صحافة

أميركا تصوّت.. والعالم يحبس أنفاسه

ليست انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي تجري اليوم، استحقاقاً داخلياً عادياً. إنها، للمرة الأولى منذ عقود، انتخابات تُقاس نتائجها بمقياسين متوازيين: عدد المقاعد في الكونغرس، وعدد الأيام التي تفصل العالم عن حرب جديدة أو هدنة جديدة مع إيران. فالناخب الأميركي الذي يقف اليوم في الطابور ليشتكي من سعر البنزين والخبز، يصوّت في الواقع على مصير مضيق هرمز، وعلى مستقبل قاعدة فيرفورد في بريطانيا، وعلى ما إذا كانت أوروبا ستبقى وسيطاً أم ستصبح هدفاً.

هذه المقالة ليست توقعاً لنتيجة لم تُفرز بعد، بل قراءة مهنية في الوقائع الموثقة حتى صباح يوم الاقتراع: الاستطلاعات، التسريبات، الوساطة القطرية، التهديدات الإيرانية، وأسعار النفط التي هبطت 7.63% في يوم واحد لأن السوق شمّ رائحة اتفاق، ثم عادت للارتفاع لأنها شمّت رائحة قصف.

1. أميركا تصوّت.. والعالم يحبس أنفاسه

يُدلي الأميركيون اليوم بأصواتهم على كل مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعداً في مجلس الشيوخ، و36 منصب حاكم ولاية. الجمهوريون يملكون حالياً أغلبية ضئيلة في المجلسين: 218 مقابل 214 في النواب مع مقعدين شاغرين، و53 مقابل 47 في الشيوخ، ما يعني أن الديمقراطيين يحتاجون مكسباً صافياً بأربعة مقاعد في كل مجلس لقلب المعادلة.

لكن العالم لا ينتظر توزيع المقاعد فقط. ففي الدوحة، كان الوسطاء القطريون يسافرون ليل الاثنين إلى طهران حاملين مسودة اتفاق أميركي إيراني تُفاوَض منذ ثمانية أيام، وفي الخليج كانت السفن الحربية الأميركية في حالة تأهب، وفي بريطانيا كانت الشرطة تحقق في مخطط مشتبه به قرب قاعدة أميركية، وفي أسواق لندن كان برميل برنت يهبط من 117.64 دولاراً إلى 104.77 دولارات في جلسة واحدة، ثم يعود إلى 105.25 دولارات صباح اليوم بعد تقارير عن ضربات أميركية محدودة على جزيرة قشم الإيرانية.

هذا التزامن ليس صدفة، فترامب نفسه ربط الحرب بالانتخابات علناً حين قال قبل أسابيع إنه لن يهاجم إيران قبل 3 تشرين الثاني، ثم قال أمس، عند النصب التذكاري للينكولن، “لا” رداً على سؤال عما إذا كان يفكر بضرب إيران بعد الانتخابات، وأضاف أن اتفاقاً “قد يحدث” وأن إيران تريد تسوية “في أقرب وقت ممكن”.

العالم يحبس أنفاسه لأن القرارين، الانتخابي والعسكري، اتخذا نفس التاريخ موعداً لهما، ولأن أياً منهما قد يلغي الآخر.

2. الانتخابات التي ستقرر الحرب

الاستطلاعات النهائية، وليست استطلاعاً واحداً، ترسم صورة واحدة: تقدم ديمقراطي واضح وطنياً، لكنه غير مضمون في الولايات الحاسمة.

متوسط RealClearPolling حتى 30 تشرين الأول يعطي الديمقراطيين 52% مقابل 43.1% للجمهوريين، بفارق 8.9 نقاط. واستطلاع NBC News ، الذي أُجري بين 28 و30 تشرين الأول على 1000 ناخب مسجل، أظهر 52% مقابل 45%، وتقدماً بـ21 نقطة بين المستقلين، وعدم رضا عن ترامب بلغ 60%، وهو الأعلى في ولايتيه. واستطلاع رويترز/إبسوس الأخير أظهر تأييد ترامب عند 32% فقط، قريباً من أدنى مستوى له، وتقدماً ديمقراطياً بـ8 نقاط بعدما كان 11 نقطة قبل أسبوع، أي أن الفارق يتقلص مع اقتراب يوم الاقتراع.

على مستوى مجلس النواب، ترجّح النماذج فوزاً ديمقراطياً: Decision Desk HQ يعطي الديمقراطيين فرصة 84% للفوز بـ241 مقعداً، و Cook Political Report يضع 222 دائرة تميل للديمقراطيين مقابل 195 للجمهوريين و18 متأرجحة، 14 منها جمهورية حالياً. أما مجلس الشيوخ، فالمعركة أصعب: الديمقراطيون يحتاجون أربعة مقاعد، واستطلاعات نيويورك تايمز/سيينا الأخيرة، على 5708 ناخبين في سبع ولايات حاسمة، أظهرت تقدمهم في ست ولايات وتعادلاً في السابعة، منها تكساس التي لم تنتخب ديمقراطياً لمجلس الشيوخ منذ 1988، وكانساس التي لم تفعل منذ 1932.

لكن المهنية تقتضي التحفظ: الاقتراع العام الوطني لا يترجم آلياً إلى مقاعد، والاستطلاعات قلّلت تاريخياً من تقدير الدعم الجمهوري، و3% فقط من الناخبين كانوا مترددين في استطلاع NBC ، وقد يقلبون سباقات متقاربة. والنماذج نفسها تختلف: من 60% إلى 79% فرصة ديمقراطية للشيوخ، ومن 223 إلى 241 مقعداً في النواب، هذه ليست نتائج، بل احتمالات.

المؤكد، حتى الآن، هو الدافع: 70% من الناخبين يرون أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ، و78% يقولون إن تكلفة المعيشة هي العامل الأهم، و65% لا يوافقون على تعامل ترامب مع الاقتصاد، ويفضّل الناخبون الديمقراطيين على الجمهوريين في ملف المعيشة بـ43% مقابل 32%. الحرب مع إيران، التي رفعت برنت فوق 117 دولاراً وسحبت نحو مليار برميل من المخزونات العالمية منذ شباط، أصبحت في عقل الناخب قضية معيشة، لا قضية خارجية بعيدة.

وهنا تكمن المفارقة التي ستقرر الحرب: ترامب الذي يريد تفويضاً لضرب إيران، يواجه ناخبين يعاقبونه على كلفة الحرب السابقة. وخصومه الذين يريدون كبحه، قد يدفعونه، إذا فازوا، إلى تصعيد يثبت أنه لم يفقد المبادرة.

3. بين صندوق الاقتراع وقاذفات فيرفورد

قاعدة فيرفورد الجوية RAF Fairford ، على بعد 160 كيلومتراً غرب لندن، هي الجسر الرابط بين الانتخابات الأميركية والحرب الأوروبية. فقد استضافت القاعدة قاذفات B-1B لانسر و B-52H و B-2A ، واستُخدمت في ضربات سابقة ضد إيران، ثم سُحبت منها 12 قاذفة B-1 على عجل في تشرين الأول، بعد اعتقال سبعة أشخاص قربها في تحقيق ادعت لندن وحاولت التأكيد الذي لاء بالفشل أن الحرس الثوري هو من وجّهه، ونفت طهران ذلك.

في الأيام الأخيرة، نقلت “التايمز” عن مسؤولين إيرانيين أن طهران قد تستهدف قواعد أميركية في أوروبا إذا أمر ترامب بضربات جديدة، وسمّى النائب منوشهر متقي بريطانيا وألمانيا وإيطاليا والبرتغال. وجاء ذلك بعد توجيهات المرشد مجتبى خامنئي للقوات المسلحة بالرد “الفوري والمؤثر ومن دون قيود جغرافية” على أي تهديد، وتحديث بنك الأهداف ليشمل الأصول المادية وغير المادية الأميركية والإسرائيلية.

وللتفريق بين التهديد والقدرة، مسؤول أمني غربي قال لـ”التايمز” إن الصواريخ الإيرانية لا يمكنها واقعياً الوصول إلى كثير من القواعد الأوروبية وستُعترض بسهولة، وإن الخطر الأكثر واقعية هو استخدام وكلاء أو عصابات إجرامية في أوروبا، أو تخريب، أو استهداف دبلوماسيين، أو قطع كابلات بحرية، كما هددت طهران سابقاً.

مع ذلك، مجرد إدراج أوروبا في قائمة التهديد يغيّر الحسابات: بريطانيا صنّفت الحرس الثوري، وطهران ردّت بتصنيف البحرية الملكية وسلاح الجو الملكي و MI6 ككيانات إرهابية، وأوروبا بدأت تتحدث عن مؤن 72 ساعة، وعن إطلاق 42 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية لامتصاص صدمة الطاقة. صندوق الاقتراع في أوهايو وتكساس، إذن، يقرر جزئياً ما إذا كانت قاذفة ستقلع من غلوسترشاير، وما إذا كانت أوروبا ستبقى قاعدة خلفية أم ساحة أمامية.

4. ترامب بين الفيتو والحرب

قال ترامب قبل يومين من الانتخابات: “سأكون لهم السيد فيتو”. الجملة ليست مزحة، بل استراتيجية الحكم في النصف الثاني من الولاية إذا خسر الكونغرس. فالرئيس الذي يفقد الأغلبية لا يفقد السلطة التنفيذية، بل يفقد القدرة على التشريع، فيتحول إلى رئيس فيتو وتحقيقات، ويبحث عن ملف لا يحتاج موافقة الكونغرس: السياسة الخارجية والحرب.

وهذا ما تكشفه التسريبات المتقاطعة، فمن جهة، نقلت Axios أن البنتاغون أعدّ قائمة أهداف واسعة تشمل الطاقة والمواقع النووية والبنية العسكرية، وأن القوات يمكن أن تبدأ خلال 96 ساعة من صدور الأمر، وأن وزير الدفاع بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو يميلان لمزيد من إضعاف القيادة الإيرانية، بينما يميل نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى التفاوض. ومن جهة أخرى، قال السناتور الديمقراطي كريس مورفي، بعد إحاطات حكومية، إن الخطة التي اطلع عليها “جنونية، ولن تحقق أهدافها، وستطلق دورة تصعيد جديدة”.

ومن جهة ثالثة، قال ترامب أمس إنه “لا” يفكر بضرب إيران بعد الانتخابات، وإن الاتفاق “قد يحدث”، وإن إدارته “أضعفت إيران مالياً” لكنها “ليست في عجلة”. ونقلت Axios عنه قوله: “بطريقة أو بأخرى سنفعل شيئاً، لكن لا عجلة. لقد شللناهم مالياً. لا مال لديهم، ولا بنزين، وشعبهم متعب جداً”.

هذه التناقضات ليست ارتباكاً فقط، بل أداة تفاوض، فكل تسريب عن خطة عسكرية هو رسالة ضغط على طهران، وكل تسريب عن انقسام داخلي هو رسالة للدوحة وموسكو بأن هناك جناحاً يريد الحل، وكل تصريح عن “لا” بعد الانتخابات هو رسالة للناخبين بأن الحرب ليست على جدول اليوم الانتخابي.

لكن الخطر الحقيقي، بحسب مسؤول أميركي نقلته Axios ، هو أن “ترامب إذا شعر بالإحراج أو أنه فقد التفويض، سيفعل شيئاً جريئاً”. أي أن الفيتو والحرب قد لا يكونا بديلين، بل مرحلتين: رئيس محاصَر بالتحقيقات في الداخل، يبحث عن نصر سريع في الخارج، لأن الحرب، في أيامها الأولى، لا تحتاج تصويت الكونغرس.

5. الدبلوماسية على حافة الانتخابات

في الوقت الذي كان فيه ترامب يتحدث عن الفيتو، كان الوسطاء القطريون والباكستانيون يديرون دبلوماسية مكثفة لم تتوقف، بحسب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي وصف المشاورات عبر الوسطاء بأنها “مكثفة جداً”، وقال إن كل شيء يعتمد على “العقلانية السياسية لواشنطن”.

المسار القطري، كما وثقته رويترز، بدأ بخطة سبعة أيام لبناء الثقة، ثم تحوّل إلى مسودة اتفاق من ثلاثة أيام من إجراءات بناء الثقة تمهيداً لمفاوضات مباشرة، سافر بها الوسيط القطري علي الثوادي إلى طهران ليل الاثنين. وطهران قدّمت مقترحها الأصلي المؤلف من سبع خطوات، الذي رفضه ترامب في أيلول، لكنها ضغطته ليُنفَّذ في يومين: رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وفتح هرمز، ورفع العقوبات عن النفط، والإفراج عن أصول مجمدة تزيد على 6 مليارات دولار، ثم التفاوض على النووي.

واشنطن تريد العكس: النووي على الطاولة من اليوم الأول، وضمانات بعدم امتلاك سلاح نووي، ورسالة فانس إلى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي، التي وصفها رضائي بأن نبرتها “إيجابية”، طلبت تلك الضمانات. وترامب قال إن إيران “فهمت” أنها لن تحصل أبداً على سلاح نووي.

القراءات حتى صباح اليوم: محادثات الدوحة انتهت “دون اختراق”، لكن الاتصالات مستمرة، ومسودة تُتداول، ووسطاء ينتظرون ردّي واشنطن وطهران، ومصادر إيرانية قالت لرويترز إنها تعتقد أن هجوماً أميركياً جديداً “أكثر ترجيحاً من اتفاق”، بينما قال بزشكيان إن خامنئي منح الحكومة “صلاحيات معينة” للتفاوض على السلام.

وفي موازاة ذلك، وقعت ضربات محدودة لم تُعلن: تقارير عن استهداف أميركي لرادارات ومنصات إطلاق على جزيرة قشم بعد استهداف مقاتلة أميركية بصاروخ أرض جو، وعن انفجارات قرب الجزيرة الاستراتيجية في هرمز، واشنطن تصفها بالدفاعية، وطهران تصفها بانتهاك للهدنة، الدبلوماسية، إذن، لا تجري بدل الحرب، بل تحتها وفوقها في آن واحد.

وهذا هو جوهر التحول: الوسطاء لم يعودوا يتفاوضون على سلام دائم، بل على هدنة إجرائية: فتح هرمز في يومين، مقابل تجميد مؤقت، وضمانات روسية وصينية محتملة، تحدثت عنها بكين وموسكو الاثنين ضد أي عمل عسكري جديد. وإذا نجحت، ستنخفض أسعار النفط أكثر، وإذا فشلت، قد يقفز برنت، بحسب غولدمان ساكس، إلى 140 دولاراً في 2027 إذا بقي إنتاج الخليج أقل بـ3.5 ملايين برميل يومياً من متوسط 2025.

6. حين يصبح صوت الناخب صوتاً للحرب أو للهدنة

العبور الحزبي هو الظاهرة التي ستقرر معنى هذا العنوان. فبين 9% و16% من الناخبين الجمهوريين المحتملين في خمس ولايات رئيسية، هي ألاسكا وأيوا وكانساس وأوهايو وتكساس، قالوا إنهم سيفضّلون المرشح الديمقراطي، وفي كانساس استقطب المرشح الديمقراطي آدم هاميلتون 16% من المسجلين جمهوريين، بينما حصل خصمه الجمهوري على 2% إلى 3% فقط من الديمقراطيين.

هذا ليس تحولاً أيديولوجياً، بل احتجاج معيشي. فالناخب الذي صوّت لترامب في 2024 لأنه وعده بخفض الأسعار، يجد نفسه في 2026 يدفع ثمن حرب رفعها برنت إلى 117 دولاراً، وسحبت المخزونات، ورفعت التأمين على الناقلات في هرمز، حيث سُجلت 35 هجوماً على سفن تجارية في تشرين الأول وحده، و144 حادثة بحرية منذ 28 شباط، بحسب مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني.

لكن الصوت الاحتجاجي قد يتحول إلى صوت للحرب بطريقة غير مباشرة. فإذا فاز الديمقراطيون فوزاً كاسحاً، قد يقرأ ترامب النتيجة على أنها إحراج يستدعي “شيئاً جريئاً” في الخارج. وإذا صمد الجمهوريون، قد يقرأها تفويضاً لضربة “قصيرة ومكثفة” أبلغ حلفاءه الخليجيين بالاستعداد لها. وفي الحالتين، الناخب الذي أراد خفض سعر البنزين قد يكون صوّت، دون أن يدري، على توقيت الضربة المقبلة.

الانتخابات النصفية الأميركية لم تعد انتخابات محلية. فهي، في زمن الحرب الهجينة، استفتاء عالمي على كلفة الردع، وعلى حدود الصبر الشعبي الأميركي مع حرب بعيدة تصل فاتورتها إلى محطة الوقود في ميشيغان قبل أن تصل إلى قاعدة فيرفورد.

7. أميركا المقيدة.. أم أميركا المطلقة اليد؟

هذا هو السؤال الذي ستصحو عليه واشنطن غداً، وستصحو عليه طهران ولندن والدوحة معها.

أميركا المقيدة: كونغرس ديمقراطي، أو مجلس نواب ديمقراطي ومجلس شيوخ منقسم، يعني تحقيقات في قرارات الحرب، وقيوداً على التمويل، وتهديداً بإجراءات عزل، وضغطاً لاستدعاء مسؤولين للشهادة، هذا يصعّب حرباً طويلة، ويدفع نحو دبلوماسية قطرية أطول، ويخفض مؤقتاً أسعار النفط، كما حدث الاثنين. لكنه يعني أيضاً رئيساً يشعر بأنه “بطة عرجاء” محاصَرة، وقد يلجأ إلى صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة، حيث لا يحتاج موافقة فورية، لشن عمليات محدودة، كما حدث في قشم، تتحول تدريجاً إلى حرب.

أميركا المطلقة اليد: كونغرس جمهوري صامد يعني تفويضاً شعبياً، وغياب كوابح التحقيق، وتسريعاً لخطة الضربات على الطاقة والنووي، التي وصفها مورفي بالجنونية، وبحسب تقارير، تستهدف أيضاً البنية التحتية الحيوية للاقتصاد الإيراني، لكنه يعني أيضاً أن طهران ستفقد أملها في كبح داخلي أميركي، فتتمسك بمبدأ “لا قيود جغرافية”، وتوسّع جغرافيا الرد إلى أوروبا وهرمز والكابلات البحرية، فيتحول النزاع من حرب أميركية إيرانية إلى أزمة أطلسية.

بين النموذجين، هناك نموذج ثالث هو الأرجح قصيراً: كونغرس منقسم. مجلس نواب ديمقراطي ومجلس شيوخ جمهوري، أو العكس بفارق مقعد واحد. وهذا النموذج لا يمنع الحرب ولا يطلقها، بل يجعلها رهينة المفاوضات اليومية: كل تصعيد عسكري يحتاج تبريراً سياسياً، وكل هدنة دبلوماسية تحتاج غطاءً انتخابياً. وهذا هو بالضبط ما يجري اليوم في الدوحة: مسودة من ثلاثة أيام، لا اتفاق سلام، لأن لا أحد في واشنطن يملك تفويضاً كاملاً ليوقع سلاماً دائماً قبل معرفة نتيجة الليلة.

8. السبعة أيام التي تفصل العالم عن الانفجار

الرقم سبعة تكرر في كل الوثائق: خطة قطرية لسبعة أيام، ومقترح إيراني لسبعة أيام، ومقترح مضغوط ليومين، ومسودة قطرية لثلاثة أيام. لكن السبعة أيام الحقيقية هي الأيام السبعة المقبلة بعد الانتخابات، التي ستحدد ما إذا كانت المسودات ستصبح اتفاقاً، أو ستصبح ذريعة.

ففي هذه الأيام، ستُفرز النتائج، وستُعرف خريطة الكونغرس الجديد، وسيعود الوسطاء من طهران إلى الدوحة وواشنطن بردود، وسيقرر ترامب، الذي قال إنه “ليس في عجلة”، ما إذا كان سيمنح الدبلوماسية أسبوعاً آخر، أو سيأمر بضربة يصفها بأنها “حاسمة”. وفي هذه الأيام أيضاً، ستبقى فيرفورد وقواعد ألمانيا وإيطاليا والبرتغال على قائمة التهديد الإيراني، وسيبقى هرمز، الذي كان يعبره خمس الاستهلاك العالمي من النفط قبل الحرب، شبه مغلق، وستبقى أوروبا تطلق 42 مليون برميل من احتياطياتها لتخفيف الصدمة.

التاريخ يعلّم أن الحروب لا تبدأ عادة في يومها الأول، بل في الأيام السبعة التي تسبقه، حين يفشل الوسطاء في تحويل النوايا إلى نصوص، وحين يتحول الغموض من أداة تفاوض إلى ذريعة تصعيد. واليوم، الغموض هو السمة الغالبة: ترامب يقول “لا” للضربة و”قد يحدث” للاتفاق في الجملة نفسها، وطهران تقول إنها تريد السلام وإنها مستعدة لحرب “أطول بكثير”، والوسطاء يقولون إن المسودة تُتداول لكن لا اختراق بعد.

9. من هرمز إلى الكونغرس: معركة واحدة بعنوانين

من السهل أن نقرأ ما يجري كمعركتين منفصلتين: معركة انتخابية في أميركا، ومعركة عسكرية في الخليج. لكن الوقائع تقول إنهما معركة واحدة بعنوانين، تربطهما ثلاث حلقات:

الحلقة الأولى، الطاقة: هرمز شبه مغلق منذ 28 شباط، و35 هجوماً في تشرين الأول، و144 حادثة منذ بدء الحرب، ونحو مليار برميل سُحبت من المخزونات، وبرنت عند 104 دولارات بعد أن كان 117، وغولدمان ساكس يحذر من 140 دولاراً. الناخب الأميركي يدفع ثمن هرمز في محطة الوقود، فيعاقب الحزب الحاكم، فيتغير الكونغرس، فيتغير قرار الحرب، فيتغير مصير هرمز. دائرة مغلقة.

الحلقة الثانية، الردع: توجيهات السيد خامنئي بتوسيع بنك الأهداف، وتصريحات الحرس الثوري عن “جغرافيا جديدة” و”ردع أقصى”، وتهديدات باستهداف قواعد أوروبية، ليست موجهة إلى لندن وبرلين فقط، بل إلى الناخب الأميركي: “حربكم القادمة ستكلفكم أكثر من سابقتها، وستصل إلى حلفائكم”، وتهديدات ترامب بضربة “بالمطرقة”، ليست موجهة إلى طهران فقط، بل إلى الناخب الأميركي: “أنا القادر على إنهاء الحرب بالقوة”. كل طرف يستخدم الطرف الآخر كرسالة انتخابية.

الحلقة الثالثة، الوساطة: قطر وباكستان والسعودية وتركيا وروسيا والصين، كلها على خط واحد. فالدوحة تدير المسودة، وإسلام آباد تدير الاتصالات، والرياض وأنقرة التقيا الإيرانيين في طهران الاثنين، وموسكو استضافت لقاء بزشكيان مع أمير قطر، وبكين وموسكو عارضتا أي عمل عسكري جديد. العالم كله، إذن، يجلس على طاولة واحدة، عنوانها هرمز، وعنوانها الآخر الكونغرس.

من هذه الحلقات الثلاث، يُفهم لماذا هبط النفط 7% يوم الاثنين لمجرد أنباء عن تقدم في الدوحة، ولماذا عاد للارتفاع صباح اليوم لمجرد تقارير عن ضربات على قشم، السوق لا يتفاعل مع الحرب فقط، بل مع احتمالاتها الانتخابية.

10. المسيرة مستمرة.. والقرار في واشنطن

العنوان الأخير ليس شعاراً، بل خلاصة، فالمسيرة التي بدأت في 28 شباط، بحرب مفاجئة أثناء مفاوضات، ثم هدنة في 7 نيسان، ثم حرب استنزاف في هرمز، ثم وساطة قطرية، ثم تهديدات بلا قيود جغرافية، ثم انتخابات نصفية، لم تتوقف. وهي مستمرة، بأشكال مختلفة، حتى لو وقّع الطرفان هدنة في الأيام المقبلة، لأن الملفات الجوهرية، النووي، الحصار، هرمز، الضمانات، لم تُحل، بل أُجّلت.

والقرار، في النهاية، في واشنطن، لكنه ليس قرار ترامب وحده، إنه قرار الكونغرس الجديد، وقرار الناخب الذي صوّت اليوم، وقرار المؤسسة العسكرية التي أعدّت الخطط، وقرار الوسطاء الذين يحملون المسودة بين الدوحة وطهران. وطهران، التي قالت إنها هي من ستحدد نهاية الحرب المقبلة، تنتظر لتعرف أي واشنطن ستواجه: واشنطن المقيدة التي تفاوض تحت ضغط التحقيقات، أم واشنطن المطلقة اليد التي تضرب تحت غطاء التفويض.

نحن الآن أمام عدة سيناريوهات.

– السيناريو الأرجح قصيراً: هدنة إجرائية لثلاثة إلى سبعة أيام، فتح جزئي لهرمز، وتراجع مؤقت للنفط، دون حل النووي. وهذا ما تسعّر فيه السوق اليوم.

– السيناريو الثاني: ضربة محدودة ورد محدود، يبقيان أوروبا خارج الاستهداف المباشر، لكنهما يبقيان هرمز شبه مغلق، والاقتصاد العالمي تحت ضغط.

– السيناريو الثالث، الأخطر: حرب بلا حدود جغرافية، إذا شعرت طهران بتهديد وجودي، وطبّقت مبدأ الرد عبر وكلاء في أوروبا أو تخريب بنى تحتية، فتتحول المواجهة إلى أزمة أطلسية، وتدخل روسيا والصين على خط الضمانات والاستقطاب.

في كل السيناريوهات، تبقى الحقيقة التي تقول أن  “الدبلوماسية على حافة الحرب” والتصريحات تعكس تقدم الدبلوماسية، والواقع يعكس تقدم الجيوش، واليوم، الجيوش لم تعد تتقدم في الخليج فقط، بل في حسابات لندن وبرلين وروما، وفي صناديق الاقتراع الأميركية.

أميركا صوّتت، والعالم، الذي حبس أنفاسه طوال اليوم، سيبدأ الليلة في معرفة ما إذا كان صوتها صوت هدنة، أم صوت حرب مؤجلة سبعة أيام فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى