حظر الطيران الإيراني: العقوبات الأميركية تطيح بالسيادة العراقية

أعاد قرار الحكومة العراقية وقف الرحلات الجوية من وإلى الجمهورية الإسلامية في إيران، بما في ذلك إغلاق مطار النجف أمام الطائرات الإيرانية، فتح النقاش حول حدود القرار السيادي العراقي ومدى قدرة بغداد على اتخاذ مواقف مستقلة عن الإرادة الأميركية. فالقرار الذي دخل حيز التنفيذ في 25 أيلول/سبتمبر 2026 جاء في إطار الالتزام بالعقوبات أحادية الجانب التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على قطاع الطيران الإيراني، بالرغم من علاقات الأخوة ما بين البلدين (أي ما بين العراق وإيران).
والمفارقة هنا أن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي يرفع في خطابه السياسي شعار تعزيز سيادة الدولة وقرارها المستقل، فيما يبدو من خلال إيعازه حول الإجراءات المتخذة في موضوع الطيران الإيراني، وكأنه يربط القرار العراقي عملياً بقرار صادر عن وزارة الخزانة الأميركية. وبذلك لا تعود المسألة مقتصرة على التعامل مع شركة طيران أو تنظيم حركة الملاحة، بل تصبح مرتبطة بسؤال أوسع: هل تستطيع الحكومة العراقية أن ترفض العقوبات الأميركية الأحادية الجانب عندما تتعارض مع مصالح العراق، كما حصل مع تركيا والصين وروسيا الذين رفضوا تنفيذ هذا القرار؟ أم أن بغداد باتت خاضعة لما تريده واشنطن؟
وتزداد هذه المفارقة وضوحاً مع إعلان مكتب الزيدي أن الحكومة تجري حواراً مع الجانب الأميركي من أجل استثناء بعض المطارات العراقية من إجراءات الحظر “لدواعٍ إنسانية”، تشمل العلاج والدراسة والزيارات الدينية ومصالح المدنيين. وهذا يعني، عملياً، أن بغداد لا تتعامل مع القرار الأميركي باعتباره إجراءً خارجياً لا يلزم الدولة العراقية، بل تتفاوض مع واشنطن للحصول على استثناء يسمح لها بممارسة جزء من حقها السيادي في إدارة مطاراتها وعلاقاتها الجوية.
وتبرز هنا مخاوف تتعلق بمفهوم السيادة نفسه. فإذا كان من الممكن أن تنتقل عقوبات أميركية أحادية الجانب على دولة شقيقة إلى إجراءات داخل المطارات العراقية، فإن ذلك يفتح الباب أمام سابقة يمكن أن تتكرر في قطاعات أخرى، بحيث تصبح الشركات والمؤسسات العراقية تحت سيادة القوانين الأمريكية.
اعتراضات عراقية
وقد واجه القرار اعتراضات عراقية حادة، لم تقتصر على فصائل وحركات المقاومة. فقد وصف النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان الدليمي تطبيق إجراءات حظر الطيران المدني الإيراني بأنه “غير مدروس” و”مخالف للدستور”. كما انتقدت قوى وفصائل عراقية القرار باعتباره مشاركة عراقية في تنفيذ عقوبات مفروضة من الخارج.
الأمين العام لحركة النجباء أكرم الكعبي ذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً الدعوة إلى اعتصامات داخل المطارات العراقية إذا لم تتم معالجة القرار، معتبراً أن الحديث عن السيادة لا ينسجم مع خضوع العراق لما وصفه بالهيمنة الأميركية. أما الأمين العام لكتائب سيد الشهداء الحاج أبو آلاء الولائي، فدعا أعضاء مجلس النواب إلى التحرك لإلزام الحكومة بعدم الرضوخ للإملاءات الأميركية، بينما رفض الأمين العام لعصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي أن يكون العراق متفرجاً أو مشاركاً في حصار إيران.
وفي السياق نفسه، استحضرت كتائب حزب الله في العراق تجربة حصار العراق في تسعينيات القرن الماضي، داعية إلى رفض العقوبات الأميركية، ومعتبرة أن الجهات التي تمتثل لها تساعد في فرض حصار على شعوب المنطقة.
وتعكس هذه المواقف اتساع الاعتراض داخل قوى عراقية أساسية، ترى أن إدارة العلاقة مع أمريكا لا ينبغي أن تكون على حساب علاقات العراق مع أشقائه وحلفائه.
أما في إيران، فجاءت الردود بلهجة حازمة. فقد حذر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي دول المنطقة من الانخراط في الإجراءات الأميركية، داعياً إياها إلى عدم تحويل أراضيها ومطاراتها إلى أدوات لتنفيذ سياسة واشنطن، محذراً إياهم بأنه إذا مُنعت طائرات الجمهورية الإسلامية من التحليق فلن تتمكن مطارات تلك الدول من العمل.
كما انتقد مستشار قائد الثورة الإسلامية للعلاقات الدولية الدكتور علي أكبر ولايتي قرار إغلاق مطارات العراق أمام الطيران الإيراني، وربط المسألة بمفهوم استقلال القرار العراقي، فيما حذر مستشار قائد الثورة محمد مخبر من أن حرمان إيران من خدمات الطيران والمطارات لن يبقى بلا رد، قائلاً إن الخيار، من وجهة نظره، إما أن تكون الحركة الجوية متاحة للجميع أو لا تكون متاحة لأحد.
وبينما تؤكد الحكومة العراقية أنها تسعى إلى “تهدئة الأوضاع” والحفاظ على مصالح المدنيين، يبقى جوهر الأزمة سيادياً بقدر ما هو إجرائي. فالمسألة لا تتعلق فقط برحلات جوية أُوقفت، بل بمدى قدرة الحكومة العراقية على رسم سياستها الخارجية والاقتصادية والأمنية وفق مصالحها الوطنية ووفق الشعارات التر ترفعها، بعيداً عن العقوبات الأحادية التي تفرضها واشنطن وعن سياسات البيت الأبيض.
ومن هنا، فإن استمرار التعامل مع العقوبات الأميركية باعتبارها أساساً لاتخاذ قرارات عراقية داخلية سيضعف بلا شك الصورة التي يحاول الزيدي ترسيخها عن دولة عراقية صاحبة قرار مستقل. فتعزيز السيادة لا يقاس بالخطابات، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على اتخاذ قراراتها وفق القانون والمصلحة العراقية، لا وفق ما تفرضه عاصمة أجنبية ومن دون معايير مزدوجة. وإذا كان العراق يحتاج في ملف الطيران إلى طلب استثناء من واشنطن كي يستعيد حركة جوية مع دولة جارة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز الطائرات الإيرانية إلى طبيعة القرار العراقي نفسه: من يملك الكلمة الأخيرة عندما تتعارض العقوبات الأميركية مع مصالح العراق؟
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




