الذكاء الاصطناعي في آلة الحرب الإسرائيلية: اتجاهات التوظيف وحدود الفاعلية

شكّل السابع من أكتوبر 2023 لحظة كاشفة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فالمؤسسة التي بنت تصورها لأمنها القومي على معادلة “القلة في مواجهة الكثرة”، ورأت في التفوق النوعي تعويضاً عن اختلال الميزان الديموغرافي والمادي، وجدت نفسها أمام اختبار قاسٍ لهذه المعادلة. فقد أخفق التفوق التكنولوجي والاستخباري الذي طالما جرى تسويقه في منع أكبر مفاجأة أمنية في تاريخها. وبدل أن تدفع هذه الصدمة إلى مراجعة فرضيات التفوق نفسها، دفعت “إسرائيل” إلى مضاعفة الرهان عليه، فانتقلت التقنيات المتقدمة من موقع الأداة المساندة إلى موقع المحرّك المركزي للجهد الحربي والاستخباري.
وقد تجلّى ذلك في حرب الإبادة على قطاع غزة، ثم في الحروب على لبنان وإيران. فأنظمة الذكاء الاصطناعي دخلت في بناء بنوك الأهداف وتوجيه المنظومات النارية وإدارة القيادة والسيطرة، وتوسّع توظيف الفضاء السيبراني والأقمار الصناعية والوسائط ذاتية الحركة. غير أن هذا التحول لا يُقرأ بوصفه إنجازاً تقنياً محايداً، كما يحاول الخطاب العسكري الإسرائيلي تقديمه تحت عناوين “الدقة” و”الكفاءة”. فالمعطيات التي كشفتها تحقيقات صحفية، ومنها الاعتماد على قوائم استهداف مولّدة آلياً بهامش خطأ معلن ودون تدقيق كافٍ، تدل على أن الأتمتة اختزلت الفلسطيني إلى مؤشرات في قاعدة بيانات، وسهّلت القتل الجماعي بدل أن تحدّ منه.
ومع ذلك تكشف التجربة أن هذا التفوق أبعد ما يكون عن الحسم. فالأنفاق في غزة والمسيّرات الانقضاضية في جنوب لبنان والضربات الإيرانية التي استهدفت بنية الاستشعار لدى خصومها أظهرت أن الأدوات غير المتناظرة قادرة على تقليص أثر التفوق التقني وفرض كلفة عالية عليه. كما أن هذا التفوق لا يعوّض النقص المتعاظم في القوة البشرية، مع اتساع الحروب واستمرار رفض التيار الحريدي الخدمة العسكرية، ولا يلغي اعتماد “إسرائيل” على الدعم الأمريكي المباشر وعلى شركات التقنية العالمية.
من هذا المنطلق، أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ورقة علميّة جديدة بعنوان “اتجاهات توظيف التقنيات الإسرائيلية المتقدمة بعد السابع من أكتوبر“، أعدّها الدكتور صالح النعامي. وتشمل الورقة العلمية توظيف “إسرائيل” للتقنيات المتقدمة في الجهدَيْن الحربي والاستخباري بعد 7 أكتوبر 2023، ولا سيّما أنظمة الذكاء الاصطناعي والتطبيقات المستندة إلى الفضاء السيبراني، إلى جانب الأقمار الصناعية والوسائط المؤتمتة.
وبحثت الورقة مكانة التقنيات المتقدمة في استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي، والبُنى المؤسساتية والتنظيمية في الجيش والاستخبارات الإسرائيلية المسؤولة عن تطويرها وتوظيفها، واتجاهات استخدامها وآثارها في حرب الإبادة في قطاع غزة والحروب ضدّ إيران ولبنان، إضافة إلى العوامل التي تقلّص من فاعلية توظيفها.
واستعرضت الورقة أبرز البُنى المؤسساتية المسؤولة عن تطوير التقنيات المتقدمة وتوظيفها، ومن بينها وحدة 8200، ووحدة 3060، ووحدة 9900، ووحدة 81، ووحدة “متسفان”، ووحدة تشفير المعلومات “متسوف”.
كما تناولت الورقة اتجاهات توظيف الذكاء الاصطناعي بعد السابع من أكتوبر، موضحةً استخدامه في جمع المعلومات وبناء بنوك الأهداف، وزيادة الفاعلية النارية والتوجيه ودقة الإصابة، والتأثير على وعي “العدو”.
وأشارت الورقة إلى أنّ اتساع نطاق توظيف “إسرائيل” للتقنيات المتقدمة في الجهدَيْن الحربي والاستخباري لا يلغي محدودية فاعليتها في تحقيق أهداف الأمن القومي الإسرائيلي، إذ لم يضمن التفوق التكنولوجي عدم التعرض لمفاجآت استراتيجية، كما أظهرت أحداث السابع من أكتوبر قدرة حركة حماس على مفاجأة الجيش الإسرائيلي.
وخلصت الدراسة إلى أنّ التفوق الإسرائيلي في تطوير التقنيات المتقدمة وتوظيفها في الجهدَيْن الحربي والاستخباري يعود بشكل أساسي إلى الاستثمار في البحث والتطوير المستند إلى توجّه مؤسساتي استراتيجي يهدف إلى دمج تطبيقات التقنيات المتقدمة في مناهج بناء القوة التي يعتمدها الجيش والاستخبارات الإسرائيلية. وأنّ غياب توجّه عربي مؤسساتي مماثل للاهتمام بتطوير التقنيات المتقدمة أسهم في تكريس التفوق التكنولوجي الإسرائيلي.
وأضافت الدراسة أنّ الأطراف العربية والإسلامية التي استهدفتها “إسرائيل” بعد السابع من أكتوبر نجحت في تقليص قدرتها على استغلال هذا التفوّق، وأنّ توظيف “إسرائيل” للتقنيات المتقدمة في المجال الحربي لا يمكن أن يغطي على النقص المتعاظم في القوة البشرية المتاحة للخدمة العسكرية. وبالتالي، يسمح هذا الواقع للأطراف العربية والإسلامية بتحدي التفوق التكنولوجي الإسرائيلي من خلال الدمج بين استغلال ما تحوزه هذه الأطراف من وسائل تكنولوجية واستنفاذ الطاقة الكامنة في تفوقها الديموجرافي.
لتحميل الدراسة من هنا
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




