صحافة

الرياض تبحث عن مظلة: حدود الاعتماد السعودي على الخارج في مواجهة تقدم أنصار الله

في ظل التطورات المتسارعة على الساحل الغربي لليمن، وسيطرة أنصار الله على المخا وذو باب وصولاً إلى باب المندب، وجدت الرياض نفسها أمام اختبار لم تألفه، فاندفعت في جولة بحث عن حلفاء يقفون في وجه هذا التقدم، من الولايات المتحدة غرباً إلى تركيا ومصر و”إسرائيل” شمالاً وباكستان شرقاً. غير أن هذا السعي المضني لم يسفر حتى الآن عن شيء ملموس، وهو ما يعيد طرح سؤال قديم عن بنية الأمن السعودي ومدى ارتهانها للخارج.

لم يكن هذا الارتهان وليد اللحظة، فقد اعتمدت المملكة لعقود على حلفاء خارجيين في حماية نفسها، سواء بنشر قواتهم على أراضيها أو بالدعم اللوجستي والتدريب أو باستيراد السلاح بمستويات قياسية. بدأ ذلك مع تمركز القوات الجوية الأمريكية في قاعدة الأمير سلطان جنوب الرياض منذ عام 1979، وهي قاعدة أدت دوراً محورياً في حرب الخليج وفي غزو العراق عام 2003، وتستضيف الجناح الجوي الاستكشافي 378 وبطاريات باتريوت وثاد وطائرات التزود بالوقود ومستشارين يدربون الجيش السعودي. وبلغ الانتشار الأمريكي ذروته في حرب الخليج الثانية حين تجاوز عدد الجنود نصف مليون. وبالتوازي وسعت المملكة تعاونها مع باكستان منذ اتفاقية التدريب والانتشار العسكري عام 1967، ثم بروتوكول 1982، وشاركت قوات باكستانية في فك حصار المسجد الحرام. وارتقى هذا التعاون في سبتمبر 2025 إلى اتفاقية تعد الاعتداء على أحد الطرفين اعتداءً على الآخر، ثم انضمت إليها تركيا باتفاقية مكة في السابع من أغسطس، بنص دفاع مشترك يحاكي المادة الخامسة من ميثاق الناتو. أما ملف السلاح فيكشف الصورة نفسها، إذ كانت السعودية أكبر مستورد للسلاح في العالم بين 2015 و2019 وتراجعت إلى المرتبة الرابعة في 2020 – 2024، وهو تراجع يعزوه معهد ستوكهولم لأبحاث السلام جزئياً إلى الطبيعة الدورية للتعاقدات، بينما بقيت المملكة أكبر مستورد للسلاح الأمريكي بنسبة 12 بالمئة من صادراته.

بدأت الرياض جولتها بأقرب حلفائها، لكن واشنطن لم تستجب. فبحسب موقع أكسيوس، اتصل ولي العهد بالرئيس الأمريكي مرتين لحثه على ضرب أنصار الله، فرفض ترامب، واكتفى المسؤولون الأمريكيون بالتعهد بمعلومات استخبارية وبيانات استهداف. وتشير سي إن إن إلى وجود أكثر من مئة مستشار أمريكي في المملكة يقدمون هذا الدعم. وتفسير التمنع الأمريكي مركب، فواشنطن لا تريد مستنقعاً جديداً قبل أن تتضح نتيجة الحرب مع إيران، وقد استنزفت هذه الحرب مخزونها من الصواريخ الاعتراضية وأثرت في جاهزية قواتها في الشرق الأوسط وشرق آسيا وأوروبا، وقلصت شحنات أوكرانيا، فيما كشفت صور من هواتف الجنود حجم الدمار الذي لحق بالطائرات والقواعد الأمريكية جراء القصف الإيراني. يضاف إلى ذلك اتفاق وقف إطلاق النار مع أنصار الله الذي أوقف استهداف السفن الأمريكية في باب المندب مقابل وقف القصف على اليمن، وأي انخراط أمريكي سيعيد سفنها إلى مرمى النيران، وهو ما يخشاه ترامب قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي.

وفي إسلام آباد، تقوم العلاقة على معادلة الأمن مقابل المال. فقد أرسلت باكستان مقاتلات وطائرات دعم لحماية الأجواء السعودية أثناء الحرب على إيران، في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه الرياض حزمة مالية بثلاثة مليارات دولار، وتظهر موازنة 2025 – 2026 تدفقات سعودية تتجاوز أربعة مليارات، أي نحو ربع التمويل الخارجي لباكستان. ورغم تصريح وزير الدفاع خواجة آصف في 16 سبتمبر بأن وقت تنفيذ اتفاق مكة قد حان، فقد سعت إسلام آباد بحسب رويترز إلى الوساطة وإشراك إيران للضغط على أنصار الله، فردت طهران بأنها لا تسيطر عليهم. والأرجح أن التدخل المباشر في اليمن مستبعد، فباكستان تحمل ذاكرة ثقيلة من الحرب الأفغانية وتخشى ارتداداتها على أمنها الداخلي وأقاليمها الغربية وتوازنها الطائفي، ولذلك يبدو أن دورها سيقتصر على الضغط الدبلوماسي وتعزيز الدفاعات السعودية والدفع نحو تحالف بحري لحماية المضيق.

أما تركيا فتتحدث تقارير ميدل إيست آي عن استعدادها لتقديم طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي وذخائر، لكن لحماية الأراضي السعودية دون تدخل داخل اليمن. فأنقرة تحسب حساب قواتها وخطوط إمدادها في الصومال وسفنها العابرة لباب المندب ومشاريع التنقيب قبالة السواحل الصومالية، وتجاورها جغرافياً أطراف حليفة لصنعاء في العراق وإيران. وتلتقي تركيا مع صنعاء في رفض استقلال أرض الصومال وحصول إثيوبيا على منفذ بحري، وفي عد الوجود الإسرائيلي في القرن الإفريقي تهديداً، ولذلك لا يخدم مصلحتها إخراج أنصار الله من معادلة التوازن الإقليمي بعد أن أثبتوا صلابتهم في مواجهة الكيان الإسرائيلي.

وفي القاهرة، جاءت زيارة ولي العهد في 15 سبتمبر مؤشراً على ضيق الخيارات. فالرياض تطبق معادلتها المعتادة، إذ كشف موقع المنصة عن اتفاق مبدئي لضخ استثمارات سعودية تتجاوز عشرة مليارات دولار وتجديد وديعة قيمتها 5.3 مليارات دولار لدى البنك المركزي المصري. وتسعى المملكة كذلك إلى تصدير نفطها عبر خط سوميد والموانئ المصرية على البحر الأحمر لتجاوز إغلاق هرمز وباب المندب، فيما تدرس أرامكو توسيع مرافق التخزين هناك. ومصر مرشحة أيضاً لدور الوسيط، مع تقارير عن قنوات استخبارية بينها وبين أنصار الله. لكنها تحافظ على سياسة عدم التدخل، وتخشى انتقاماً يغلق البحر الأحمر، وأقصى ما يمكن توقعه مشاركة في الدفاع الجوي كما فعلت بإرسال مقاتلات إلى الإمارات في مايو.

وامتد بحث الرياض إلى الكيان الإسرائيلي، فبحسب يسرائيل هيوم فتحت قناة غير مباشرة عبر القيادة المركزية الأمريكية لطلب معلومات ومساعدة عملياتية تمنع أنصار الله من إحكام السيطرة على المضيق. وهي محاولة تبني على منطق العدو المشترك، لكنها تكشف في جوهرها مفارقة لافتة، إذ تستنجد دولة كبرى في الإقليم بكيان يواجه هو نفسه كلفة الحصار البحري الذي فرضته صنعاء إسناداً لغزة. ولا يبدو الكيان متعجلاً، فبحسب هآرتس أوصى جيشه بتجنب هجوم استباقي والتركيز على الدبلوماسية وبناء تحالف دولي. والمرجح أن يقدم معلومات ودعماً لوجستياً وربما عمليات سرية، وأن يربط مدى انخراطه بما يقدمه ابن سلمان في ملف التطبيع، إذ يسعى نتنياهو إلى اختراق فيه قبل الانتخابات نهاية أكتوبر.

في المقابل، تتبع صنعاء استراتيجية عزل وتركيز تجاه السعودية. فقد وظفت ضيق الخيارات الأمريكية دبلوماسياً، وكشفت رويترز عن اجتماع غير معلن في مسقط أبلغ فيه وفد أنصار الله الأمريكيين بأنه لن يستهدف سفنهم ما دامت واشنطن بعيدة عن التدخل، متمسكاً باتفاق 2025. ومع القاهرة، أرسلت صنعاء عبر غرفة الملاحة الدولية في لندن مقترحاً لاتصالات مباشرة مع هيئة قناة السويس لوضع قواعد جديدة لسلامة الملاحة، على ما نقلت العربي الجديد، ورغم عدم تجاوب مصر فإن الرسالة واضحة: حرية الملاحة للجميع باستثناء السعودية.

تكشف هذه الجولة في المحصلة أن منظومة أمنية بنيت على الاستيراد والاستضافة تبلغ حدودها حين تتعارض حسابات الحلفاء مع حسابات الحامي. فكل طرف يقدم ما يخدم مصلحته ويتجنب كلفة الحرب البرية، ويبقى الأمن السعودي معلقاً على ما يقرره الآخرون.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى