“الاحتلال المالي”: كيف تعيد واشنطن إنتاج النموذج الفنزويلي في العراق
أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ضرورة نزع سلاح الفصائل والميليشيات خارج إطار المؤسسات الرسمية، متذرعاً بتفادي ما وصفه بـ”بلقنة” العراق، وهو ما يعني تجديد دعم واشنطن للحكومة العراقية في مساعيها لحصر السلاح بيد الدولة. غير أن استخدام روبيو لمصطلح “البلقنة” يحمل في طياته دلالات متعددة، فهو يلمّح تارة إلى احتمالات التغيير الجغرافي للحدود العراقية أو التقسيم الرسمي، ويشير تارة أخرى إلى التشرذم السياسي والأمني وتحول الدولة إلى مناطق نفوذ متعددة الولاءات تُضعف قرار المركز. وهذا التحذير، في جوهره، يعكس سعي واشنطن إلى تقويض عناصر القوة التي يمتلكها العراق اليوم، تحت غطاء المطالبة بمركزية ممسوكة بقوة السلاح الرسمي وحده، وهي مركزية تتحكم واشنطن بكامل مفاصلها حتى بعد إتمام انسحابها العسكري المزمع في 30 أيلول/سبتمبر 2026. وتتشابه هذه الصورة إلى حد كبير مع الحالة الفنزويلية، حيث تمسك واشنطن بعناصر السيادة الفنزويلية عبر التحكم بمفاصل الدولة: الرئاسة والجيش والثروات، وفي مقدمتها النفط الذي باتت تحتكره الولايات المتحدة لمئة عام مقبلة. وإذا ما أُسقط النموذج الفنزويلي على الحالة العراقية الراهنة، يتبين أن الولايات المتحدة تتبنى استراتيجية “الخنق الناعم والمتدرج”، فالعراق الذي يعتمد اقتصاده بأكثر من 90% على واردات النفط يجد نفسه مقيداً بهيمنة أمريكية هيكلية على نظامه المالي، إذ تستخدم واشنطن “ورقة الدولار” والبنك الفيدرالي الأمريكي أداة ضغط سياسي وأمني لفرض الوصاية ومنع العراق من تحقيق استقلالية اقتصادية أو الانخراط في تحالفات إقليمية أو دولية خارج العباءة الأمريكية، مما يضعه على مسار يشبه العزلة المفروضة على فنزويلا وإن اختلفت الأدوات بحسب تعقيدات المشهد العراقي.
وتتجلى مؤشرات هذا المسار من العزل والسيطرة على عدة مستويات متكاملة. ففي الجانب المالي والمصرفي، تُجبر واشنطن العراق على إيداع كامل عائداته النفطية في حساب البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بما يمنحها زر التحكم بتدفق الأموال إلى الداخل العراقي، فيما تفرض الخزانة الأمريكية عقوبات متتالية على عشرات المصارف العراقية وتحرمها من التعامل بالدولار بذريعة “تهريب العملة”، في تكرار لما جرى مع النظام المصرفي الفنزويلي حين عُزل عن منظومة “سويفت” المالية العالمية. ويُضاف إلى ذلك فرض منصات إلكترونية أمريكية لمراقبة الحوالات الخارجية العراقية، وهو ما يمنح واشنطن عملياً حق “الفيتو” على أي تعامل تجاري عراقي لا يتماشى مع مصالحها.
أما على الصعيد الجيوسياسي والاقتصادي، فتمارس واشنطن ضغطاً مستمراً لعرقلة انخراط العراق في مبادرة الحزام والطريق ومنعه من عقد اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد مع الصين، مع إجهاض مشاريع البنى التحتية الكبرى التي قد تحرره من التبعية، إلى جانب ممارسة ضغوط قصوى لمنع التبادل التجاري والمالي الحر بين العراق ودول الجوار، وتحديداً إيران، مع التلويح بفرض عقوبات تقطع أوصال الترابط الاقتصادي الإقليمي، بما يعيد إنتاج طوق العزلة ذاته المفروض على كاراكاس.
وفي قطاع الطاقة، الذي يشكل الورقة الخانقة الأبرز، تُبقي واشنطن على أزمة الكهرباء العراقية عبر فيتو غير معلن يمنع بغداد من التعاقد الحر مع شركات عالمية، كالشركات الألمانية أو الصينية، لحل الأزمة جذرياً، بما يُبقي العراق في حالة شلل وتذمر شعبي متواصل، فيما تستخدم واشنطن نظام “الإعفاءات المؤقتة” لاستيراد الغاز الإيراني ورقة ابتزاز سياسي تُجدَّد كل بضعة أشهر لضمان امتثال بغداد للإملاءات الأمريكية.
ولا يقل الضغط السياسي المباشر خطورة عن هذه المسارات، إذ توصل واشنطن رسائل مبطنة إلى الطبقة السياسية العراقية مفادها أن أي خطوة لتقليص النفوذ الأمريكي ستُقابَل بتجميد أموال العراق في الفيدرالي الأمريكي، بما يعني انهياراً فورياً لقيمة الدينار العراقي ودخول البلاد في فوضى عارمة، في نسخة مطابقة لما حدث للاقتصاد الفنزويلي، إضافة إلى تدخل مباشر للسفارة الأمريكية في التعيينات السياسية والأمنية والاقتصادية الحساسة، وفي مقدمتها رئاسة الوزراء، ومحاولة التحكم بالتحالفات السياسية لضمان بقاء حكومات خاضعة أو ضعيفة يسهل التحكم بها.
وخلاصة القول إن المشروع الأمريكي في العراق اليوم لا يحتاج إلى دبابات لاحتلاله، بل يدور عبر ما يمكن تسميته “الاحتلال المالي”، حيث تضع المؤشرات مجتمعة واشنطن أمام صياغة خيارين لا ثالث لهما أمام بغداد: إما البقاء في بيت الطاعة الأمريكي، والانعزال عن أي تنمية حقيقية أو استقلال سياسي، والتسليم بسلطة سيطرة لا نهائية على مقدرات العراق المالية والنفطية، وصولاً إلى التحكم الكامل بالمخزون النفطي واستثماره على الطريقة الفنزويلية، وإما مواجهة الفوضى السياسية والانهيار الاقتصادي والتضخم المفرط والعزلة الدولية التامة.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




