليوم يبلغ متوسط سعر الفائدة هذا 3.49% (أغسطس/آب)؛ ويبلغ جبل الديون حاليًا 40,070 مليارًا، ما يعني أنه ارتفع بالفعل بمقدار 70 مليارًا إضافية.
وبالتالي، ارتفعت مدفوعات الفائدة السنوية بمقدار 56 مليارًا إلى 1,396 مليارًا سنويًا خلال هذه الفترة القصيرة من الزمن.
خلال الأيام الـ28 الماضية، ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات من 4.722% إلى 5.185%، أي بزيادة قدرها 0.46%.
ولا يبدو أن هذا الاتجاه سيتغير. وإذا استمر هذا المعدل، فلن ينهار سوق السندات الحكومية فحسب، بل ستنهار أيضًا جبال الديون الشاهقة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
وتظهر الصورة نفسها في أوروبا واليابان أيضًا.
السؤال ليس ما إذا كان الانهيار سيحدث، بل متى — ومن ستتخلى عنه الولايات المتحدة أولًا: اليابانيين أم الأوروبيين.
هذا رأيي الشخصي. وعندما يتعلق الأمر بالتوقيت، فأنا أخطئ بانتظام، وقد علّمني ذلك ألا أكون نشطًا في هذه الأسواق.
ولي امتياز كبير يتمثل في أنني ألتقي بانتظام بأحد أنجح المستثمرين في العالم. وفي اجتماعنا الأخير، وافقني من حيث المبدأ، لكنه أشار إلى أنني لا يمكنني أن أتخيل ما هي الحيل والوسائل التي لا يزال الأمريكيون يمتلكونها تحت تصرفهم لتأجيل ما لا مفر منه.
إن حجم هذه الأزمة سيفوق بكثير أي شيء شهدته البشرية من قبل. وبالمقارنة مع اليوم، كانت أزمة عام 2008 مجرد نزهة في حديقة مشمسة مع نزهة لذيذة.
ومثل هذا الانهيار في الغرب سيؤثر أيضًا في حرية الدول المعنية في التحرك الجيوسياسي؛ إذ سيصبح الجميع فجأة منشغلين جدًا بمشكلاتهم الخاصة.
ولا أحد يعرف ما إذا كان هذا سيؤدي إلى تصعيد على الساحة الجيوسياسية. لكن ما هو مؤكد هو أن “الخبراء” — الذين ما زالوا يدفعون الأسواق إلى الأمام بهتافاتهم المبتهجة — سيعلنون رسميًا أن هذا الأمر ببساطة لم يكن من الممكن توقعه — كما هو الحال دائمًا.
الانتروبيا
كل هذه التحولات التكتونية الفردية تؤدي إلى ما يمكن وصفه بأنه انتروبيا، وهو مصطلح من الديناميكا الحرارية.
وعند تطبيقه على الجغرافيا السياسية، أصف الوضع بأنه حالة هائلة وغير قابلة للعكس من الاضطراب وعدم اليقين داخل مختلف الأنظمة الدولية.
فبُنى السلطة القائمة، والقواعد، والمؤسسات، والتسلسلات الهرمية تفقد قوتها في الحفاظ على التماسك، ولا يلوح في الأفق نظام جديد من شأنه أن يوفر الاستقرار.
أما الغرب الجماعي، الذي كان حتى وقت قريب يمسك بزمام الأمور بقوة في يديه، فهو غير مستعد لتقديم تنازلات حتى لا يعرّض موقعه كقوة مهيمنة للخطر.
والجنوب العالمي، الذي فوجئ بسرعة الأحداث، لم يضع بعد سياسة متماسكة وموحدة وفعالة لانتزاع السلطة من الغرب.
ويبدو أن الجنوب العالمي، تحت الهيمنة العسكرية لروسيا والصين — وإيران مؤخرًا بوصفها القوة العسكرية الكبرى الرابعة — في طور التكيف مع الظروف الجديدة وتنسيق جهوده، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى انتصاره.
لكن المدة التي سيستغرقها ذلك، وما إذا كان الغرب سيستخدم الأسلحة النووية للحفاظ على هيمنته، لا يزال أمرًا يتعين رؤيته — رغم أنني أود أن أعرب عن شكوكي في هذا الصدد.
حتى الآن، لم يؤمن سوى أدولف هتلر بأن ألمانيا ينبغي أن تسقط معه.
فلنأمل أن تكون العقول الأكثر اتزانًا هي التي تتحكم في الأزرار المروعة.
ولن نفقد كل إيماننا بالإنسانية.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




