صحافة

أفول الهيمنة الأميركية: بين التراجع النسبي وفرضية الانهيار

أفول

تتناول الدراسة أدناه، سؤال «سقوط أميركا» الذي عاد إلى الواجهة في السنوات الأخيرة. وتنطلق من أن هذا النقاش لم يعد قائماً على توقّعات نظرية فقط، بل على تحوّلات ملموسة، منها تنامي حضور «بريكس» ومنظمة شنغهاي، وتضخّم الدين الأميركي، وصعود الصين منافساً تكنولوجياً واقتصادياً، واتجاه دول عديدة إلى تعزيز احتياطاتها من الذهب، وتراجع حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية إلى ما دون 60%. ويرى الكاتب أن هذه المؤشرات لا يصحّ تجاهلها بوصفها دعاية مضادة، ولا يصحّ في الوقت نفسه اعتبارها دليلاً قاطعاً على انهيار وشيك. فالخطأ الشائع عنده هو الخلط بين ثلاثة أمور: الأزمة الأميركية، والانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب، وانهيار الدولة أو النظام الذي تقوده.

ولهذا تبدأ هذه الدراسة للدكتور وائل شري، بضبط مفهوم «الانهيار»، فتميّز بين انهيار الدولة وانهيار النظام السياسي وتراجع الهيمنة الدولية. وتعتمد المستوى الأخير مفهوماً إجرائياً لها، مع التفريق بين التراجع المطلق، أي تآكل قدرات الدولة قياساً بماضيها، والتراجع النسبي، أي نموّها بوتيرة أبطأ من منافسيها. ثم تعود إلى تجارب تاريخية لتبيّن أن نهايات الإمبراطوريات مسارات طويلة لا أحداث مفاجئة. فبريطانيا فقدت هيمنتها تدريجياً ومن دون أن تنهار الدولة، وانتقلت الصدارة النقدية من الإسترليني إلى الدولار عبر مرحلة طويلة من التعايش والتنافس. وتعثّرت إسبانيا والدولة العثمانية في سداد ديونهما واستمرّتا عقوداً بعد ذلك. أما الاتحاد السوفياتي فتفكّك بعد تآكل اقتصادي طويل سبق لحظة السقوط السريعة. ويستخلص الكاتب من ذلك قاعدة أساسية: لا تسقط القوة العظمى عند أول عجز أو أول منافس، بل حين تتزامن أزماتها المالية والإنتاجية والتكنولوجية والمؤسسية والعسكرية وتطول حتى تعجز الدولة عن تصحيحها.

وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى خصوصية الحالة الأميركية، فتشرح أن قوة الولايات المتحدة متعددة المصادر ومترابطة. فهي تقوم على اقتصاد واسع ومتنوّع، وعلى دولار ما زال يشكّل نحو 57% من الاحتياطيات العالمية ونحو 89% من تداولات سوق الصرف، وتدعمه «تأثيرات الشبكة» التي ترفع كلفة الانتقال إلى بديل. ويُضاف إلى ذلك سوق سندات خزانة تتجاوز 28 تريليون دولار، ومنظومة علمية وتكنولوجية تتفوّق بفارق كبير في الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي، وإنفاق عسكري يقارب 954 مليار دولار مع شبكة تحالفات وقواعد ممتدة. غير أن الكاتب يلفت إلى نقاط ضعف تضغط على هذه الركائز نفسها، كارتفاع الدين وكلفة الفوائد، والاستقطاب السياسي، وضعف الثقة بالمؤسسات، والفوارق الاجتماعية. ويطرح في هذا السياق فرضية «التمدّد الاستراتيجي المفرط»، أي أن تنمو الالتزامات بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على تمويلها.

وفي المقابل، تتساءل الدراسة عمّا إذا كانت الصين هي الوريث الجاهز. فتعرض ثقلها الاقتصادي والصناعي: ناتج محلي يقارب 19.5 تريليون دولار، وصادرات بنحو 3.77 تريليونات، وهيمنة على نحو 85% من القدرة التصنيعية في سلسلة الطاقة الشمسية و80% في بطاريات الليثيوم. لكنها تخلص إلى أن هذا الثقل لا يتحوّل تلقائياً إلى قدرة على قيادة النظام الدولي. فاليوان لا يتجاوز نحو 2% من الاحتياطيات العالمية بسبب ضوابط رأس المال، وتواجه بكين تحديات داخلية تشمل الشيخوخة السكانية وأزمة العقارات ومديونية الحكومات المحلية، كما أنها لا تملك شبكة تحالفات عالمية تضاهي الشبكة الأميركية. لذلك فالأثر الأرجح لصعودها هو إنهاء مرحلة الانفراد الأميركي، لا الحلول محلّ واشنطن في كل وظائف القيادة. وبالمنطق نفسه تقيّم الدراسة مسار «نزع الدولرة» ومبادرات «بريكس» وشنغهاي، فتراها بدائل جزئية ومجزّأة توسّع خيارات الدول وتقلّص بعض أوجه النفوذ الأميركي تدريجياً. لكنها لم ترقَ بعد إلى منظومة متكاملة تؤدي وظائف الدولار، لأن ذلك يتطلّب أصولاً سائلة وأسواقاً عميقة وضمانات قانونية وقدرة على توفير السيولة في الأزمات، لا مجرد قرار سياسي.

ثم تقترح الدراسة إطاراً تحليلياً من عشرة مؤشرات يصبح عندها الحديث عن انهيار الهيمنة جدياً. ومن أبرزها فقدان الدولار المركز الأول لا مجرد تراجع حصته، وظهور سوق آمنة بديلة لسندات الخزانة، وفقدان الريادة التكنولوجية، وركود طويل في الإنتاجية، وأزمة مالية تجعل تثبيت الدين مستحيلاً، وتفكّك التحالفات، وظهور قوة أو ائتلاف قادر على توفير السلع العامة للنظام العالمي. ويؤكّد الكاتب أن العبرة ليست بعدد المؤشرات المتحقّقة، بل بشدّتها واستمرارها وتفاعلها، وبقدرة المؤسسات على معالجتها. وعلى هذا الأساس يرسم خمسة مسارات محتملة لمستقبل القوة الأميركية:

– استمرار القيادة بهيمنة أقل اتساعاً.

– تعدّد مراكز القوة من دون تساويها.

– تراجع عميق ومستمر يشبه بعض جوانب التجربة البريطانية.

– تجدّد القوة الأميركية إذا تحوّلت استثمارات الذكاء الاصطناعي والطاقة إلى إنتاجية فعلية.

– أزمة كبرى تسرّع قيام نظام دولي موازٍ قد ينتهي بانقسام العالم بين منظومتين.

وتخلص الدراسة في خاتمتها إلى أن أميركا ليست قدراً، وأن سقوطها ليس حتمياً. فالولايات المتحدة تواجه ضغوطاً جدية، لكنها ما زالت تملك قدرات كبيرة على التكيّف. وجوهر ما يجري هو تراجع نسبي يضيّق الفارق بينها وبين الآخرين، فتبقى قوية لكنها أقل قدرة على استخدام قوتها بالشروط التي اعتادتها. والسؤال الحقيقي عند الكاتب ليس انتظار «السقوط»، بل ما إذا كانت واشنطن قادرة على تجديد مصادر قوتها بالسرعة التي تتزايد بها الضغوط، وما إذا كان الآخرون قادرين على بناء بدائل قابلة للاستمرار. وبذلك تبدو الهيمنة الأميركية مرحلة تاريخية قابلة للتغيّر، لا قدراً نهائياً لشعوب العالم.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى