ما وراء زيارة نتنياهو إلى أبوظبي: أزمة السابع من أكتوبر أم هندسة مواجهة إيران؟
في الوقت الذي كان فيه الإعلام “الإسرائيلي” منشغلاً بخطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعد يومين فقط من عودته، انطلقت طائرة خاصة من مطار بن غوريون متجهة إلى أبوظبي. لم تكن هذه رحلة دبلوماسية عادية، بل زيارة سرية فرضت عليها تعتيماً كاملاً، ليتم الكشف عنها لاحقاً عبر وسائل إعلام “إسرائيلية”. هذه الزيارة التي وُصفت بأنها “خاطفة”، استغرقت أربع ساعات فقط، قضاها نتنياهو في لقاء ثنائي مطول مع رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، قبل أن يعود إلى “إسرائيل” دون أي بيان مشترك أو تصريح رسمي في البداية. التوقيت لم يكن هامشياً: أقل من شهر على انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر، وفي خضم عاصفة تسريبات غير مسبوقة حول تحذيرات تلقاها نتنياهو قبل هجوم السابع من أكتوبر.
زيارة تحت وطأة العاصفة: لماذا هذا التوقيت بالذات؟
ما يلفت النظر في هذه الزيارة ليس فقط أنها الأولى من نوعها منذ أشهر، بل أن نتنياهو أصرّ على إتمامها رغم كل الظروف. وفق تقارير “إسرائيلية”، كان موعد سابق للزيارة قد حُدد قبل أسبوعين، وأُنجزت كل الاستعدادات، لكن الإمارات ألغتها في اللحظة الأخيرة قبل وقت قصير من الإقلاع، بحجة أن بن زايد لم يكن موجوداً في البلاد، وهو ما ثبت لاحقاً أنه لم يكن صحيحاً. استمر نتنياهو في ممارسة ضغوط مكثفة وصفها مسؤولون إماراتيون بأنها “ثقيلة بشكل خاص”، شملت اتصالات هاتفية واستخدام قنوات وشخصيات مقربة وتلميحات مرتبطة بالتعاون الأمني، حتى تحققت الزيارة في النهاية. هذا الإصرار يعكس حاجة نتنياهو الماسة إلى هذه الزيارة، ليس فقط كحدث سياسي، بل كأداة لإنقاذ نفسه من أزمة داخلية متفاقمة.
تحذير بن زايد: بين النفي والتأكيد
في قلب هذه الزيارة تكمن قضية واحدة: هل حذّر محمد بن زايد نتنياهو قبل هجوم السابع من أكتوبر؟ في الثامن من سبتمبر 2026، نشرت صحيفة “هآرتس” تحقيقاً زعمت فيه أن الرئيس الإماراتي تحدث هاتفياً مع نتنياهو قبل نحو أسبوع ونصف من الهجوم، محذراً من “أن يحيى السنوار، زعيم حماس في غزة، يخطط لعملية كبيرة يمكن أن تسبب “زلزالاً” يهز المنطقة”. مكتب نتنياهو سارع إلى نفي هذه الرواية “بشكل قاطع”، وقال إن رئيس الوزراء لم يتحدث مع بن زايد خلال الفترة المذكورة، وهدد بملاحقة الصحيفة قضائياً.
لكن القضية لم تتوقف عند هذا الحد. كشفت وكالة “أسوشييتد برس” أن نتنياهو، خلال لقائه مع بن زايد، طلب صراحةً من الرئيس الإماراتي نفي تقرير “هآرتس”، أي إصدار بيان رسمي ينفي أن يكون قد وجه تحذيراً له قبل السابع من أكتوبر. هذا الطلب في حد ذاته اعتراف ضمني بأن التسريبات تشكل خطراً حقيقياً على نتنياهو. الإمارات، من جانبها، لم تنفِ ولم تؤكد. وزارة الخارجية الإماراتية قالت إنها “لا تعلق على التقارير أو التكهنات بشأن المحادثات بين قادة الدول”، لكنها شددت في المقابل على أن “قنوات الاتصال المباشرة والمفتوحة قائمة بين الجهات الحكومية الإماراتية والإسرائيلية، وأن المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة يتم تبادلها عند الضرورة”. هذا الموقف الإماراتي المحسوب يضع نتنياهو في موقف صعب: لا نفي واضح يعصمه من التسريبات، ولا تأكيد يحرجه مع حلفائه.
لغز التحذير: ما لم يُقل في العلن
السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بمضمون التحذير الإماراتي المزعوم. وفق ما نقلته “نيويورك تايمز” عن خمسة مسؤولين أمنيين “إسرائيليين” سابقين، فإن نتنياهو لم يفصح عن أي تحذير من الإمارات خلال اجتماع أمني حول غزة عُقد في الأول من أكتوبر 2023، أي قبل ستة أيام من الهجوم. بل ذهب التقرير إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن نتنياهو رفض مقترحات قادة الأمن “الإسرائيليين” بشأن استهداف قادة حماس في غزة، مفضلاً الحفاظ على الهدوء خشية إفشال اتفاق تطبيع وشيك مع السعودية.
هنا تكمن “القنبلة” التي تحدث عنها غادي آيزنكوت، المنافس الرئيسي لنتنياهو، حين قال إن الكشف عن التحذير “لا يترك مجالاً للشك: نتنياهو قاد إسرائيل بتهور وعنجهية إلى أكبر كارثة في تاريخها”. المعادلة واضحة: إذا ثبت أن نتنياهو تلقى تحذيراً إماراتياً، وإذا ثبت أنه تلقى ثلاثة تحذيرات من مصر، فإن المسؤولية تنتقل من الفشل الاستخباراتي إلى قرار سياسي واعٍ. لهذا السبب يسعى نتنياهو إلى انتزاع نفي إماراتي، ليس لأنه يريد الحقيقة، بل لأنه يريد تحصين نفسه أمام الناخب “الإسرائيلي” قبل الانتخابات.
إيران في قلب الزيارة: الوفد يكشف الأولويات
إذا كانت قضية السابع من أكتوبر هي الدافع الإعلامي للزيارة، فإن الوفد المرافق لنتنياهو يكشف أن الأولوية الحقيقية كانت مختلفة. ضمّ الوفد رئيس الموساد رومان غوفمان، ورئيس مجلس الأمن القومي “الإسرائيلي” شموئيل بن عزرا، والسكرتير العسكري، ومستشاراً سياسياً. هذا ليس وفداً سياسياً بالمعنى التقليدي، بل هو وفد أمني – استراتيجي بامتياز. كما نقلت شبكة “سي إن إن” عن مصدر “إسرائيلي” مطلع أن اللقاء “هيمنت عليه مناقشات حول إيران”، وهي المجال الذي وسّعت فيه “إسرائيل” والإمارات تعاونهما الأمني خلال الحرب الحالية.
الحرب على إيران التي بدأت في فبراير 2026 غيّرت معادلة التحالفات في المنطقة. “إسرائيل” قدمت للإمارات نظام “القبة الحديدية” مؤقتاً مع مشغلين “إسرائيليين”، في خطوة وصفها دبلوماسيون إماراتيون بأنها “لن تُنسى”، وقالوا: “من الجيد أن تعرف من هم أصدقاؤك في أوقات الشدة”. هذا التعاون الأمني المتقدم يعكس واقعاً جديداً: الإمارات لم تعد تعتمد على الولايات المتحدة وحدها لتوفير الأمان، بل أصبحت “إسرائيل” شريكاً محورياً في الدفاع الجوي والاستخبارات.
الخليج وإيران: تحول استراتيجي في اللحظة الحرجة
تأتي زيارة نتنياهو في ظل تحول مهم في الموقف الخليجي تجاه إيران. وفق تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن السعودية والإمارات تضغطان حالياً على إدارة ترامب لمواصلة الحصار البحري والعقوبات على إيران، وعدم تقديم أي تنازلات اقتصادية، في تحول ملحوظ عن موقفهما خلال الصيف حين كانت الرياض تدفع باتجاه التفاوض. سبب التحول بحسب الرواية السعودية “هو الهجمات الإيرانية على السفن السعودية في مضيق هرمز، بالإضافة إلى تشجيع طهران للقوات المسلحة اليمنية على خنق المسار البديل عبر البحر الأحمر، مما خلق شكوكاً خليجية أعمق في أن إيران جادة فعلاً بشأن تسوية مستقرة”.
موقف الإمارات تحديداً تحول من الدفع نحو إنهاء الحرب دبلوماسياً إلى “تقليل التوقعات” من المحادثات، معتبرة أن “تجدد العنف واستهداف السفن يظهر أن طهران ليست في عجلة من أمرها للعودة إلى الدبلوماسية”. هذا التحول يفسر لماذا كان الوفد الأمني رفيع المستوى في زيارة أبوظبي: “إسرائيل” والإمارات تنسقان موقفهما في مواجهة إيران، وليس فقط في قضية السابع من أكتوبر.
قراءة في الأهداف المتبادلة: ماذا يريد كل طرف؟
نتنياهو يريد من هذه الزيارة ثلاثة أشياء: أولاً، نفي إماراتي للتسريبات المتعلقة بالسابع من أكتوبر، وهو ما لم يحصل عليه بشكل صريح حتى الآن. ثانياً، إظهار أن علاقات التطبيع لا تزال قوية رغم كل الضغوط، وأن “إسرائيل” لا تزال شريكاً موثوقاً لدول الخليج. ثالثاً، ترتيب التنسيق الأمني لمواجهة إيران في المرحلة المقبلة، خاصة مع احتمال تصعيد جديد بعد الانتخابات الأمريكية.
أما الإمارات، فهي لا تمنح نتنياهو ما يريد بسهولة. فهي تدرك أن الارتباط الوثيق بنتنياهو في هذه اللحظة قد يجرّها إلى حملته الانتخابية، وهو ما لا تريده. كما أن الإمارات حريصة على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، لأنها الدولة الخليجية الأقرب جغرافياً لإيران، ولديها مصالح تجارية واقتصادية كبيرة معها. لذلك، فإن ما تقدمه الإمارات لنتنياهو هو تعاون أمني واستخباراتي في مواجهة إيران، وليس نفي تحذير السابع من أكتوبر. هذا ما يفسر لماذا ظل البيان الإماراتي الرسمي عاماً: “بحثا العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها”، دون أي إشارة إلى التحذير أو إلى إيران.
زيارة لإنقاذ نتنياهو أم لترتيب المنطقة؟
زيارة نتنياهو إلى أبوظبي تكشف أكثر مما تخفي. إنها محاولة يائسة من رئيس وزراء يواجه أكبر أزمة في حياته السياسية، ليس فقط على مستوى الانتخابات، بل على مستوى المسؤولية التاريخية عن السابع من أكتوبر. لكنها في الوقت نفسه زيارة تعكس تحولاً استراتيجياً أعمق في المنطقة: التحالف “الإسرائيلي” – الإماراتي لم يعد مجرد اتفاق سلام، بل أصبح تحالفاً أمنياً فعلياً في مواجهة إيران.
نتنياهو يحاول استخدام هذا التحالف لإنقاذ نفسه، لكن الإمارات تعرف كيف تفصل بين مصالحها الاستراتيجية وحسابات نتنياهو الانتخابية. ما لم يُقل في أبوظبي قد يكون أهم مما قيل: الإمارات مستعدة للتعاون الأمني، لكنها ليست مستعدة لأن تكون ورقة في حملة نتنياهو الانتخابية. الأيام المقبلة، مع اقتراب انتخابات الكنيست في السابع والعشرين من أكتوبر، ستكشف ما إذا كان نتنياهو قد نجح في انتزاع ما يريد، أم أن أبوظبي منحته ما تحتاجه هي فقط.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




