صنعاء ترد على اتهام المدينة المنورة: بهتان جديد بعد فشل رواية مكة
لم يكد الجدل حول اتهام صنعاء باستهداف مكة المكرمة يهدأ حتى خرج التحالف الذي تقوده الرياض باتهام جديد، إذ أعلن المتحدث باسمه تركي المالكي أن هجومًا وقع فجر الثلاثاء 29 أيلول/سبتمبر على محطة “طيبة” لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة، وأن التحقيق وفحص حطام المسيّرة أثبتا مسؤولية صنعاء عنه، مضيفًا أن المحطة تقدم خدماتها للمسجد النبوي الشريف وأن الهجوم أخرج محولًا واحدًا عن الخدمة من دون أن تتأثر الشبكة. وفي المقابل جاء الرد من صنعاء متعدد المستويات، من رئاسة المجلس السياسي الأعلى إلى وزارة الخارجية وناطق الحكومة ورابطة علماء اليمن، وغيرهم واجتمعت هذه الردود على قراءة واحدة مفادها أن الاتهام حلقة جديدة في مسار تضليل منهجي تُستخدم فيه قداسة الحرمين أداةً سياسية.
من مكة إلى المدينة: رواية تتكرر ووظيفة لا تتبدل
تنطلق صنعاء في تفنيدها من عنصر التكرار، فناطق حكومة التغيير والبناء عمر داعر البخيتي يرى أن الرياض انتقلت إلى رواية المدينة المنورة بعد أن أخفقت في تثبيت رواية استهداف مكة المكرمة، ويتوقع للثانية مصير الأولى. ويسند السياق الزمني هذا الربط، إذ كان التحالف قد أعلن قبل أسابيع اعتراض مسيّرة قال إنها أُطلقت باتجاه مكة. والتكرار في القراءة اليمنية جزء من بنية الرواية نفسها، فحين يعجز الاتهام الأول عن إنتاج الأثر المطلوب يُستعاض عنه باتهام أشد حساسية يمسّ هذه المرة المسجد النبوي مباشرة. ولذلك يذهب الرئيس مهدي المشاط أبعد من النفي، فيصف الاتهام بأنه إفلاس يعبّر عن حالة عجز وفشل، ويحمّل الرياض المسؤولية الكاملة عن أي اعتداء يطال مكة أو المدينة أو ضيوف بيت الله الحرام ثم يُلصق باليمنيين، وهو تحذير مسبق من أن تكون الرواية تمهيدًا لما هو أخطر منها.
أما الغاية من الاتهام فتجدها صنعاء في مأزق الحرب ذاتها، فالرياض تخوض عدوانًا وحصارًا على اليمن منذ قرابة اثني عشر عامًا من دون أن تحسمهما، وهي تحتاج إلى غطاء تعبوي يعيد تعريف الصراع. وتحويل اليمني من محاصَر إلى معتدٍ على الحرمين ينقل المواجهة من ميدان السياسة، حيث الموقف السعودي ضعيف، إلى ميدان الوجدان الديني، حيث يسهل استنفار مئات ملايين المسلمين. ومن هنا يصف المشاط الاتهام بأنه محاولة يائسة لحشد رأي عام إسلامي بات يدرك حقيقة الموقف، فيما تضيف رابطة علماء اليمن أن المقصود تشويه صورة شعب ملأ الساحات بالملايين احتفاءً بالمولد النبوي، ونصرةً للمقدسات في وجه الإساءات للقرآن والنبي، ودعمًا لفلسطين في زمن الخذلان. والمفارقة التي يبني عليها الخطاب اليمني حجته أن من خاض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وبريطانيا والاحتلال الإسرائيلي دفاعًا عن المسجد الأقصى لا يستقيم اتهامه بالعدوان على المسجد النبوي، وقد أعلن المشاط استعداد اليمن للدفاع عن الحرمين بكل الوسائل الممكنة.
من المؤتمن على الحرمين؟ صنعاء تقلب التهمة
ولا يكتفي هذا الخطاب بالدفاع، بل ينتقل إلى مساءلة أهلية الرياض نفسها لرعاية المقدسات. فهو يستعيد من التاريخ دخول القوات السعودية مكة قبل مئة عام وما رافقه وتلاه من إزالة مساجد ومقابر للصحابة ومعالم مرتبطة ببيت النبي وبيت السيدة خديجة، ثم يستحضر من الحاضر تحويل أرض الحرمين إلى ساحة لمواسم الترفيه وتحويل المشاعر المقدسة إلى مشروع استثماري، وهو ما تعدّه الخارجية اليمنية إساءة بالغة بحق المقدسات. ويكتمل هذا البناء بالبعد السياسي، إذ تقول رابطة العلماء إن الرياض تغلق مطار صنعاء وتقصفه فيما تفتح أجواءها ومطاراتها للإسرائيليين، وتربط الخارجية توقيت الاتهام بلقاءات سرية تقول إنها جمعت ممثلين سعوديين بإسرائيليين في دولة مجاورة. وتنتهي الخارجية من ذلك كله إلى أن النظام السعودي ليس أهلًا لإدارة الحرمين ولا مؤتمنًا عليهما، وهذا تصعيد يتجاوز الخلاف العسكري ليطال أساس الشرعية الدينية التي تستند إليها المملكة.
تعيد صنعاء المسألة إلى أصلها، فالبخيتي يؤكد أن الرياض لا تملك سوى وقف العدوان ورفع الحصار، وأن أي رواية إعلامية لن تغني عن تنفيذ مطالب اليمنيين المشروعة، بينما تخاطب رابطة العلماء علماء الأمة مباشرة وتعدّ قول كلمة الحق في هذه المسألة مسؤولية شرعية، لأن السكوت عن توظيف الحرمين في الدعاية الحربية مشاركة في ابتذال قدسيتهما. وبهذا يتحول الاتهام السعودي، في القراءة اليمنية، من ورقة ضغط على صنعاء إلى شاهد على مأزق الرياض: حرب بلا أفق، وحصار لم يُخضع خصمه، وخطاب لم يبقَ له ما يستثمره سوى المقدسات.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




