صحافة

الانتخابات الإسرائيلية بين “التأسيس الثاني” وهندسة الإقليم

تقترب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، ويغلب على قراءتها التعامل معها استفتاءً على بقاء بنيامين نتنياهو أو رحيله، أو منافسةً بين معسكرات تتوزع وفق مواقفها من قضايا الداخل، كالأمن ومكانة الدين في الدولة، سواء قُسِّمت إلى مؤيدين لنتنياهو ومعارضين له، أو أُضيف إليها الصوت العربي، أو جرى تفكيكها إلى يمين ويمين وسط ويمين أكثر تشددًا. غير أن هذه القراءة، على أهميتها، لا تستوفي المعنى الأبعد للاستحقاق، وهو المعنى الأوثق صلة بالمنطقة العربية ومستقبلها.

فهذه أول انتخابات تُجرى بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتأتي في قلب مسار من الحروب لم يُغلق بعد، وستسهم نتائجها في رسم مآلاته. وتتقاطع في خلفيتها أسئلة إسرائيلية من قبيل: أي إسرائيل ينبغي أن تخرج من هذه المرحلة؟ وأي “نصر” يمكنه أن يمحو أثر “طوفان الأقصى” ويطوي صفحته؟ في مقابل سؤال عربي وإقليمي أكثر إلحاحًا: إلى أين ستنتهي تداعيات تلك اللحظة، وأي نظام إقليمي سيتشكل على أنقاض الحروب التي تلتها؟ وفي هذا الأفق تبرز سرديتان رئيسيتان، تنطلقان من الحدث نفسه وترفعان العنوان ذاته، أي “إعادة الأمن” و”طمأنة” إسرائيل، لكنهما تفترقان في المنطلق والمآل، فالأولى إسرائيلية في جوهرها، تسعى إلى إعادة تأسيس المجال الأمني والسياسي لإسرائيل بالقوة وما تفرضه من وقائع، والثانية أميركية في جوهرها، تسعى إلى تحويل نتائج القوة الإسرائيلية إلى نظام إقليمي جديد تكون إسرائيل في مركزه.

السردية الإسرائيلية: من استعادة الردع إلى “التأسيس الثاني”

انطلقت الحرب على غزة تحت عنواني الثأر واستعادة الردع، وبهدف معلن هو القضاء على قدرات حماس العسكرية والحكومية واستعادة الأسرى. لكنها سرعان ما تجاوزت فكرة العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر، إذ صار الهجوم في الخطاب الإسرائيلي دليلًا على أن ذلك الوضع نفسه لم يعد صالحًا، فبدت إسرائيل كأنها ترتد إلى لحظة التأسيس بذريعة مواجهة سؤال وجودي. وكان نتنياهو في طليعة من أضفى على الحرب هذا البعد، فبعد تسعة أيام فقط من الهجوم أعلن أمام الكنيست أن “حرب الاستقلال لم تنته”، ثم وصف توسيع العملية البرية بأنه “حرب الاستقلال الثانية”، مستحضرًا أسئلة عام 1948 وكأن ثمة مهام لم تُستكمل حينها ويجب استدراكها الآن.

وجد هذا المنطق ترجمته في طروحات تهجير سكان غزة وإعادة الاستيطان فيها، وهي طروحات صدرت عن المستوى الوزاري قبل غيره. واللافت أن مفاهيم كانت تُنسب قبل الحرب إلى أقصى اليمين قد انتقلت إلى صلب النقاش الأمني؛ فسموتريتش كان قد قال لنواب عرب عام 2021 إن بقاءهم يعود إلى أن بن غوريون لم “يكمل المهمة” ويطردهم. وفي السياق ذاته بلغ رفض الدولة الفلسطينية ذروته، فصوّت الكنيست في يوليو/تموز 2024 بأغلبية 68 صوتًا مقابل 9 على اعتبارها “خطرًا وجوديًّا”، ثم أقرّ بعد عام إعلانًا بتأييد 71 عضوًا يدعو إلى فرض السيادة على المستوطنات في الضفة الغربية وغور الأردن، ربطه مقدموه بادعاء “حق تاريخي”، ووصف أحدهم السيادة بأنها “صورة النصر”.

من هذا المنظور، لا تعود الحرب، بما تحمله من مطالب تمس سيادة دول الجوار عبر المناطق العازلة وحرية الحركة العسكرية في أراضيها، مجرد ترميم لردع انهار، بل محاولة لإعادة تعريف شروط الأمن والوجود الإسرائيلي بمعايير أشد تطرفًا. ويتجلى ذلك في مفهوم «النصر الكامل» الذي ظل بلا تعريف نهائي، يتمدد كلما اتسع مفهوم «التهديد»، وقد يبلغ حد اختلاق تهديدات وهمية، فيتعذر تحديد نقطة سياسية تتوقف عندها الحرب أو يبدأ منها تفاوض جاد. ولم يعد النصر، في أكثر الطروحات تشددًا، مرتبطًا باستعادة الأسرى أو بتفكيك حماس، بل بات يقترب من إنهاء الوجود الفلسطيني في غزة، وضم الضفة وصولًا إلى تهجير أهلها، وإقصاء فلسطينيي الداخل، أصحاب الأرض، عن أي مشاركة في الحكم، وفرض اتفاقات على السلطة الفلسطينية تقوم على التخلي عن أي كيان سياسي، وعلى الدول العربية المجاورة اتفاقات مدخلها التخلي عن القضية الفلسطينية وتقديم الأمن الإسرائيلي على سيادتها وأمنها.

هكذا تتحول الحرب إلى «تأسيس ثانٍ» بشروط مفتوحة على أقصى اليمين، وإذا كان بعض هذه السردية مرتبطًا بنتنياهو ويضعف بخروجه، فإن بعضها الآخر بات متجذرًا في إعادة تعريف الأمن الإسرائيلي ذاته، لا سيما أن السابع من أكتوبر، في ضوء الهواجس المتصلة بـ”لعنة العقد الثامن”، كشف عن قضايا تأسيسية لم تُحسم وعادت لتطارد إسرائيل.

السردية الأميركية: النصر بإقليم مختلف

في المقابل، تشكّلت سردية أميركية نابعة من دعم واشنطن المطلق لإسرائيل، لكنها حمّلتها مصالحها الخاصة. فقد ساندت إدارة بايدن الحرب رغم مستويات القتل غير المسبوقة، لكنها سعت في الوقت ذاته إلى ضبط تعريف “النصر” وتوظيف نتائج الحرب لإعادة تشكيل الإقليم بما يحفظ الشروط الأمنية الإسرائيلية ويدمج إسرائيل في المنطقة. وقد ربط بايدن الهجوم مبكرًا بمسعى حماس إلى تعطيل التقارب السعودي الإسرائيلي، فيما رأى بلينكن أن «أقوى رد» على إيران وحماس هو تطبيع إسرائيل علاقاتها مع دول المنطقة. ثم حاولت الإدارة رسم حدود للحرب، فأعلن بايدن أن حماس لم تعد قادرة على تكرار هجوم مماثل، ورأى في اغتيال يحيى السنوار فرصة لإنهاء الحرب والانتقال إلى “اليوم التالي”. وبهذا صار المخرج المطروح “عملية سلام” إقليمية واسعة، تنسج شبكة من المصالح في الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والممرات الاقتصادية.

وقد خدمت التحولات الإقليمية هذه السردية، من سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى إضعاف حزب الله وتراجع النفوذ الإيراني. ولم تنته بخروج بايدن، بل عادت مع ترامب إلى منطلقها، أي “اتفاقات أبراهام”، ضمن مسار أميركي متصل يجمع ملفات المنطقة في اتجاه واحد: احتواء إيران، ودمج “إسرائيل” في ترتيبات أمنية واقتصادية مع العرب، وتسوية ملفات غزة ولبنان وسوريا. وفي هذا الإطار تتحول سوريا ولبنان من ساحتي مواجهة إلى مسارين تفاوضيين مع “إسرائيل”، وتفيد تقارير “أكسيوس” بأن إدارة ترامب تضع في حسابها صراحة الحكومة التي ستفرزها الانتخابات. وتحمل هذه السردية معنى “إنقاذ “إسرائيل” من نفسها”، أي حماية ما حققته بالقوة من الاستنزاف، وتحويله إلى مكاسب سياسية مستدامة، مع نافذة زمنية تمتد نحو عامين من ولاية ترامب.

تفترق السرديتان إذن في تعريف النصر ونقطة نهايته، فالأولى تراه في إعادة تشكيل المجال الإسرائيلي بالقوة وبشروط تتسع بلا حد، والثانية تراه في استثمار نتائج القوة لبناء إقليم تكون فيه إسرائيل مندمجة ومحصنة، وإيران أضعف وأكثر احتواءً. ولن تحسم الانتخابات الخيار بينهما لأنهما متداخلتان أصلًا، بل قد تحدد من يدير العلاقة بينهما، فنتنياهو جمع بين خطاب “التأسيس الثاني” وتوظيف نتائجه العسكرية في السردية الأميركية، فيما قد تعيد حكومة بديلة، لا سيما بحضور غادي أيزنكوت، ترتيب الأولويات دون قطيعة مع أي منهما. ويبقى مآل المشروعين رهن البيئة الإقليمية، وفي قلبها إيران التي تباطأ انحسار نفوذها، ولا تزال قادرة على استعادة زمام المبادرة في لبنان واليمن أو رفع كلفة تراجعها. فالسؤال الحقيقي ليس أي السرديتين ستنتصر، بل أين ومتى ستُرسم نقطة الانتقال من القوة إلى السياسة، وعلى حساب من.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى