صحافة

غزة: معركة اليوم التالي

في غزة، لا تبدأ معركة «اليوم التالي» بعد انتهاء الحرب، بل تبدأ عند السؤال الأصعب: من يحكم، من يحمل السلاح، من يملك القرار، ومن يدفع كلفة إعادة البناء؟

من هنا تكتسب خطة مجلس السلام المرتبطة بمقترحات الرئيس دونالد ترامب أهمية تتجاوز كونها برنامجاً لإعادة الإعمار. فالخطة تطرح 66 مشروعاً بكلفة تقارب 2.45 مليار دولار خلال ستة أشهر، تشمل الأمن والبنية التحتية والخدمات والاقتصاد والتحول الرقمي، ضمن تصور أوسع لإعادة تنظيم إدارة القطاع وتهيئة شروط إعادة الإعمار.

لكن المفارقة الأساسية أن الخطة تحاول بناء «اليوم التالي» في بيئة لم تُحسم فيها بعد معادلات اليوم نفسه.

وهنا تبدأ الاختبارات الحقيقية: السلاح، السلطة، الأمن، التمويل، والموقف الإسرائيلي، وكلها ملفات متشابكة بحيث يصعب فصل أحدها عن الآخر.

أولاً: السلاح قبل السلطة

تقوم الخطة على انتقال تدريجي للسلطة إلى إدارة فلسطينية جديدة، بالتوازي مع مسار لنزع السلاح وإنشاء ترتيبات أمنية دولية وتشكيل قوة شرطة فلسطينية مدققة ومدربة. وينص خارطة الطريق المنشورة من مجلس السلام على انتقال السلطات المدنية والأمنية في غزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)، ضمن إطار يقوم على مبدأ “سلطة واحدة، سلاح واحد، قانون واحد”.

وتخصص الخطة نحو 885 مليون دولار للمسار الأمني، بما يشمل قوة الاستقرار الدولية وبرامج التدريب والتجهيز والترتيبات الأمنية. كما تتضمن مشاريع مرتبطة بنزع السلاح، من بينها التعامل مع الأنفاق وبرامج شراء الأسلحة وتشكيل قوة الشرطة.

لكن السؤال الذي يسبق كل هذه الترتيبات هو: من يسبق الآخر، نزع السلاح أم بناء السلطة؟

هنا تظهر العقدة الأساسية. فالمسار المقترح يحتاج إلى تعاون إسرائيل وحماس معاً، بينما ظل الانتقال من وقف النار إلى مرحلة نزع السلاح والتنفيذ العملي موضع خلاف. ووفق تقارير حديثة، وافقت حماس مبدئياً على مسار نزع السلاح، لكن العملية لم تُختبر عملياً، فيما لم توافق إسرائيل على بدء وقف لمدة 14 يوماً قبل انطلاق عملية نزع السلاح.

وبالتالي، فإن القضية ليست مجرد إنشاء جهاز شرطة أو نشر قوة دولية؛ إنها إعادة تعريف لمصدر السلطة الأمنية داخل غزة. وهذه مسألة سياسية بقدر ما هي أمنية.

ثانياً: المال لا يكفي لإعادة بناء غزة

الاختبار الثاني اقتصادي.

فالـ2.45 مليار دولار المقترحة للمرحلة الأولى مخصصة لـ66 مشروعاً، بينها إزالة الركام، الإسكان المؤقت، إصلاح المستشفيات والبنية التحتية، وتنشيط الاقتصاد والخدمات الرقمية. ومن المقرر أن يبدأ التنفيذ تدريجياً من الجنوب، مع تقدم العملية شمالاً بالتوازي مع الترتيبات الأمنية والسياسية.

لكن حجم التمويل الأولي يظل صغيراً أمام حجم الكارثة.

فالتقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي يقدّر الأضرار المادية في غزة بنحو 35.2 مليار دولار، فيما تصل احتياجات التعافي وإعادة الإعمار إلى 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، بينها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية وإطلاق التعافي الاقتصادي.

وهنا يجب التمييز بين أمرين:

الخطة لا تدّعي أن 2.45 مليار دولار ستعيد بناء غزة؛ إنها محاولة لتمويل مرحلة الانطلاق.

لكن نجاح هذه المرحلة يتطلب أكثر من المال: يحتاج إلى أمن، وحرية وصول للمواد، وآليات شفافة للتمويل، وإدارة قادرة على تنفيذ المشاريع، وضمانات تحول دون إعادة تدمير ما يتم بناؤه.

وبذلك يصبح التمويل جزءاً من المعادلة السياسية، لا مجرد بند اقتصادي فيها.

ثالثاً: من يريد ماذا؟

هنا يدخل البعد الجيوسياسي.

الولايات المتحدة تريد تحويل الإطار الذي وضعته إدارة ترامب إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ على الأرض.

مجلس السلام يريد الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، وبناء إدارة جديدة قادرة على إدارة القطاع وإطلاق إعادة الإعمار.

إسرائيل تربط مستقبل الترتيبات الأمنية بمسألة نزع سلاح حماس، فيما يمثل حجم الانسحاب الإسرائيلي وطبيعة القوة الدولية وآلية إدارة الأمن نقاطاً حساسة في التنفيذ.

أما الفلسطينيون، فالمسألة بالنسبة إليهم لا تتعلق فقط بإعادة بناء المنازل والبنية التحتية، بل بمن يملك الشرعية السياسية لإدارة القطاع وما إذا كانت المرحلة الانتقالية ستقود إلى أفق سياسي فلسطيني أوسع.

ولهذا فإن «اليوم التالي» ليس مشروع إعادة إعمار فقط؛ إنه إعادة توزيع للسلطة داخل غزة وحولها.

رابعاً: رفح مختبر المرحلة

اختيار رفح كنقطة بداية يمنح الخطة بعداً عملياً بالغ الأهمية.

فالمشروع يقوم على تنفيذ تدريجي يبدأ من الجنوب ثم يمتد شمالاً، مع تقدم الترتيبات الأمنية والسياسية.

وبذلك تتحول رفح إلى اختبار مبكر للنموذج كله:

هل يمكن بناء إدارة مدنية جديدة في بيئة ما زالت تعاني من آثار الحرب؟

هل يمكن تأمين المشاريع وحمايتها؟

هل يمكن تدريب قوة أمنية فلسطينية جديدة ومنحها شرعية محلية؟

وهل تستطيع هذه التجربة أن تتحول من نموذج محدود إلى إطار لإدارة قطاع كامل؟

نجاح التجربة سيمنح الخطة زخماً عملياً. أما تعثرها فسيكشف أن المشكلة ليست في تصميم المشاريع، بل في البيئة السياسية والأمنية التي يفترض أن تحميها.

خامساً: الانتخابات الإسرائيلية واختبار القرار

يبقى العامل الإسرائيلي أحد أكثر عناصر المعادلة حساسية.

فانتخابات الكنيست مقررة في 27 أكتوبر 2026، وقد ربطت تقارير حديثة توقيت تنفيذ الخطة بالحسابات السياسية الإسرائيلية وبما سيأتي بعد الانتخابات. كما قال مسؤول في مجلس السلام إن قدرة المجلس على ممارسة الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو محدودة قبل الانتخابات، وأن هامش التأثير قد يتغير بعدها.

لكن اختزال التعطيل في الانتخابات وحدها سيكون تبسيطاً للمشهد.

فإلى جانب العامل الانتخابي، هناك خلافات تتعلق بنزع السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، وشكل القوة الدولية، ودور الإدارة الفلسطينية، وآليات التمويل، وحدود السلطة الجديدة.

لذلك قد تكون الانتخابات عامل توقيت وضغط سياسي، لكنها ليست بالضرورة التفسير الوحيد لتعقيدات التنفيذ.

الخلاصة: الاختبار ليس على الورق

تكشف خطة «اليوم التالي» عن محاولة للانتقال من إدارة نتائج الحرب إلى هندسة نظام جديد لإدارة غزة.

لكن الخطة تواجه معادلة شديدة التعقيد: لا يمكن بناء أمن مستقر من دون حسم مسألة السلاح، ولا يمكن إطلاق إعادة الإعمار من دون أمن، ولا يمكن تأمين التمويل من دون إدارة واضحة، ولا يمكن تثبيت الإدارة الجديدة من دون غطاء سياسي وشرعية فلسطينية.

لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست على عدد المشاريع ولا على حجم الأموال، بل على من يملك مفاتيح المرحلة المقبلة.

من يملك السلاح؟

من يملك القرار؟

من يحكم؟

من يدفع؟

ومن يضمن ألا يُعاد تدمير ما سيُبنى؟

هذه هي الأسئلة التي ستقرر مصير “اليوم التالي”.

فإعادة بناء غزة مسألة هندسية ومالية، لكن إعادة بناء قواعد القوة فيها مسألة سياسية وأمنية.

ومن هنا، فإن نجاح الخطة لن يتحدد بقدرتها على رسم غزة الجديدة على الورق، بل بقدرتها على فرض واقع تستطيع الأطراف المتنافسة — والفلسطينيون قبل غيرهم — أن تعيش معه.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى