صحافة

مأزق الاستدامة في الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية

منذ تأسيس الكيان الصهيوني، شكّلت الجغرافيا إحدى أعقد مشكلاته الأمنية والاستراتيجية. فالمساحة الصغيرة، والعمق الاستراتيجي المحدود، مع تجمعات سكانية واقتصادية وعسكرية مرتفعة الحساسية وقريبة من الحدود، عوامل جعلت من الطبيعي أن تسعى العقيدة الأمنية الإسرائيلية، منذ المراحل الأولى لاحتلال فلسطين، إلى تعويض حساسية العمق الاستراتيجي والضعف الجغرافي بالتفوق العسكري، الذي تشكّل عبر الإنذار المبكر، والتعبئة السريعة، ونقل الحرب إلى أرض العدو، لإنتاج ردع طويل الأمد يمنح الكيان فترات من الهدوء والتحضير للمراحل المقبلة التي قد تحمل تهديدات مختلفة.

كانت معادلات الردع القائمة قابلة للتنفيذ الى حد ما، ولم يكن الهدف الإسرائيلي يعمل بشكل مباشر على منع الخصوم من امتلاك كل عناصر القوة، بقدر ما كان المطلوب إقناعهم بأن استخدام القوة سيؤدي الى دفع اثمان أكبر من المكاسب المتوقعة. وبذلك، كانت معادلات الردع الإسرائيلية تؤدي الى وظيفة أساسية تتمثل في إبقاء الحرب استثناءً، وعدم تحويلها الى حالة دائمة.

إلاّ أنه، ومع التغير الذي حصل في مسارات الحروب مع الكيان، ظهرت مشكلته الحالية في أن البيئة السابقة التي ولدت فيها عقيدة الردع الأولى لم تعد نفسها. فالصاروخ الباليستي، والمسيّرة، والصاروخ الدقيق، والقدرات السيبرانية، والقوى المعادية للكيان، مع شبكات تسليحها الممتدة على مختلف جغرافيا غرب آسيا، قلّصت القيمة التي منحتها الجغرافيا سابقًا للحدود التقليدية. لم تعد القوى المقاومة لهذا الكيان ووجوده مضطرة الى اجتياز الحدود بقوى برية لتهديد العمق الفلسطيني المحتل، أو استهداف وتدمير منشأة عسكرية أو بنية تحتية حيوية. وهذا ما أزال احتكار التفوق الجوي الإسرائيلي في القدرة على الوصول الى العمق الجغرافي الذي تتموضع فيه قوى المقاومة.

ومن هذه النقطة، بدأ التركيز في عقيدة الردع الإسرائيلية بشكل مكثف على التناسب مع البيئة الإقليمية التي تشكّلت وظهرت خاصة في العقدين الأخيرين، فتحولت من ردع استخدام القوة إلى محاولة منع تكوين القدرة نفسها. والفارق هنا بين الأمرين كبير جدًا، فالردع التقليدي يقول للخصم إنه يمكنك امتلاك قدرات وقوة معينة، لكن استخدامها سيكلفك أثمانًا باهظة. أما مع فقدان الثقة في الردع التقليدي، فإن امتلاك العدو للقدرة يصبح تهديدًا بحد ذاته. لذا يصبح المطلوب، مثلًا، منع المقاومة في لبنان من امتلاك أسلحة نوعية، أو تدمير ما امتلكته، أو تأخير إعادة بناء ما تم تدميره.

وهكذا تتغير وظيفة الردع وشكله لدى العدو الصهيوني. فلم تعد المسألة تقتصر على الانتصار في الحرب عندما تقع، بل باتت تشمل العمل باستمرار لمنع تشكّل الظروف التي قد تجعل الحرب المقبلة أكثر خطورة.

ومن هذه الزاوية يمكننا فهم الإنتقال من نموذج الردع الإسرائيلي القديم، الذي كان يركز على الحدود الآمنة، الى رؤية جديدة ولكن ذات كلفة عالية، عبر ما يحاول العدو الإسرائيلي تثبيته وهو نموذج الردع والأمن الإقليمي بالقوة. فالتهديد الإيراني الذي يستطيع الوصول الى عمق فلسطين المحتلة من مسافة آلاف الكيلومترات، غيّر فكرة الحدود الآمنة  في العقلية الإسرائيلية،  فأصبحت مختلفة عن المفهوم القديم. ورغم أنها لم تستطع الخروج منه عبر إعادة احتلال الأراضي في جنوب لبنان وغزة والتمدد أكثر في سوريا، فإنها تسعى، عبر نموذج الردع الجديد، إلى تكوين قدرة بعيدة المدى وعالية التأثير ضمن هذه المساحات، أكثر من التواجد المباشر. وهذا ما يميز بين نموذج الردع القديم الذي يقوم على التوسع الجغرافي المباشر، عما تحاول بناءه في النموذج الجديد عبر التوسع الأمني الإقليمي. ففي النموذج الأول، تُعدّ السيطرة الجغرافية أساسية، بينما في النموذج الثاني لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك الأرض، بل يفرض عليها قيودًا أمنية على غرار نموذج سيناء مع مصر، ولكن من دون اتفاقيات أمنية أو اتفاقيات سلام، وإنما تفرض بالقوة والسيطرة من بعيد. وبهذا المعنى، يصبح المجال الأمني الإسرائيلي أكبر من مساحة الكيان نفسه. فهو يبدأ من الداخل، ثم الحدود، ثم المناطق القريبة، ولا يتوقف هناك، إنما يمتد ليصل إلى ما يعتبره مصدر التهديد نفسه. وهنا أيضًا تتغير دلالة دول الطوق التي أحاطت  بالكيان. فالطوق لم يعد جغرافيًا بحتًا، إذ يمكن أن يكون التهديد في لبنان أو غزة، كما يمكن أن يكون في العراق أو اليمن أو إيران أو البحر الأحمر. أي إن الكيان لم يعد أمام طوق جغرافي بالمعنى القديم، بقدر ما هو أمام تهديد من شبكة إقليمية.

وصحيح أن النموذج الهجين الجديد، الذي يحاول الكيان المؤقت فرضه، يمنحه مجالًا أوسع لاستخدام تفوقه العسكري والتكنولوجي، إلّا أنه يخلق مشكلة لم تكن بالحجم نفسه في نموذج الردع التقليدي، ألا وهي مشكلة الاستدامة. فإذا افترضنا أن الكيان دمّر قوة عسكرية معينة لدى إحدى قوى محور المقاومة، فماذا يحدث عندما تعيد هذه القوة بناء قدراتها وترميمها بعد ستة أشهر أو سنة؟ سيقوم الكيان بمحاولة ضربها مرة أخرى. وإذا غيّرت هذه الجهة أسلوب عملها وطريقة بناء قدراتها ونقلها، فسيحتاج الكيان إلى دورة جديدة من الاستخبارات والاستهداف. ومع التعلّم من الضربة الأولى وتطوير وسائل حماية جديدة، سيحتاج الكيان إلى تطوير وسائل جديدة للعمل والاختراق والاستهداف. وهذه حلقة (ضرب – تدمير – تكيّف – ترميم – رصد – ضربات من جديد) يصعب تحديد نهايتها.

وبهذه الطريقة، يتحول استخدام القوة لدى العدو الصهيوني من وسيلة يُفترض أنها تنتج حالة سياسية وأمنية جديدة – كما جرى في سلسلة الحروب العربية الإسرائيلية – إلى أداة يُطلب منها باستمرار المحافظة على الحالة القائمة.

وهذه من المفارقات الأساسية في النموذج الجديد، فالكيان قد يكون قادرًا على تحقيق نجاح عسكري في جولة معينة، ولكن السؤال الحقيقي ليس إذا ما كان باستطاعته النجاح مرة واحدة، وإنما كم مرة يستطع إنتاج النجاح نفسه، وعلى كم جبهة، ولأي مدة، وباي كلفة. وهنا تظهر مشكلة الحرب متعددة الساحات.

فالسؤال عمّن هو الأقوى، الكيان الصهيوني أم المقاومة في لبنان، أو عمّا إذا كان الكيان يستطيع شن ضربات على إيران وتنفيذ عمليات في العراق واليمن، لا يكشف الصورة كاملة. بل إن السؤال المهم هو ماذا يحدث إذا انطلق التحرك العسكري ضده، في وقت واحد وبالتزامن، من عدة ساحات؟ فقد يكون التهديد بالنسبة للكيان قابلًا للاحتواء بشكل منفرد، لكن جمع مجموعة من التهديدات المتوسطة لا يؤدي بالضرورة إلى تهديد متوسط أعلى بقليل، وإنما قد ينتج وضعًا مختلفًا بشكل كبير، ناتجًا عن أهمية تزامن التهديدات من عدة ساحات. فمعضلة الدفاع الجوي الإسرائيلي تكمن في عدم قدرته على مواجهة معادلة تتعدد فيها مصادر النيران، وكذلك قواته الجوية التي ستضطر إلى توزيع قدراتها إذا تزامن التهديد من ساحات متعددة. وينطبق هذا المسار على الجبهة الداخلية والاقتصاد والذخائر واللوجستيات والاستخبارات. وهذا ما يعيدنا إلى مفهوم المفاجأة الاستراتيجية، التي لا تحتاج إلى عدو يمتلك تفوقًا هائلًا في القدرات، وإنما يكفي أن تتزامن التهديدات التي كان كل واحد منها قابلًا للإدارة بشكل منفرد.

وهنا يأتي النظر إلى العمق الاستراتيجي ما بين المفهوم السابق، الذي كان يُنظر إليه بوصفه جغرافيًا بالدرجة الأولى، أي من خلال حساب المسافات بين الحدود ومراكز الدولة الحساسة، والمفهوم الحالي الذي يفترض أنه حتى لو تمت السيطرة على عشرات الكيلومترات الإضافية ما بعد الحدود، فإنها لن تكون مانعة لصاروخ أو مسيّرة قادرين على قطع مئات الكيلومترات. لذا، فإن العمق الصهيوني الحديث أصبح مزيجًا من الجغرافيا، وطبقات الدفاع الجوي، والعمليات الخاصة بإزالة التهديد، والعلاقة مع الدول الإقليمية، والقدرات الاستخباراتية والسيبرانية، إضافة إلى الدعم الأمريكي العلني. فالكيان يحاول اليوم أن يعوّض النقص في عمقه الجغرافي بهذه الشبكة من الحماية، وهذا ما يرفع الكلفة المادية والجهد إلى مستوى عالٍ. فكلما اتسع المجال الذي يعتبره الكيان ضروريًا للمراقبة والتدخل، ازدادت تلقائيًا الحاجة إلى غطاء سياسي أكبر، ودعم خارجي مستدام، وطلعات جوية، واستنزاف للقوى البشرية والاقتصادية والاحتياط، وجهد معلوماتي-استخباراتي أعلى وأوسع. وهذا الجهد ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد والمجتمع. فلا يمكن النظر إلى استدامة القوة من جهة ما يملكه الكيان من أصول عسكرية فقط، بل من جهة الفئة التشغيلية لهذه الأصول، التي تعتمد بشكل أساسي على جندي الاحتياط، الذي هو في الوقت نفسه مهندس أو طبيب أو عامل أو صاحب مؤسسة أو موظف. فاستمرار التعبئة العسكرية على المدى الطويل يدفع إلى تلاشي الحدود بين الجبهة والاقتصاد والمجتمع. فالمسألة غير مرتبطة بعدد جنود الاحتياط الذين يستطيع الجيش الصهيوني استدعاءهم للخدمة، بل بالمدة التي يستطيع الاحتفاظ بهم خلالها دون أن يراكم الاستدعاء طويل المدى كلفة اقتصادية واجتماعية صعبة التحمّل.

وهذا ما يراكم في الوقت نفسه كلفة على الولايات المتحدة. فالدعم الأمريكي للكيان هو أحد أهم مضاعِفات القوة الإسرائيلية. ولكن من الخطأ أن نفترض أن ارتفاع كلفة حماية الكيان سيؤدي تلقائيًا إلى تخلي الولايات المتحدة عنه، وهذا ما لمسناه. فالتهديد الذي يتعرض له الكيان منذ السابع من أكتوبر رفع مستوى التدخل والتواجد الأمريكي في المنطقة لحمايته، إلّا أن هذا المسار لم يُلغِ المشكلة بل غيّر شكلها، ليتحول السؤال إلى ما هي كمية ومقدار الموارد الأمريكية الموجّهة إلى الكيان للحفاظ على تفوقه، وما مدى قدرة الولايات المتحدة على توفيرها بفاعلية إذا تزامنت التهديدات والأزمة في غرب آسيا مع التزاماتها في أوروبا وشرق آسيا؟

وفي الوقت نفسه، يحمل هذا الدعم في طياته إشكالية الاعتماد على عنصر خارجي في استدامة القوة الإسرائيلية. فإذا استطاع الكيان تحويل عبء الأمن الإقليمي الضاغط عليه اليوم، عبر تحويل التفوق العسكري إلى ترتيب جديد في الإقليم، وتفكيك بعض التهديدات، وتقليل عدد الجبهات الناشطة، وإطالة أمد الهدوء، وترسيخ استدامة الدعم الأمريكي، إلى نظام أمني قابل للاستمرار، يكون قد حقق إنجازًا كبيرًا. أما إذا أدى تغير المسار الإقليمي إلى توسع مسارح العمليات، وتعدد الجبهات، وتقصير فترات الهدوء، وترميم القدرات التي تم ضربها، بالتزامن مع زيادة الطلب الإسرائيلي على الذخائر الأمريكية والدعم والاحتياط، وارتفاع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، فإن مشكلة الكيان ستكون فعلًا في الانتقال من تحقيق التفوق إلى القدرة على استدامته وتحمّل كلفته. وهنا يصبح السؤال  هل يستطيع الكيان إعادة إنتاج تفوقه بعد أن تكيفت قوى محور المقاومة مع أساليب عمله الجديدة؟

وإلى أي حد يستطيع تحمّل كلفة استدامة هذا التفوق والتعامل مع تكيّف أعدائه، قبل أن تبدأ هذه الكلفة بالضغط على مصادر قوته الداخلية؟

فمع التحول الإسرائيلي في العقيدة القتالية من الردع والحدود الآمنة إلى أمن إقليمي ممتد بالقوة، تكمن المفارقة في أن جيش الكيان، القادر بقوته على الوصول عسكريًا إلى مسافات أبعد من أي وقت مضى، أصبح ضمن هذا التحول مطالبًا بإقامة مجال أمني أوسع من السابق وأكثر حماية. لذا، فإن الاختبار الحقيقي لهذا النموذج لن يكون في الضربات الأولى ولا في الحرب القائمة، وإنما فيما أضاءت عليه وسائل إعلام العدو وقياداته، وهو اليوم الثاني “للحرب”. فإذا كان النصر يقلل الحاجة إلى خوض الحرب مجددًا، فإن الكيان يكون قد نجح في تثبيت أمنه الإقليمي بصورة أكثر استدامة. أما إذا كان النصر بحاجة إلى استمرار جولات عسكرية متتالية وحروب، كما يحدث حاليًا، فإن معضلة الكيان الجديدة لا تكمن فقط في امتلاك التفوق، بل في استدامة هذا التفوق بالقوة.

فاغتيال قائد، أو تدمير منشأة، أو ضرب منظومة صاروخية، يُعدّ إنجازًا عسكريًا تكتيكيًا مهمًا، لكن الإنجاز الاستراتيجي لا يقاس من هذه الزاوية فقط، وإنما بالسؤال التالي  هل يستطيع الكيان أن يشكّل بيئة إقليمية محيطة به تؤمّن له الاستقرار مع تهديدات أقل، أم أن تثبيت مثل هذه الإنجازات يحتاج إلى سلسلة عمليات مستمرة ومفتوحة للحفاظ على النتائج السابقة. وهنا تحديدًا يظهر مأزق الاستدامة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى