معادلة الطاقة والانتخابات: حدود المناورة الأميركية في المواجهة مع إيران
تواجه إدارة دونالد ترامب مأزقاً متزايداً في الحرب مع إيران، مع تقلّص هامش المناورة بين التصعيد العسكري الذي قد يفرض أثماناً اقتصادية وإقليمية مرتفعة، والإبقاء على وضع ميداني لم يحقق الأهداف الأميركية. ومع دخول المواجهة مرحلة كسر الإرادات، باتت حسابات واشنطن مرتبطة بقدرتها على تحمّل الاستنزاف، في ظل ضغوط داخلية تدفع نحو حسم الحرب، وأخرى تحذّر من تداعيات توسيعها. وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي تفرض اعتبارات إضافية على قرارات البيت الأبيض.
تشكّل أسعار الطاقة أحد أبرز القيود على خيارات ترامب، في ظل ارتباط أسعار الوقود مباشرة بالتضخم والقدرة الشرائية للأميركيين. فأي تصعيد يهدد الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره حصة كبيرة من إمدادات النفط العالمية، قد يؤدي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع تكاليف الطاقة، بما ينعكس على المزاج الانتخابي الداخلي. وقد أشارت تغطيات صحيفة واشنطن بوست إلى تصريحات ترامب بشأن احتمال استمرار الحرب إلى ما بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، في سياق يعكس ارتباط مسار المواجهة بالحسابات السياسية والاقتصادية للإدارة. وتضع هذه المعادلة البيت الأبيض أمام تحدّي الموازنة بين الضغوط المطالبة بتشديد المواجهة، ومخاطر تحوّل أزمة الطاقة إلى عبء انتخابي يصعب احتواؤه، خاصة مع استمرار اضطراب الإمدادات وارتفاع كلفة النقل والتأمين البحري.
كما تواجه استراتيجية الضغط الأقصى حدوداً واضحة في قدرتها على انتزاع تنازلات إيرانية. فعلى الرغم من تأثير العقوبات والحصار على الاقتصاد الإيراني، تواصل طهران الاستفادة من منافذ تجارية ومالية، وفي مقدمتها علاقاتها مع الصين، التي تستوعب القسم الأكبر من صادراتها النفطية وتوفر قنوات مالية للتبادل. ويشير تحليل المجلس الأطلسي إلى أن تشديد العقوبات على المصارف والموانئ ومصافي النفط الصينية المتعاملة مع إيران قد يرفع كلفة استمرار هذه العلاقات، لكنه يفتح في المقابل جبهة اقتصادية مع بكين، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى حماية مصالحها التجارية والحد من الضغوط على اقتصادها. وبذلك، يبقى الضغط الاقتصادي أداة لإضعاف إيران، مع محدودية قدرته على فرض استسلام سياسي في ظل استمرار الدعم التجاري الخارجي.
من ناحية أخرى تتراوح الخيارات الأميركية بين تكثيف الضربات الجوية، وتنفيذ عمليات خاصة، وتسليح جماعات معارضة، وصولاً إلى الغزو البري. وقد تؤدي الضربات الإضافية إلى إضعاف القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية، لكنها تنطوي على مخاطر ردود تستهدف منشآت الطاقة والملاحة في الخليج، بما يوسّع نطاق الأضرار الاقتصادية.
كما أن العمليات الخاصة للاستيلاء على اليورانيوم عالي التخصيب أو السيطرة على منشآت النفط في جزيرة خرج تضع القوات الأميركية أمام احتمالات خسائر بشرية كبيرة، في ظل صعوبة تأمين مواقع داخل الأراضي الإيرانية. أما تسليح المعارضة، فقد يفتح المجال أمام صراعات داخلية وتداعيات إقليمية، في حين يظل الغزو البري شديد التعقيد بالنظر إلى مساحة إيران التي تفوق مساحة العراق بأربعة أضعاف، وعدد سكانها الذي يتجاوز 90 مليون نسمة، وحجم قواتها العسكرية والأمنية. ويتطلب هذا السيناريو مئات الآلاف من الجنود، مع استنزاف إضافي للمخزونات الأميركية من الذخائر، ما يجعل كلفته العسكرية واللوجستية والسياسية هائلة.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الخيارات المتاحة أمام ترامب محكومة بين إظهار القدرة على مواصلة الحرب وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وقد يتجه البيت الأبيض إلى تصعيد محدود يتيح له تقديم خطواته باعتبارها إنجازاً عسكرياً، قبل استئناف المفاوضات للتوصل إلى تفاهم بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني. ويظل هذا المسار مرتبطاً بحسابات الطرفين واستعدادهما لتقديم تنازلات، فضلاً عن الضغوط التي ستفرضها مرحلة ما بعد الانتخابات. وفي غياب تسوية تضمن المصالح الأساسية للطرفين، ستبقى احتمالات تجدد المواجهة قائمة، فيما يواجه ترامب معضلة الخروج من الحرب من دون تحمّل كلفة تصعيد قد تتجاوز أهدافه المعلنة.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




