صحافة

سوريا في الحسابات الصهيونية: من الاستهداف الإعلامي إلى صراع الممرات

اندلعت الحرب على الجمهورية الإسلامية من دون أن يكون في الحسبان أنها ستصمد بهذا الشكل أمام التكتل الصهيو-خليجي-الأميركي، إذ عادت زمام المبادرة وأوراق القوة لتستقر من جديد عند مضيق هرمز وعند خناق الأزمة الاقتصادية العالمية التي تعيشها الولايات المتحدة بعدما تجاوزت مديونيتها عتبة الأربعين تريليون دولار، موزعة بين سبعة وعشرين تريليونا داخليا وثلاثة عشر تريليونا خارجيا. فوهم القوة والاتكال المفرط على الذكاء الاصطناعي أوقعا الإدارة الأميركية في سوء تقدير لنتائج الحرب، ووضعاها أمام مديونية وتضخم يضيقان الخناق عليها، في وقت تتزايد فيه الدول التي بدأت التخلي عن سندات الخزينة الأميركية بعناوين مختلفة. وفي خضم هذا كله يسعى الكيان إلى تحقيق “المنطقة الآمنة” لاستجلاب المشاريع، غير أن سوريا برزت كموقع جغرافي محوري بالاستناد إلى تركيا وإلى الدعم الإسلامي بشقّيه السني والشيعي، لتعيد إلى الصهيونية مشهدا ظنّت أنها طوته. وأمام هذا الاصطفاف الجديد بات خيار بعض دول الخليج أكثر وضوحا مع تراكم التجربة الصهيو-أميركية، وبات السلام الإسلامي يفرض نفسه بديلا عن السلام الصهيو-أميركي.

انطلاقا من المعطيات والعناوين التي شغلت الرأي العام الصهيوني خلال شهري آب وأيلول 2026، يمكن استعراض موقع سوريا من ثلاث زوايا: دورها وعلاقتها بإسرائيل، مكانتها في الاصطفاف مع تركيا، وموقعها من مشاريع الطاقة ومسارات النقل الدولية، وبخاصة تأثيرها على المشروع الصهيوني الذي انطلق مع ممر “إيمك” IMEC عام 2023، ضمن رؤية صهيونية تسعى إلى توسيع التطبيع ليشمل العراق والأكراد في سوريا والعراق، إضافة إلى النظام الجديد في سوريا، سواء باستيعاب تركيا أو بتحضير عناصر مواجهتها.

يمثل مشروع الممر الاقتصادي الممتد من الهند إلى الخليج فحيفا فأوروبا، المعروف بـ IMEC ، أحد أبرز هذه المحاور. فقد أنتجت أزمة مضيق هرمز بحثا عن بدائل وقتية أقل كلفة، وهو ما يتطلب تعزيز الحضانة الصهيو-الأميركية في منطقة العراق وسوريا بما يضعف العمق الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية وقيمة تحررها من مضيق هرمز، ويخدم في الوقت نفسه الحاجة الأميركية إلى إعادة تعبئة مخزونها الاستراتيجي، كما وعد الزبيدي. وقد تُرجم هذا التوجه بمشروع أميركي لإحياء خط أنابيب النفط التاريخي كركوك-بانياس الذي يربط شمال العراق بالساحل السوري، وتجري دراسته الفنية والمالية حاليا بحسب تصريح نائب رئيس الشركة السورية للبترول أحمد قبه جي، على اعتبار أن هذا الخط يختصر مسارات الشحن بنحو ثلاثة آلاف ميل بحري ويخفّض الكلفة بشكل ملموس. وقد تولى توم باراك التلميح إلى مشروع خط نفط العراق-سوريا، فيما تولى المحور الأميركي-السعودي-القطري عملية الاستثمار في الطاقة السورية بشكل ثنائي، إذ وقّعت شركة شيفرون مذكرة تفاهم مع شركة النفط السورية الحكومية وشركة باور إنترناشونال القطرية لتطوير أول مشروع نفط وغاز في المياه الإقليمية السورية، تلتها شركات طاقة سعودية وأميركية أعلنت خططا لاستكشاف حقول إضافية والمساهمة في إعادة بناء البنية التحتية للطاقة في شمال شرق سوريا. وقد تزامن ذلك مع مطالب أميركية وُجّهت إلى سوريا والعراق معا، إذ طُلب من الشرع التدخل في لبنان خلال لقاء الناتو في تركيا مطلع تموز 2026، بينما كُلّف الزيدي في زيارته للبيت الأبيض منتصف الشهر نفسه بملف سلاح المقاومة العراقية قبل موعد الانسحاب الأميركي نهاية أيلول. وهذا الطرح الأميركي، وإن عزّز أهمية الاستقرار في سوريا والعراق ووضعهما في دائرة الاهتمام والحماية الأميركية، فإنه في المقابل يعرقل مركزية المشروع الصهيوني القائم على الممر الاقتصادي الذي يُسوَّق كمواجهة لمبادرة الحزام والطريق الصينية، ويؤسس لإخراج النفط من الدائرة التركية أو لإيجاد آليات لنقل نفط شرق الفرات إلى المتوسط، بما يمنح الإدارة الأميركية سيادة كاملة على نفط العراق وسوريا، ويوسّع دائرة السيطرة على المنطقة بالتكامل مع ممر IMEC ، مع ما يحمله ذلك من إضعاف لمركزية حيفا لصالح سوريا كممر إلزامي يربط الشرق بالبحر والشمال بالجنوب عبر الأردن، وهو ما بدأت الكتابات الإسرائيلية تنظر إليه بوصفه دولة يجب أن تخضع بدورها للترتيبات الإسرائيلية.

أما على المستوى الإعلامي، فلا تكاد تظهر صورة تعكس نشاطا إسلاميا فرديا أو محدودا في سوريا حتى يستغلها الإعلام الصهيوني للترويج لفكرة أن سوريا تهديد جهادي قادم، كما جرى مع نشاط “أبشري حوران” الذي تناقلته منصة iNEWS لرسم صورة عن مشروع إخواني إسلامي وشيك. وتولى باحثون وشخصيات إعلامية تسويق فكرة أن الرئيس الشرع أخطر من إيران وحزب الله، بل إن بعضهم ذهب إلى وصفه بأنه أشد خطورة من الأسد لكونه يمثل نظاما ذا طابع ديني يتخفى خلف قناع براغماتي. وتُستغل كل فتوى أو تصريح أو خلاف فقهي لترسيخ صورة في الوعي الصهيوني والعالمي بأن سوريا أرض جهاد ورباط. وفي المقابل، سعى بعض الإعلاميين إلى تخفيف حدة الهجوم على الشرع بما يمنع دفعه كليا نحو الحضن التركي، مع إدراك أن رفع سقف المواجهة مع تركيا إلى مستوى غير محسوب لا يخدم إسرائيل التي لا تريد فتح جبهة جديدة في مواجهة دولة عضو في الناتو تملك ثقلا عسكريا وموقعا إسلاميا يؤسس لمحور سني تكون سوريا جزءا منه، بينما يُنظر إلى مصر بقدر من الحذر. ويمكن قراءة هذا الاستهداف الممنهج في ضوء أهداف عدة: الابتزاز الشخصي للرئيس الشرع لتبرير العدوان الصهيوني باسم الأمن الاستباقي، والانزعاج من رفع سوريا عن لائحة الإرهاب التي أُدرجت فيها ظلما منذ 1979، والخشية من طبيعة الإسلام ذاته بما يحمله النص القرآني من توصيف لعداوة اليهود للمؤمنين، إضافة إلى محاولة استنساخ التجربة السعودية التي تخلّت عن ثوبها الديني وأبقت على الإرهاب التكفيري أداة لمشاريعها، وأخيرا السعي إلى إحداث شرخ بين الحالة الإسلامية في سوريا والتقارب التركي-الباكستاني-الإيراني-القطري من دون السعودية.

وتبرز سوريا أيضا كساحة لتبادل الرسائل التركية-الإسرائيلية، إذ تصاعد الخطاب بين الطرفين قبل أن تتخطى إسرائيل كل الاعتبارات باستهداف مطار أبو الظهور شمال سوريا، بعلم أميركي معلن وبإقرار سوري عبر وزير الخارجية أسعد الشيباني. وسعت إسرائيل من وراء هذه الضربة إلى تحقيق مكاسب عدة: إثارة الشرخ بين تركيا والشرع بإيحاء التنسيق بينهما، ووضع تركيا والإدارة الأميركية، وتحديدا توم باراك، في موقف حرج استدعى تصريحات ناقدة لم تلق ترحيبا إسرائيليا، ودفع سوريا إلى التفاوض من جديد على ضمانات حيادها عبر تشديد الرقابة الأمنية على معابر تهريب السلاح وعلى نشاط السوريين في الجنوب، وتثبيت النفوذ الإسرائيلي الموازي للنفوذ التركي داخل سوريا، وضبط حجم الجيش السوري الذي يُبنى بخبرات تركية كي لا يعيق أي مشروع توسع مستقبلي، وفي مقدمة ذلك كله تأمين حرية الحركة الكاملة في الفضاء الجوي السوري من دون منازعة تركية أو إيرانية.

وفي الخلاصة، تكشف الحرب الغادرة على الجمهورية عمق التخطيط لها منذ نقل إسرائيل من نطاق القيادة الأوروبية “يوكوم” إلى قيادة “سنتكوم” بين عامي 2021 و2022، تمهيدا لممر IMEC الذي طُرح رسميا في قمة العشرين بنيودلهي عام 2023. ورغم أن الحرب لم تحقق الأهداف المرجوة لمخططيها، وتعرّضت هيبة الصورة الأميركية للاهتزاز عند حدود مدرسة ميناب، تواصل إسرائيل محاولة تحويل سوريا إلى دولة أمنية-شرطية تابعة، مستخدمة خطابا مكشوفا يجمع بين ادعاء مكافحة الإرهاب وممارسته، والمطالبة بحق الوجود مع إلغاء الوجود الفلسطيني، وتوسيع دائرة التهديد لتشمل الإسلام والمسلمين باستثناء السعودية والخليج. وقد جاء التطور اليمني الأخير ليخلط هذه الترتيبات، وهو ما استدعى اجتماع هامبورغ لتوحيد الجهود واحتواء التطورات إطالة لعمر الكيان وضمانا لاستمرار الحماية الأميركية والمظلة المالية الخليجية. وتتوزع الأساليب الإسرائيلية بين الضغط على الرئيس الشرع لتحويل سوريا إلى تابع أمني على غرار التجربة اللبنانية، والتهويل بعدم الاستقرار لتبرير الحاجة إلى بيئة آمنة للمشاريع الاقتصادية، والترويج الإعلامي لإنجازات الإدارة الإسرائيلية في مرتفعات جبل الشيخ، وإدخال الأردن ضمن مسار IMEC بما يخدم إخراج الضفة من المعادلة الفلسطينية وتهويدها، والبحث عن مسارات بديلة عبر إيلات وعسقلان تراجعت بعد الانتصارات اليمنية التي صفّرت تصدير النفط السعودي. وتبقى الخلاصة أن المشروع الصهيو-أميركي ورديفه الخليجي يسعيان إلى بناء منطقة اقتصادية حيوية تحت مظلة “سنتكوم”، تتحقق فيها سيادة إسرائيلية اقتصادية وجغرافية تمتد من غزة إلى الضفة والأردن وجنوب سوريا ولبنان، بما يخدم في نهاية المطاف مصالح تحالف رأس المال الخليجي-الصهيوني-الأميركي، على حساب أي مسار بديل يجمع سوريا وتركيا والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان والصين ضمن مشروع الحزام والطريق.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى