خيارات الرياض الصعبة في اليمن: البحث عن الأقل كلفة
مع تزايد حدة التصعيد في اليمن تجد السعودية نفسها مجدداً أمام واقع معقد، كانت حتى الأمس القريب ترى نفسها قد تجاوزته أخيراً. ومع تجدد جولات التصعيد والضربات الجوية، يبرز حجم المأزق الذي يواجه مشروع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في وقت تسعى فيه الرياض إلى تركيز مواردها نحو مشاريع التحول الاقتصادي الداخلي. وبين ضغوط الولايات المتحدة التي تدير أولوياتها الإقليمية بمنأى عن ضمانات التدخل المباشر، وتصاعد أوراق الضغط الميدانية والبحرية التي تمتلكها صنعاء، تتضاءل خيارات المملكة بين الاستمرار في حرب استنزاف مكلفة، أو البحث عن مسارات تسوية سياسية تضمن حماية أمنها القومي واستقرار بيئتها الاستثمارية.
اتجهت الرياض، بالتوازي مع عودتها إلى القصف الجوي، نحو استهداف الجسور والأسواق والطرق الحيوية في مناطق يمنية بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة. وقد أفضت الغارات، وفق الحصيلة التي أعلنتها وزارة الصحة في صنعاء، إلى سقوط عشرات الضحايا والجرحى، فضلاً عن تعطيل طرق رئيسية تربط عدداً من المحافظات.
ويعكس استهداف هذه المنشآت محاولة للضغط على البيئة المدنية والاقتصادية لصنعاء، فيما يثير تجنب المواجهة المباشرة في مناطق الاشتباك تساؤلات حول حسابات المخاطر التي تحكم العمليات الجوية السعودية. غير أن هذه الضربات تفتح المجال أمام صنعاء لتوسيع معادلة الرد، بعدما توعدت بنقل المواجهة إلى منشآت حيوية داخل العمق السعودي، بما فيها العاصمة الرياض. وتكتسب هذه التهديدات أهمية إضافية مع الإجراءات التي اتخذتها السلطات السعودية، ومنها تعليق الدراسة الحضورية والتحول إلى التعليم عن بُعد، في أعقاب العملية الأخيرة التي أعلنت صنعاء تنفيذها.
في حين تواجه الرياض صعوبة في تحويل علاقاتها الاستراتيجية إلى دعم عسكري مباشر في مواجهة صنعاء. فرفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانخراط في عمليات عسكرية لصالح السعودية، بالتوازي مع استمرار التوجه نحو تفاهمات لوقف إطلاق النار مع صنعاء، يكشف حدود الرهان السعودي على واشنطن. وتزداد حساسية هذا الموقف في ظل ارتباط أمن المملكة بالشراكة الأميركية، التي تمنحها مظلة سياسية وعسكرية، فيما تحتفظ واشنطن بهامش واسع لإدارة أولوياتها الإقليمية وفق مصالحها الخاصة. ولم تنجح الرياض، وفق المعطيات الواردة، في استثمار علاقاتها مع تركيا وباكستان، ضمن الترتيبات التي عُرفت بـ”حلف مكة”، لتشكيل إطار قادر على التدخل العسكري. فالتفاهمات السياسية بين الدول لا تعني بالضرورة استعدادها لتحمل أعباء حرب مفتوحة، خاصة في ظل مخاطر اتساع المواجهة وارتفاع كلفتها من جهة، ومحدودية النتائج التي كانت قد حققتها الحرب التي قادها “التحالف” طيلة السنوات الماضية من جهة أخرى.
كما تبرز السيطرة الميدانية لصنعاء على محيط باب المندب بوصفها ورقة ضغط إضافية في المواجهة مع الرياض، فقد أعلنت سلطات صنعاء ارتفاع حركة السفن العابرة للمضيق، بالتزامن مع فرض قيود على عبور السفن السعودية، وهو ما يعكس اعتماد سياسة تستهدف طرفاً محدداً، مع إبقاء المجال الملاحي مفتوحاً أمام حركة التجارة الدولية. وتعزز الدوريات البحرية والاتصالات مع السفن حضور صنعاء في المنطقة، فيما تؤكد رسائلها الموجهة إلى ربابنة السفن التزامها، وفق موقفها المعلن، باستمرار الملاحة الدولية.
تتمثل العقدة الأساسية أمام محمد بن سلمان في العلاقة مع الولايات المتحدة، التي تشكل ركيزة رئيسية في منظومة الأمن السعودي، وتحدّ في الوقت نفسه من قدرة الرياض على بناء مسار مستقل لإدارة صراعاتها الإقليمية. فالمملكة تواجه واقعاً معقداً، إذ تحتاج إلى المظلة الأميركية، فيما لا تملك ضمانات بأن واشنطن ستخوض المواجهات التي تفرضها حساباتها الخاصة. كما أن استمرار الحرب يهدد البيئة الاستثمارية وأولويات التحول الاقتصادي، ويستنزف الموارد التي تسعى المملكة إلى توظيفها في مشاريعها التنموية. ومن شأن اتساع المواجهة أن يضاعف الضغوط على هذه المشاريع، ويعيد الأمن والاستقرار إلى صدارة التحديات التي تواجه الرياض.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




