صحافة

الانسحاب الأميركي من العراق: يوم السيادة واختبار ما بعد الوجود العسكري

دخل العراق اليوم، في 30 أيلول/سبتمبر 2026، مرحلة جديدة مع الإعلان الرسمي عن انتهاء المهمة العسكرية وانسحاب آخر القوات الأميركية من قواعدها، وفي مقدمتها قاعدة أربيل الجوية. وأعلنت وزارة الحرب الأمريكية البنتاغون أن مغادرة القوات والمعدات من القاعدة تمثل “النهاية الرسمية لعملية العزم الصلب في العراق”، التي بدأت قبل 12 عاماً تحت ذريعة مواجهة تنظيم داعش الوهابي الإرهابي.

وفي بغداد، حملت المناسبة دلالة سياسية وطنية، تمثّلت بإعلان رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، خلال الحفل الرسمي بمناسبة “يوم السيادة”، أن العراق ينتقل إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره. ووضع الزيدي هذا التحول في سياق مسار طويل من التضحيات التي قدمها العراقيون والقوات المسلحة في مواجهة الإرهاب، معتبراً أن ما تحقق اليوم هو ثمرة سنوات من إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، وحشد الموارد وتوحيد الجهود واستعادة زمام المبادرة.

وفي كلمته، أشار الزيدي إلى أن هبة الشعب العراقي إلى جانب القوات المسلحة شكّلت نقطة انطلاق لإعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة، فيما ساهم دعم الدول الصديقة في مساندة العراق خلال تلك المرحلة. مشدّداً على أن ما حصل اليوم لا يعني “انتهاء المعركة مع الإرهاب، بل يعني انتقال مسؤولية هذه المعركة إلى مؤسسات الدولة العراقية بصورة كاملة”.

وهنا تبرز أهمية التحدي المستقبلي الموجود أمام الحكومة العراقية، حيث في الوقت الذي أعلن فيه البنتاغون أن القوات الأميركية أنهت وجودها العسكري في العراق، أعلن ما وصفه بانتقال العلاقة إلى نمط ثنائي يتضمن استمرار أشكال محددة من التدريب والدعم الاستخباري، وهو ما قد يشكّل بوابة لاستمرار الاستباحة الأمريكية الأمنية والاستخباراتية خاصةً من خلال تحليق طائراتها في الأجواء العراقية.

الإعلام التابع لأمريكا يثير المخاوف

غير أن اللافت في المشهد لم يكن فقط إعلان الانسحاب، بل الطريقة التي تناولت بها وسائل الإعلام الأميركية والغربية والعربية التي تدور في فلك أمريكا تداعيات الانسحاب الأمريكي. فقد بدا واضحاً حجم القلق من اليوم التالي، إذ ركزت تغطيات واسعة على احتمالات “الفراغ الأمني”، وتعاظم نفوذ ما وصفته بـ”الفصائل المتحالفة مع إيران”. وذهبت صحيفة “واشنطن بوست” إلى توصيف الانسحاب باعتباره تحولاً في ميزان القوى لمصلحة إيران، فيما تناولت “وول ستريت جورنال” الرحيل من زاوية المخاطر التي قد تواجه العراق بعد خروج القوات الأميركية.

وتكشف هذه التغطية عن مفارقة لافتة: فواشنطن تعلن أن مهمتها العسكرية نجحت، وأن القوات العراقية باتت قادرة على تولي الملف الأمني، لكنها في الوقت نفسه تبدو شديدة الانشغال بما قد يترتب على غيابها. وقد ركزت وسائل الإعلام الأميركية على قوة الفصائل العراقية، وعلى احتمال توسع “النفوذ الإيراني”. وهنا تحديداً تظهر حالة القلق التي رافقت المشهد الأميركي. فالتغطية لم تتعامل مع الانسحاب باعتباره مجرد تنفيذ لاتفاق سابق بين بغداد وواشنطن، بل كتحول يحمل كلفة استراتيجية محتملة للولايات المتحدة الأمريكية.

وعليه، يشكّل 30 أيلول/سبتمبر محطة فاصلة في تاريخ العراق الحديث. فبالنسبة إلى الحكومة العراقية، هو يوم إعلان استعادة المسؤولية الكاملة عن القرار الأمني والعسكري والسيادي؛ أما بالنسبة إلى واشنطن، فهو نهاية مرحلة عسكرية طويلة مع الإبقاء على أدوات نفوذ أخرى عبر العلاقات الثنائية والتعاون الاستخباري والتدريب. وهنا يظهر الاختبار الحقيقي في قدرة الدولة العراقية على تحويل الانسحاب من مجرد خروج ظاهري للقوات الأمريكية إلى تثبيت فعلي لسيادة الدولة، وقدرتها على اتخاذ أي قرار دون الخشية من ردة فعل أمريكية عسكرية كانت أم حتى اقتصادية.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى