ضابط أمريكي: تصبحون على خير يا بغداد: القوات الأميركية تغادر العراق بعد 23 عاماً
يقول الضابط الأمريكي ” دان غرازيير” في هذا المقال الذي نشره موقع ” Responsible Statecraft” وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أنه لو أخبره أحد وهو يتفادى العبوات الناسفة في عام 2007 خلال تواجده في العراق، بأنه سيكتب في سنّ الـ48 عن الانسحاب النهائي، لكان تساءل في حينه عن سبب تواجده هناك. مشيراً الى أنه كان يعتقد في ذلك الوقت، أنهم يقاتلون الإرهابيين ويساعدون في بناء عراق حر. وبعد عقدين، لا يعرف حقاً لماذا كانوا يقاتلون هناك.
ويشار الى أن دان غرازيير هو محلل عسكري وقائد سابق برتبة نقيب في سلاح مشاة البحرية الأميركية، وقد شارك ضمن قوات الاحتلال الأمريكي في مهمات بالعراق وأفغانستان. أمّا الآن فهو مدير برنامج إصلاح الأمن القومي في مركز “ستيمسون” ولديه العديد من المقالات والمشاركات الإعلامية المتخصّصة بالشؤون العسكرية.
النص المترجم:
كانت حرب العراق قد دخلت عامها الرابع عندما نزلت من منحدر طائرة من طراز “سي-17” في قاعدة التقدم الجوية في نيسان/أبريل 2007. وحقيقة أنني أكتب هذه الكلمات اليوم دليل على أنني نجوت من تلك المهمة، ومن مهمة لاحقة في أفغانستان عام 2013.
في السنوات التي تلت ذلك، عدت إلى الحياة المدنية، وبدأت مسيرة مهنية جديدة، وشاهدت أطفالي يكبرون ويغادرون عشّ العائلة. وخلال معظم تلك الفترة، كان لا يزال هناك جنود أميركيون على الأرض في العراق.
لدي ابن يخدم في الجيش اليوم. لم يذهب إلى العراق قط، لكنني أستطيع بالتأكيد أن أتعاطف مع قدامى المحاربين في العراق الذين عادوا من الحرب، ليجدوا أبناءهم أو بناتهم يُرسلون إلى منطقة الحرب نفسها. وبما أن الخدمة العسكرية الأميركية أصبحت، بصورة متزايدة، شأناً عائلياً، فلا بد أن تكون هناك الكثير من أحاديث عيد الشكر التي يستمع فيها الأب إلى قصص ابنه عن العراق، ثم يروي بدوره حكايات مغامراته التي تبدأ بعبارة: “في أيام خدمتي في العراق…”
لو أخبرني أحد، وأنا كنت أتفادى العبوات الناسفة في صيف عام 2007، أنني سأُطلب مني، في سنّ الـ48، كتابة مقال عن آخر القوات الأميركية التي تغادر العراق اليوم، لكنت تساءلت، بحق، عمّا كانت الولايات المتحدة تفعله هناك. في ذلك الوقت، كنت أعتقد أننا نقاتل الإرهابيين ونساعد في بناء عراق حر. وبعد عقدين، لا أعرف حقاً لماذا كنا نقاتل هناك.
لكنني أعرف أنني ومشاة البحرية الذين كنت أخدم معهم نجونا من بعض المواقف التي كنا فيها على مسافة قريبة جداً من الموت. وأعرف أيضاً أن نحو 5 آلاف أميركي لم ينجوا من مهامهم في العراق منذ غزو عام 2003، إلى جانب مئات الآلاف من الضحايا بين المتعاقدين الأميركيين وحلفائنا والشعب العراقي.
أحد الأسئلة التي أتصارع معها اليوم هو: لو قُتلت في العراق، فما الغاية التي كان سيخدمها موتي؟ ليست لدي إجابة جيدة عن هذا السؤال، وحقيقة أن آخر الأميركيين يعودون اليوم من العراق، بعد 19 عاماً، تقودني إلى الاعتقاد بأنني لن أجد إجابة عنها أبداً. قاتل جدي في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. وكان بإمكانه القول إنه ساعد في هزيمة الاستبداد، لأن حربه انتهت بينما كان لا يزال شاباً. أما أنا، فقد شاهدت أشخاصاً يواصلون الذهاب إلى الحرب التي خضتها، بعدما دخلت مرحلة منتصف العمر.
في هذه المرحلة، لا أريد حقاً إجابة عن سؤالي. لكنني أود أن أرى كل ما فُقد في العراق: الأشخاص الذين قُتلوا، والحيوات التي تحطمت لمن عادوا، والموارد، وحتى جزءاً من براءتنا الجماعية، يتحول من الهدر الذي يمثله اليوم إلى تضحية. يقدّم الناس والمجتمعات التضحيات من خلال التخلي عن شيء ذي قيمة من أجل غاية مفيدة. وأفضل طريقة لتحويل كل ما فُقد في العراق إلى تضحية هي أن نتعلم الدروس الصحيحة من هذه التجربة، ثم نطبّقها على نحو سليم في المستقبل.
أحد هذه الدروس هو حدود العمل العسكري. بدأت حرب العراق في ظروف يمكن، من باب الإنصاف، وصفها بأنها موضع شك، ثم تاهت عبر مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات، التي اشتركت جميعها في هدف غامض واحد هو إقامة حكومة مستقرة وديمقراطية في بغداد. أطاحت القوة العسكرية بحكومة صدام حسين خلال شهر واحد. ثم احتاج الجيش، مدعوماً بكل عناصر القوة الوطنية، إلى أكثر من عقدين حتى يقترب من تحقيق ذلك الهدف. أما بغداد اليوم، فهي أقل خضوعاً لديكتاتور واحد، لكنها لا تزال مكبّلة بطرق كثيرة — اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. وهي أكثر قرباً من إيران وأكثر طائفية، مع فصائل تشعر إلى حد كبير بالارتياح لرؤيتنا نرحل.
وفي الواقع، بينما يغادر اليوم مئات الجنود المتبقين بموجب اتفاق أميركي-عراقي، تطلق بغداد أربعة “أيام للسيادة” لإحياء ذكرى هذه المناسبة.
العراق وأفغانستان وليبيا، والآن إيران، كلها قصص تحذيرية. وليس من الملاحظات الجديدة إطلاقاً القول إن بدء الحرب أمر سهل نسبياً، أما إنهاؤها فمسألة مختلفة تماماً. الولايات المتحدة بارعة إلى حد كبير في بدء الحروب، لكن سجلها في الطرف الآخر من العملية ليس جيداً. ومن أفضل الأمور التي يمكننا فعلها كمجتمع من أجل أولئك الذين فقدناهم في جميع صراعاتنا الأخيرة هو تجنّب العملية الفوضوية لإنهاء الحرب، من خلال عدم البدء بها أصلاً.
وخلال نزهة في حيّي في أرلينغتون يوم الأحد، مررت حول النصب التذكاري للحرب التابع لسلاح مشاة البحرية. وقد نُقشت أسماء جميع الحملات التي قاتل فيها مشاة البحرية، وسنواتها، حول القاعدة المصنوعة من الغرانيت الأسود للنصب. وتحمل الكتابات الخاصة بأفغانستان والعراق سنة البداية، لكن أياً من النصبَين التذكاريين لا يحمل تاريخاً للنهاية. ويحيط بالنصب حالياً سياج من الأسلاك، بينما يعمل العمال على ترميم التمثال الشهير. وآمل بصدق أن يتضمن هذا المشروع نقش تاريخي انتهاء الحربين، بوصف ذلك دليلاً ملموساً على أنهما انتهتا بالفعل وبصورة نهائية.
وأدعو بصدق إلى أن يمر وقت طويل قبل أن تُضاف حملة أخرى.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




