صحافة

السعودية في الحسابات الصهيونية: بين الجغرافيا السياسية و”إسرائيل الكبرى”

تحتلّ السعودية موقعًا استراتيجيًا محوريًا في التصورات والسياسات الصهيونية تجاه المنطقة، بالنظر إلى ثقلها الجيوسياسي والاقتصادي والديني، وما يتيحه هذا الثقل من قدرة على التأثير في توازنات البيئتين العربية والإسلامية. ولا يقف الاهتمام الصهيوني بالمملكة عند حدود السعي إلى إقامة علاقات ثنائية، بل يمتد ليشمل تصورات أيديولوجية وجغرافية، ومقاربات أمنية واقتصادية، ومساعي حثيثة لإدماجها في ترتيبات إقليمية أوسع تُعاد صياغتها وفق حسابات تل أبيب وواشنطن. وقد تبلورت هذه المقاربات عبر مسارات متوازية، جمعت بين قنوات اتصال وتعاون غير معلنة، وخطوات عملية في مجالات متعددة، ومسار متدرج نحو التطبيع، بما يعكس موقع المملكة المركزي في الحسابات المرتبطة بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية.

يبدأ هذا الاهتمام من الاعتبارات الجيوبوليتيكية والاقتصادية التي تجعل من السعودية ركيزة لا غنى عنها في أي إعادة ترتيب إقليمي، فموقعها الجغرافي الواصل بين البحر الأحمر والخليج، وثقلها النفطي، ومكانتها الدينية بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين، عوامل تمنحها نفوذًا يتجاوز حدودها السياسية. وعلى هذا الأساس، تنظر الدوائر الصهيونية إلى المملكة بوصفها حلقة لا يمكن تجاوزها في أي مشروع لإعادة هندسة النظام الإقليمي، سواء عبر ترتيبات الدفاع المشترك، أو عبر مشروعات الربط الاقتصادي واللوجستي التي تسعى إلى دمج “إسرائيل” في محيطها العربي من بوابة الرياض.

وإلى جانب هذا البعد العملي، تحضر في الخطاب الصهيوني تصورات أيديولوجية توسعية، يُستحضر فيها مفهوم “إسرائيل الكبرى” ضمن خرائط وخطابات تضع أجزاء من المجال السعودي داخل جغرافيا متخيّلة تتجاوز الحدود القائمة. وإذ لا يعني هذا بالضرورة تحوّل مثل هذه التصورات إلى سياسة تنفيذية مباشرة، فإنها تظل جزءًا فاعلًا من البيئة الفكرية التي تؤطر النظرة الصهيونية إلى المملكة، لا سيما حين تتقاطع مع مساعٍ فعلية لتوسيع النفوذ الصهيوني في المجالات البحرية والأمنية واللوجستية المحيطة بالسعودية.

أما على المستوى العملي، فقد سلكت “إسرائيل” مسارًا تدريجيًا يجمع بين التعاون الأمني والاستخباري غير المعلن، والانخراط في مشروعات اقتصادية ولوجستية، وصولًا إلى مسار التطبيع الذي بات يُطرح بوصفه محطة متقدمة في هذا التراكم. وتشكّل هذه الحلقات مجتمعة شبكة مصالح والتزامات متداخلة، يُراد منها الانتقال بالعلاقة مع الرياض من موقع “الهدف الذي يُسعى للتقارب معه” إلى موقع “الطرف المُدمَج” ضمن بنية إقليمية أوسع تخضع لمنطق التنسيق الأمني والاقتصادي مع تل أبيب وواشنطن.

ويكمن الخطر الأبرز في هذا المسار في ما قد يفرضه على هامش القرار السعودي المستقل، إذ يُتوقع أن يفضي اتساع شبكة المصالح والالتزامات هذه إلى إعادة ترتيب بعض أولويات المملكة وخياراتها الخارجية، وبخاصة في الملفات الحساسة المرتبطة بالأمن الإقليمي، والعلاقة مع إيران، والقضية الفلسطينية، وموازين العلاقة مع القوى الدولية والإقليمية الأخرى. فكلما تعمّقت هذه الارتباطات، ازداد التحدي الذي يواجه الرياض في الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي، في مقابل ضغوط تدفعها نحو الانخراط في منظومة إقليمية تُصاغ أدواتها وأولوياتها بما يخدم المصالح الصهيونية أولًا.

وفي المحصلة، يتجاوز الاهتمام الصهيوني بالسعودية حدود بناء علاقة ثنائية، ليتجه نحو إعادة تعريف موقعها داخل بيئة إقليمية يُعاد تنظيمها وفق ترتيبات أمنية واقتصادية وجيوسياسية أكثر اتصالًا بالحسابات الصهيونية والأمريكية. ويبقى المسار المستقبلي رهنًا بقدرة المملكة على صون استقلال قرارها وهامش حركتها، في مواجهة سياسات تسعى، بأدوات متعددة الظاهر ومتقاربة الجوهر، إلى إعادة صياغة دورها الإقليمي بما يخدم أجندة لا تلتقي بالضرورة مع مصالحها العليا أو مع القضايا العربية المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى