عاجل عاجل | لأول مرة.. روسيا تختبر اتصالات بين الأقمار الصناعية في مختلف المدارات
اخبار لبنانقضايا وآراءمال واعمال

من سويسرا إلى بيروت … التداعيات الاقتصادية للتفاهمات الإقليمية …

هل يتنفس الاقتصاد اللبناني الصعداء؟ ...

 

 

التداعيات الاقتصادية للتفاهمات الإقليمية  …

هل يتنفس الاقتصاد اللبناني الصعداء؟ …

                                                  *********************************

 

الخبير الإقتصادي الأستاذ أمين فتوني

اخر تحديث 25 يونيو/ حزيران، 18:00


 

بعد إصرار طهران على إدراج الجبهة اللبنانية كبند أساسي في التفاهمات، تبدو انعكاسات هذا المسار على الاقتصاد اللبناني ذات أهمية كبيرة، وقد تشكّل خطوة جدية نحو إعادة تحريك عجلة اقتصاد يعاني الشلل منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019، لحظة الانهيار الكبير للقطاع المصرفي، وما تبعها من أزمات مالية وصراعات عسكرية وأمنية متلاحقة حتى اليوم.

وتزداد أهمية هذه الفرصة إذا أخذنا في الاعتبار أن القطاع المالي يشكّل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، وأنه، إلى جانب قطاع الخدمات، يمثل نحو 80% من إجمالي القطاعات المنتجة في البلاد.

 

قطاعات لا تزال قادرة على تحريك الدورة الاقتصادية

ولفهم حجم الانعكاس الاقتصادي لأي تفاهم إقليمي على لبنان، لا بد أولًا من النظر إلى القطاعات التي ما زالت تملك قدرة فعلية على تحريك الدورة الاقتصادية، رغم سنوات الانهيار والشلل. فالاقتصاد اللبناني لم يفقد كل أدواته، لكنه يعمل اليوم بطاقة منخفضة، وتحت ضغط الخوف، وانعدام الثقة، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الاستقرار. من هنا، فإن أي تهدئة جدية لا تُقرأ فقط من زاوية وقف النار، بل من زاوية قدرتها على إعادة تنشيط قطاعات أساسية شكّلت تاريخيًا رافعة الاقتصاد اللبناني.

قطاع الخدمات والسياحة:

رغم التراجع الحاد الذي أصاب هذا القطاع بفعل التوترات والأزمات المتلاحقة، لا تزال السياحة والخدمات المرتبطة بها، من مطاعم وفنادق ومواسم اصطياف وحركة وافدين، تشكّل أحد أسرع الموارد قدرة على إدخال النقد الأجنبي إلى البلاد. ويزداد هذا الدور أهمية مع ارتباطه المباشر بأموال المغتربين وحركتهم الموسمية، بما يجعل القطاع قابلًا للانتعاش السريع عند توافر حدّ أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي.

التجارة والخدمات المهنية:

تشمل هذه الفئة تجارة الجملة والتجزئة، إلى جانب الخدمات الرقمية، والتعليم العالي، والرعاية الصحية والطبابة. وهي قطاعات كانت تاريخيًا من نقاط القوة في الاقتصاد اللبناني، لكنها اليوم تكافح للحفاظ على جودتها وموقعها، إن لم نقل على وجودها، بفعل تراجع القدرة الشرائية، ارتفاع كلفة التشغيل، هجرة الكفاءات، وانعدام الاستقرار الاقتصادي والأمني.

القطاع الزراعي والصناعات الغذائية:

شهد هذا القطاع في السنوات الأخيرة نموًا اضطراريًا أكثر منه نموًا مدروسًا، نتيجة التحولات التي فرضها انهيار سعر الصرف، وما تبعه من انخفاض نسبي في كلفة اليد العاملة المحلية وبعض الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والنقل. وقد دفع ذلك جزءًا من السوق إلى البحث عن بدائل محلية تحقق حدًا أدنى من الأمن الغذائي، بدل الاعتماد الكامل على الاستيراد المكلف. وفي هذا السياق، نشطت صناعات محلية عدة، وفي مقدمتها الصناعات الغذائية وبعض الصناعات الخفيفة كالملابس، بوصفها استجابة مباشرة لأزمة الاستيراد وتراجع القدرة الشرائية.

القطاع المصرفي والمالي:

تاريخيًا، عُدّ لبنان مصرف الشرق الأوسط ومركزًا لاستقطاب أموال الأفراد والشركات، سواء بهدف الاستثمار أو حفظ الرساميل ضمن نظام مصرفي تميّز طويلًا بالسرية المصرفية تجاه عملائه. غير أن هذا القطاع يعيش منذ عام 2019 حالة شلل وانهيار شبه كامل، بعدما فقد المودعون والمستثمرون الثقة بالمصارف وبقدرتها على حماية الودائع وإدارة السيولة. ونتيجة ذلك، تحوّل جزء واسع من النشاط الاقتصادي إلى اقتصاد نقدي شبه بديل، يُعرف بـ Cash Economy، ما عمّق الأزمة وأضعف قدرة الدولة والقطاع المالي على استعادة الدورة الاقتصادية الطبيعية.

 

التفاهم الإقليمي كنافذة اقتصادية

ومن هنا، لا تبدو هذه القطاعات منفصلة عن المسار السياسي الإقليمي، بل على العكس، فهي الأكثر تأثرًا بأي تبدل في مستوى التوتر. فالسياحة تحتاج إلى أمان، والتجارة تحتاج إلى حركة وأسواق مفتوحة، والزراعة والصناعة تحتاجان إلى كلفة مستقرة وقدرة على التصدير، أما القطاع المصرفي فلا يمكنه استعادة جزء من دوره من دون ثقة داخلية وخارجية. لذلك، يصبح أي تفاهم أميركي ـ إيراني دائم، إذا انعكس تهدئة على الساحة اللبنانية، عاملًا مباشرًا في إعادة فتح هذه القطاعات أمام دورة اقتصادية جديدة، لا بوصفه حلًا كاملًا، بل كنافذة ضرورية تسمح للاقتصاد اللبناني بالتقاط أنفاسه.

الاستقرار الأمني والسياسي:

يمثّل الاستقرار الأمني والسياسي الناتج عن أي اتفاق دائم المفتاح الأساسي لإعادة تحريك الاقتصاد اللبناني. فخفض مستوى التوتر الإقليمي ينعكس مباشرة تهدئة على الساحة اللبنانية، ويمنح القطاعات الاقتصادية هامشًا جديدًا للعمل بعد سنوات من الشلل. كما يشكّل هذا الاستقرار شرطًا إلزاميًا لإعادة إحياء السياحة والتجارة والخدمات، ولبعث رسالة ثقة إلى المغتربيـن تشجّعهم على العودة إلى الاستثمار وضخ الأموال مجددًا في السوق اللبنانية.

تسهيل ملف الطاقة والغاز:

يشكّل الهدوء الإقليمي عاملًا أساسيًا في إعادة تحريك ملف الطاقة والغاز في لبنان. فالشركات الدولية، وفي مقدمتها توتال وغيرها من الشركات العاملة أو المهتمة بالتنقيب عن النفط والغاز، تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة لمواصلة عمليات الاستكشاف والاستخراج في الحقول اللبنانية، بعيدًا عن مخاطر اندلاع مواجهات أو توترات تعطل العمل وتجمّد الاستثمارات. كما أن تراجع التصعيد قد يسهّل إعادة فتح ملفات استجرار الطاقة الإقليمية، من الغاز المصري إلى النفط العراقي والكهرباء الأردنية، وهي ملفات طالما اصطدمت بالعقوبات والتعقيدات القانونية والسياسية والأمنية.

تدفق السيولة وتنشيط السياحة وتحويلات المغتربين:

يسهم الاستقرار الإقليمي في إعادة فتح الباب أمام تدفق السيولة الأجنبية إلى السوق اللبنانية، سواء عبر تحويلات المغتربين أو من خلال عودتهم الموسمية والاستثمارية. فالمغترب اللبناني يتأثر مباشرة بمستوى الأمان والثقة، وأي تهدئة جدية قد تدفعه إلى زيادة التحويلات، والعودة إلى لبنان، وتنشيط قطاعات السياحة والمطاعم والفنادق والخدمات. ومن شأن هذا التدفق، المعروف اقتصاديًا بـ Remittance & Tourism، أن يضخ نقدًا أجنبيًا سريعًا في السوق، ويعيد تحريك الدورة الاقتصادية بعد سنوات من الانكماش والشلل.

تحفيز الإصلاحات البنيوية والتفاهم مع الجهات الدولية:

قد يسهم الاستقرار الإقليمي في دفع مسار الإصلاحات البنيوية داخل لبنان، ويفتح الباب أمام تفاهمات أوسع مع جهات دولية مانحة أو ممولة، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي IMF ورغم التحفظات المشروعة على سياسة الاستدانة وشروطها، فإن التسويات السياسية غالبًا ما تمنح القوى اللبنانية هامشًا أكبر لإنجاز إصلاحات طال انتظارها، ولا سيما إقرار قانون Capital Control، وإعادة هيكلة المصارف والمؤسسات المالية، ومعالجة الفجوة في القطاع المالي. ومن شأن هذه الإجراءات، إذا نُفذت بجدية وشفافية، أن تعيد جزءًا من الثقة المفقودة إلى القطاعات التي تعاني الشلل منذ عام 2019.

إطلاق ورشة إعادة الإعمار:

تُعدّ ورشة إعادة الإعمار Reconstruction Phase من أكثر الملفات إلحاحًا في المرحلة الراهنة، إذ إن توقف الحرب يفتح الباب أمام تدفق المساعدات، كما يتيح للبنانيين المغتربين لعب دور أساسي في تمويل إعادة الترميم وبناء ما تهدّم. ولا يقتصر ذلك على المنازل المتضررة، بل يشمل البنى التحتية والمصالح والمؤسسات الإنتاجية، خصوصًا في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، بما يحوّل الإعمار إلى مدخل مباشر لإعادة تحريك الاقتصاد المحلي.

تحريك الإنفاق الاستثماري وقطاع البناء:

لا تُختصر ورشة الإعمار بالإسمنت والحجر، بل تتحول إلى دورة اقتصادية واسعة تقوم على التشغيل وخلق فرص العمل. فهي تحرّك العمال والشركات والمقاولين والمرامل وقطاعات الحديد والألومنيوم والدهان والأخشاب والبلاستيك والزجاج والتجارة والنقل، بما يخلق طلبًا سريعًا في السوق ويخفف معدلات البطالة. ومن هنا، لا يكون الإعمار مجرد إعادة بناء منازل مهدّمة، بل محركًا اقتصاديًا شاملًا يطال البنى التحتية والمصالح والمؤسسات والشركات المتضررة، ويدفع أكثر من 60 قطاعًا إلى العمل من جديد، من المصانع والحرف الصغيرة وصولًا إلى الخدمات والتمويل واللوجستيات.

 

في الخلاصة، قد تمنح المظلة الدولية والإقليمية المتصلة بالاتفاق الأميركي ـ الإيراني لبنان جرعة أوكسجين اقتصادية نادرة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة التعافي. فالاستقرار يفتح الباب، أما العبور منه فيبقى مسؤولية لبنانية. المطلوب ليس انتظار الخارج، بل استثمار الفرصة عبر إصلاحات هيكلية وبنيوية جدية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، ومنع الاحتكار والمحاصصة في إدارة المساعدات والإعمار. عندها فقط يمكن تحويل التهدئة من فرصة عابرة إلى مسار إنقاذ فعلي، أما من دون ذلك، فقد تضيع الفرصة كما ضاعت قبلها فرص كثيرة.

https://t.me/wakalanews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى