صحافة

مركزية القرار الأميركي.. نقطة ضعف واشنطن في حرب إيران

في الولاية الأولى، استعان ترامب بشخصيات لم تكن تربطها به بالضرورة علاقة شخصية عميقة، مثل وزير الخارجية الأسبق ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس. أما في ولايته الثانية، فقد اختار دائرة أكثر التصاقاً به سياسياً وشخصياً، تضم حلفاء قدامى ومؤيدين ثبت ولاؤهم له خلال سنوات وجوده خارج البيت الأبيض. وبحسب تحقيق نشرته “بوليتيكو”، أصبح الولاء لترامب ولأجندة «أميركا أولاً» عاملاً أساسياً في اختيار أعضاء حكومته.

لكن هذا الولاء لم يمنح الوزراء مساحة أكبر للتحرك، بل وضعهم في علاقة مختلفة مع الرئيس. فالمسؤول الذي يستطيع الوصول إلى ترامب في أي وقت، يمكنه أيضاً أن يتلقى منه مهمة جديدة في أي وقت، حتى لو لم تكن مرتبطة مباشرة بالمنصب الذي عُيّن من أجله.

وزير التجارة هوارد لوتنيك، على سبيل المثال، وجد نفسه مكلفاً بـ«إصلاح» مركز كينيدي للفنون، رغم أن وزارة التجارة لا علاقة لها بإدارة المؤسسات الثقافية. ووزير الداخلية دوغ بورغوم، الذي يفترض أن ينشغل بإدارة أراضٍ عامة وملفات الطاقة، وجد جزءاً من وقته مخصصاً لترميم النصب التذكارية وإزالة الكتابات عن الجدران، بعدما لفتت هذه التفاصيل انتباه ترامب.

المسألة ليست في غرابة هذه المهام بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي تحدد بها أجندة الرئيس عمل مؤسسات يفترض أن تمتلك اختصاصات واضحة. وتظهر هذه الآلية بصورة أكثر حساسية في السياسة الخارجية والأمنية. خلال الضربات الأميركية على إيران بالتنسيق مع الاحتلال، حيث تلقى أعضاء الحكومة توجيهاً بالبقاء بعيداً عن الواجهة الإعلامية، فيما احتفظ ترامب بمنصة التواصل الرئيسية لشرح الحرب وأهدافها. في لحظة كانت فيها وزارات الدفاع والخارجية والطاقة والخزانة والتجارة والزراعة معنية بدرجات مختلفة بتداعيات الحرب، أصبح ترامب هو المرجع الأساسي للرواية الرسمية.

هذا التركيز لا يتعلق بالإعلام وحده. فوزير الحرب بيت هيغسيث بحسب تصريحاته اضطر في أكثر من مناسبة للتعامل مع قرارات رئاسية خالفت توجهات كان قد اتخذها، فيما صرح وزير الخارجية ماركو روبيو أنه يؤدي أدواراً متعددة إلى جانب منصبه الأساسي. وفي ملفات أخرى، اضطر مسؤولون إلى تنفيذ إعلانات صدرت عن ترامب قبل أن تكون مؤسساتهم قد انتهت من إعداد آليات تطبيقها.

ويزداد الأمر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالمسؤولين أنفسهم. فوزراء ترامب يعرفون أن موقعهم مرتبط بقدرتهم على الحفاظ على ثقة الرئيس. وهناك توثيق لإقالات متتالية لمسؤولين كبار، فقط لأنهم عارضوا البيت الأبيض أو صرحوا عكس رغبات ترامب.

قصة وزيرة الأمن الداخلي السابقة كريستي نوم تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. خلال جلسة في مجلس الشيوخ، قالت إن ترامب وافق مسبقاً على إنفاق 220 مليون دولار على حملة إعلانية ظهرت فيها بشكل بارز. بعدها نفى البيت الأبيض أن يكون الرئيس قد وافق على الإنفاق بهذه الصورة، وأصبحت إجابة نوم لاحقاً جزءاً من التوتر الذي انتهى بإقالتها.

لهذا السبب، يصف أحد المسؤولين السابقين في الإدارة، وفق «بوليتيكو»، الوزراء بأنهم أقرب إلى «موظفين» منهم إلى صانعي سياسة مستقلين. ويقول مسؤول آخر إن النظام يحول كثيراً من أعضاء الحكومة إلى أشخاص يوافقون الرئيس، لأن الجميع يريد الحفاظ على وظيفته.
هذا النموذج قد يمنح ترامب قدرة أكبر على التحرك السريع أو المتهور كما يحب، لكنه في الوقت نفسه يحمّل القرار الأميركي كله درجة أكبر من المخاطر المرتبطة بقرار شخص واحد. خصوصاً فيما يتعلق بالحرب على إيران. لأن مركزية القرار ستتحول من وسيلة للسيطرة إلى عامل يضعف القدرة الأميركية على إدارة الحرب. وإذا كان الوزراء والمسؤولون يتحركون أساساً وفق ما يريده الرئيس ويخشون مخالفته، فقد تصل إلى مركز القرار معلومات أقل تنوعاً، بينما تتسع الفجوة بين ما يريده ترامب وما تستطيع مؤسسات الدولة تنفيذه. وفي مواجهة إيران، حيث يمكن لأي خطأ في تقدير الردود أو سقف التصعيد أن يفتح جبهات جديدة ويطيل الحرب، تصبح هذه الطريقة في إدارة الدولة نقطة ضعف مباشرة في قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى