
نشر مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وثيقة بعنوان “التصور الأمني لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو“، أُعدّت بمساعدة مجلس الأمن القومي. وتضمّنت الوثيقة عشرة مبادئ قدّمها نتنياهو بوصفها استجابة للتحولات التي فرضتها الحرب منذ السابع من أكتوبر 2023. وجاء النشر قبل تسعة أيام فقط من انتخابات الكنيست المقررة في 27 من الشهر نفسه، في وقت لا يزال فيه النقاش الإسرائيلي مفتوحًا حول إخفاق المنظومة الأمنية ومسؤولية القيادة السياسية عنه. وتنطلق هذه القراءة من فرضيتين. الأولى أن نتنياهو أعاد ترتيب مبادئ قديمة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية أكثر مما صاغ تصورًا جديدًا، وإن وسّع مكانة الهجوم الوقائي والاستقلال التسليحي. والثانية أن نشر الوثيقة باسم مكتبه يثبت تبنيها سياسيًا، لكنه لا يرقى إلى اعتماد حكومي لاستراتيجية أمنية ملزمة.
تقع الوثيقة في غلاف وصفحتين تعرضان التهديدات الرئيسة والمبادئ العشرة الموجِّهة للسياسة الأمنية. وتنطلق من تقييم نتنياهو للحرب بوصفها نجاحًا في إبعاد الخطر النووي وتقليص تهديد المحور الإيراني، ويبني على هذا التقييم دعوته إلى تقديم منع التهديدات ومهاجمتها قبل تحققها على احتوائها والدفاع في وجهها. وتبدأ المبادئ بمنع الخصوم من امتلاك السلاح النووي، بما في ذلك عبر عمليات هجومية استباقية. يليها تعزيز الردع بالقدرة على توجيه نيران دقيقة وكثيفة وتعطيل منظومات الخصم العسكرية والمدنية، ثم الإنذار المبكر القائم على جمع استخباري متواصل عن القدرات والنوايا، ثم المبادرة والخداع والتفكير النقدي والاستعداد لضربات مفاجئة. وفي الشق الدفاعي، تدعو الوثيقة إلى حماية الحدود ومنع التسلل وإقامة مناطق عازلة عند الحاجة، وإلى حماية الجبهة الداخلية من الهجمات والمسيّرات. كما تدعو إلى تطوير التحالفات وتقليص الاعتماد على الخارج في التسلح عبر توسيع الإنتاج المحلي والبحث والتطوير، مع أولوية خاصة للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والفضاء، وزيادة كبيرة في ميزانية الأمن.
أما المبادئ الثلاثة الأخيرة فتتناول الصراع على الوعي وتحقيق النصر والتماسك الداخلي. فهي تحث على توظيف التكنولوجيا في مواجهة إيران وخصوم “إسرائيل” إعلاميًا وسياسيًا، وعلى محاربة معاداة الصهيونية والسامية، وتعرّف النصر بتحطيم قوة الخصم وقناعته بقدرته على التهديد. ويربط مبدأ “روح الشعب” الأمن القومي بالطابع اليهودي للدولة، وبتشجيع الاستيطان في “أرض إسرائيل”، وبتعزيز الهجرة اليهودية. وتجمع قائمة التهديدات بين المحور الإيراني والمحور المرتبط بالإخوان المسلمين والجبهات الحدودية والتهديدات الداخلية، وتضيف إليها الأسلحة النووية والصواريخ الدقيقة والمسيّرات والمخاطر السيبرانية ومحاولات عزل “إسرائيل” دوليًا. وتعكس هذه القائمة مقاربة توسّع مفهوم الأمن القومي ليشمل التكنولوجيا والاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية والتماسك المجتمعي.
غير أن وضع هذه المبادئ في سياقها التاريخي يكشف محدودية الجديد فيها. فالركائز الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين صاغ ديفيد بن غوريون تصورًا قائمًا على الردع والإنذار المبكر والحسم. ثم أوصت لجنة دان مريدور العام 2006 بإضافة الدفاع ركيزة رابعة في ضوء تصاعد التهديد الصاروخي للجبهة الداخلية. ومع أن الحكومة لم تعتمد تقرير اللجنة رسميًا، فقد استقرت المبادئ الأربعة في التفكير الأمني الإسرائيلي قبل الحرب بسنوات. ويعيد نتنياهو طرح هذه المبادئ، لكنه يمنح “النصر” دلالة أوسع من الحسم. فهو لا يكتفي بإنهاء المواجهة وتحقيق تفوق واضح، بل يشترط تقويض ثقة الخصم بقدرته على التهديد مجددًا. وهذا توسيع للنتيجة المنشودة لا يرقى وحده إلى عقيدة جديدة.
والأمر نفسه ينطبق على مبدأ المنع، الذي مارسته “إسرائيل” قبل الحرب بعقود، من ضرب المفاعل العراقي العام 1981 والمنشأة السورية العام 2007 إلى سياسة “المعركة بين الحروب”. بل إن أفيتار متنيا ومناحيم بخراخ اقترحا، في دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي في شباط 2023، إضافة “المنع الاستراتيجي” ركيزة خامسة. وعليه، يكمن التغيير في رفع مكانة المنع ضمن الأولويات لا في استحداثه. ومع ذلك تُغفل الوثيقة التمييز بين إحباط هجوم وشيك ومنع امتلاك قدرات قد تصبح تهديدًا في المستقبل، رغم ما بين الحالتين من فارق في تقدير المخاطر واحتمالات التصعيد. وفي المجال التكنولوجي، تواصل الوثيقة مبدأ التفوق النوعي وحرية العمل العسكري، مع تركيز أكبر على المسيّرات والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية وإنتاج الذخائر محليًا، بعدما كشفت الحرب أهمية استمرار الإمدادات. لكنها لا تحدد مستوى الاستقلال المنشود ولا كلفته الاقتصادية ولا المجالات التي سيستمر فيها الاعتماد على الشركاء.
وتزداد الفجوة وضوحًا عند مقارنة الوثيقة بنتائج التحقيقات في إخفاق السابع من أكتوبر. فقد شملت مراجعة الجيش الإسرائيلي في تشرين الثاني 2025 خمسة وعشرين تحقيقًا، وكشفت إخفاقات في فهم حماس والإنذار المبكر والتعامل مع خطة “جدار أريحا”، وفي الجهوزية واتخاذ القرار. وأقرت المراجعة بأن الجيش امتلك معلومات كانت تستدعي رفع مستوى الإنذار، لكنها لم تتطرق إلى العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري. في المقابل، تناول تقرير مراقب الدولة للعام 2025 أثر غياب عقيدة أمن قومي رسمية على التخطيط وتحديد الأولويات والرقابة، من دون أن يثبت علاقة سببية مباشرة بالهجوم. ويشير الجمع بين المستويين العملياتي والمؤسسي إلى أن المعضلة تكمن في آليات التنفيذ والمراجعة والمحاسبة. وهذه بالضبط هي المسائل التي تتجاوزها وثيقة نتنياهو، إذ لا توضح حتى كيفية ترجمة “التفكير النقدي” الذي تدعو إليه إلى ممارسة مؤسسية.
وتؤكد المقارنة مع تصور “الأمن القومي 2030″، الذي عرضه نتنياهو على المجلس الوزاري المصغر في 15 آب 2018، هذا الاستنتاج. فبحسب مراقب الدولة، قام ذلك التصور على أربعة مصادر للقوة. الأول عسكري يشمل الردع والإنذار والدفاع والهجوم، والثاني اقتصادي، والثالث سياسي مرتبط بالتحالفات وحرية العمل، والرابع اجتماعي يستند إلى رأس المال البشري وصمود المجتمع. وشملت أولوياته القدرات الهجومية والسيبرانية والدفاع الصاروخي وزيادة الإنفاق الأمني. وتعيد وثيقة 2026 طرح معظم هذه الأولويات، مع اهتمام أكبر بالهجوم الوقائي والتفوق التكنولوجي والإنتاج المحلي، فيما تدمج الأبعاد الاجتماعية في مبدأ “روح الشعب” بعد أن كانت مصدرًا مستقلًا للقوة. ويعني ذلك أن الاختلاف يتعلق بترتيب الأولويات وطريقة العرض لا بتغيير المبادئ المؤسِّسة، وإن ظلت المقارنة محدودة بفعل عدم نشر النص الكامل لتصور 2018.
يبقى السؤال عن الصفة القانونية للوثيقة. فقد أوصى مراقب الدولة باعتماد عقيدة أمن قومي ونشرها بتوقيع رئيس الحكومة بعد المصادقة عليها. كما يُلزم “قانون استراتيجية الأمن القومي” للعام 2025 هيئة الأمن القومي بإعداد استراتيجية تتضمن تقييم التحديات والأهداف والبدائل عند تشكيل كل حكومة جديدة. ويوجب القانون اعتمادها خلال خمسة أشهر، وعرضها على لجنة الخارجية والأمن خلال 14 يومًا، ونشر ملخص علني لها. لكن الوثيقة لم تظهر على جدول أعمال الحكومة في 18 تشرين الأول ولا في قراراتها المنشورة، مع بقاء احتمال وجود إجراءات غير معلنة. وهي تكتفي بمبادئ وتهديدات عامة من دون بدائل أو آليات للتنفيذ والمراجعة. لذلك لا يستوفي نشرها المتطلبات القانونية، ولا تعادل مشاركة مجلس الأمن القومي في إعدادها مسار اعتماد مؤسسي. يضاف إلى ذلك أن المهلة القانونية لا تسري تلقائيًا على الحكومة القائمة.
وفي ضوء ذلك، يصعب فصل الوثيقة عن توقيتها الانتخابي. فقد نشرها نتنياهو قبل تسعة أيام من الاقتراع، وافتتحها باستعراض إنجازات عسكرية نسبها إلى حكومته، من دون أي مراجعة للسياسات والتقديرات التي سبقت السابع من أكتوبر. وبذلك تبدو أقرب إلى سجل انتخابي يقدّم القيادة السياسية بوصفها صاحبة الحل، بدل أن تضعها موضع المساءلة عن الإخفاق، وإن تناولت تحديات فعلية كشفتها الحرب، كالمسيّرات واستمرار الإمدادات العسكرية والجهوزية.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





