العراق بعد الانسحاب الأمريكي: مرحلة جديدة في مفهوم المقاومة وأساليبها
يشكّل انسحاب قوات الاحتلال الأميركي من العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026 محطة مفصلية تاريخية في حاضر ومستقبل العراق وفي مسار العلاقة بين بغداد وواشنطن. وبينما تقدم الحكومة العراقية ما حصل باعتباره انتقالاً إلى مرحلة تتولى فيها بشكل مباشر المسؤولية الأمنية والعسكرية وتتفرد بقراري السلم والحرب. تؤكّد قوى المقاومة العراقية أن الانسحاب يمثل نتيجة مباشرة لدماء الشهداء والقادة الذين ارتقوا في المسار الطويل من المواجهة مع الوجود الأميركي.
وفي هذا السياق، كان لافتاً قيام حرس الثورة الإسلامية بإصدار بيان حول هذا انتصار المقاومة العراقية، حيث قال أن خروج القوات الأميركية يمثل “انتصاراً تاريخياً”، وأنه تحقق بصمود الشعب العراقي وتضحيات قوى المقاومة، ومشيراً إلى أن الولايات المتحدة اضطرت إلى مغادرة العراق بعد عقدين من التدخل العسكري. داعياً إلى مواصلة العمل لإنهاء أشكال النفوذ الأميركي الأخرى في المنطقة، ومحذراً في الوقت نفسه من محاولات إعادة إنتاج الوجود الأميركي بأشكال مختلفة.
وفي الإطار نفسه، تحدث قائد قوة القدس في حرس الثورة الإسلامية العميد إسماعيل قاآني عن تشكل “مرحلة جديدة في مفهوم المقاومة وأساليبها“، معتبراً أن خروج الولايات المتحدة من العراق تحقق رغم الإمكانات والمنشآت التي كانت تمتلكها، وبفعل مقاومة الشعب العراقي و”أبطال جبهة المقاومة”. ودعا إلى تنسيق أكبر بين الحكومة ومؤسسات الدولة وأبناء المقاومة، بما يتيح للعراق الانتقال إلى مرحلة أكثر أمناً وسيادة وإزالة ما تبقى من آثار الوجود الأميركي في المجالات الأخرى.
أما الأمين العام لكتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي، فقد قدّم قراءة أكثر ارتباطاً بنتائج المواجهة، قائلاً إن “المنتصر هو من يفرض شروطه على العدو”، ومعتبراً أن المقاومة انتصرت في هذه الجولة. وفي الوقت نفسه، أشار إلى ضرورة إعادة بناء التفاهمات الداخلية، مؤكداً أن وجود المقاومة إلى جانب الأجهزة الحكومية يمكن أن يكون مقبولاً، شرط أن يكون قرار الحرب والسلم واحداً أو متفقاً عليه. والأهم أنه وجّه عناصر الكتائب إلى وقف العمليات العسكرية والأنشطة اللوجستية المتحركة، باستثناء استهداف الطيران المعادي الذي ينتهك الأجواء العراقية، إلى حين اكتمال منظومة الدفاع الجوي الحكومية.
من جهتها، عدّت حركة النجباء خروج القوات الأميركية وحلفائها “نصراً” تحقق، وفق بيانها، نتيجة استمرار الخيار العسكري، وربطته بالوفاء لدماء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس. إلا أن الحركة وسّعت مفهوم الانسحاب ليشمل ما بعد مغادرة الجنود، مطالبة برفض أي وجود أميركي مستقبلي تحت مسميات الشركات الأمنية أو المستشارين، وتقليص الوجود الدبلوماسي، وإنهاء التدخل الأميركي في الاقتصاد والسياسة، فضلاً عن إخراج الطائرات الأميركية من الأجواء العراقية.
لكن انتهاء الوجود العسكري المباشر لا يعني انتهاء جميع أشكال النفوذ الأميركي، وهنا يبرز أحد أكثر الملفات حساسية: الشركات الأمنية الأجنبية. فالتحدي أمام بغداد يتمثل في تحديد طبيعة عمل هذه الشركات، ونطاق ارتباطاتها الخارجية، ومدى خضوع العاملين فيها للرقابة العراقية. وقد حذّر سياسيون وخبراء، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، من احتمال استخدام بعض الشركات الأمنية والاستثمارية كغطاء لأنشطة استخبارية أو لجمع المعلومات، وطالبوا بتشديد التدقيق الأمني على العاملين الأجانب.
لذلك، فإن مرحلة ما بعد الانسحاب تضع العراق أمام اختبار يتجاوز خروج الجنود: هل تستطيع الدولة تحويل انتهاء الوجود العسكري إلى سيطرة فعلية على المجالين الأمني والاستخباري، وضبط الشركات الأجنبية، وتعزيز قدرات أجهزتها، وحماية أجوائها وحدودها ومنشآتها؟
وبذلك، فإن الانتصار العراقي بانسحاب القوات الأميركية يتحول عملياً إلى بداية معركة سياسية وأمنية جديدة: الانتقال من مواجهة الوجود العسكري المباشر إلى مواجهة أشكال النفوذ التي يمكن أن تستمر عبر العلاقات الأمنية والاستخبارية والاقتصادية والدبلوماسية. وهنا ستكون قدرة الدولة العراقية على بسط سيادتها على مختلف هذه الملفات هي العامل الحاسم في تحديد معنى الانسحاب وحدوده.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




